معضلة الارتداد الكاذب .. كيف يقع المتداولون في فخ الأسهم الهابطة؟
معضلة الارتداد الكاذب .. كيف يقع المتداولون في فخ الأسهم الهابطة؟
تعد ظاهرة الارتداد الكاذب، والتي تُعرف أحيانًا بارتداد القطة الميتة أو مصيدة الدببة، واحدة من أكثر الظواهر إغراءً من الناحية النفسية، وأكثرها تدميرًا من الناحية المالية.
وتحدث هذه الظاهرة عندما يخسر سهم ما 60% من قيمته خلال عدة أشهر، ثم يقفز فجأة بنحو 20% خلال أيام قليلة وسط عناوين براقة بتوقعات انتهاء الهبوط وعودة المشترين.
هذا الوضع يجعل آلاف المستثمرين يندفعون لشراء السهم خوفًا من تفويت فرصة التعافي، لكن في كثير من الأحيان لا يكون هذا الارتفاع سوى محطة مؤقتة، إذ يعاود السهم الهبوط ليوقع موجة جديدة من المستثمرين في الخسائر.
ومع انتشار تطبيقات التداول المجاني، ومنصات التواصل الاجتماعي، والتعليقات الفورية على الأسواق، أصبح المستثمرون يتفاعلون بسرعة مع تحركات الأسعار، بينما يتراجع الاهتمام بالسؤال الأهم: هل تحسن أداء الشركة فعلًا؟
وهم السهم الرخيص
تشير دراسات التمويل السلوكي إلى أن المستثمرين يميلون إلى مقارنة السعر الحالي بالسعر السابق للسهم، وليس بالقيمة الحقيقية للشركة.
فإذا كان السهم يتداول عند 300 دولار ثم هبط إلى 120 دولارًا، يعتقد كثيرون أنه أصبح "رخيصًا"، حتى لو كانت أرباح الشركة قد تراجعت بصورة كبيرة.
وتوضح أبحاث السلوك الاستثماري أن المستثمرين يعتمدون على الأسعار التاريخية كنقطة مرجعية عند اتخاذ القرار، بدلًا من إعادة تقييم مستقبل الشركة.
كما تفسر نظرية الاحتمالات، التي طورها دانيال كانيمان وآموس تفيرسكي، سبب زيادة شهية المستثمرين للمخاطرة بعد الخسائر؛ إذ يصبح هدفهم الأساسي تعويض ما فقدوه، ما يدفعهم إلى شراء الأسهم الهابطة قبل ظهور مؤشرات حقيقية على التعافي.
ويرى مديرو الصناديق أن هناك فرقًا جوهريًا بين شراء سهم لأن سعره انخفض، وشرائه لأن أعمال الشركة تحسنت.
عندما تتحول شركات شهيرة لأكبر الفخاخ
لا تقتصر الارتدادات الكاذبة على الشركات الصغيرة، بل تشمل أيضًا أسماء عالمية معروفة.
فعلى سبيل المثال، كانت بيلوتون إنتراكتيف من أكبر المستفيدين من جائحة كورونا، إذ قفز سهمها إلى مستوى قياسي بلغ نحو 171 دولارًا في يناير 2021، لترتفع قيمتها السوقية إلى أكثر من 50 مليار دولار.

لكن مع عودة الحياة الطبيعية، تباطأ نمو المشتركين، وارتفعت المخزونات، وتراجعت الربحية، ليدخل السهم في موجة هبوط حادة.
وخلال عامي 2022 و2023، سجل السهم عدة ارتدادات تجاوزت 10% في جلسة واحدة، بل قفز في بعض الفترات بأكثر من 30%.
وجاء الارتفاع عقب تداول أنباء عن خطط لإعادة الهيكلة وانتشار تكهنات بشأن الاستحواذ على الشركة، ما دفع كثيرًا من المستثمرين للاعتقاد بأن التعافي بدأ بالفعل.
إلا أن هذه الارتفاعات لم تستمر، إذ واصل السهم تراجعه حتى هبط إلى أقل من 3 دولارات في عام 2024، أي بخسارة تجاوزت 98% مقارنة بذروته التاريخية.
وتعد قصة انهيار عملاق الطاقة شركة إنرون في عام 2001 نموذج آخر في هذا الصدد، فمع تكشف خيوط الاحتيال الممنهج في حسابات الشركة، هبط السهم من ذروته القريبة من 90 دولارًا أمريكيًا للسهم.
ومع ذلك، لم يكن الهبوط متواصلًا؛ بل تخللته عمليات ارتداد، وعندما انخفض السهم لاحقًا إلى 15 دولارًا، قرر عدد من المستثمرين العودة للشراء وهو ما رفع السهم لقرابة 22 دولارًا حيث اعتبر المعلقون الماليون أن هذا الارتفاع دليل على أن الشركة أكبر من أن تفشل.
وفي غضون أسابيع، تبخر ذلك الزخم المؤقت، ليتهاوى السهم في النهاية إلى الصفر، مبددًا ثروات المشترين في وقت لاحق.
آليات الارتداد الكاذب
لا يحدث الارتداد الكاذب عادة بسبب تحسن أوضاع الشركة، بل نتيجة عوامل فنية ومؤقتة في السوق.
فأحد أبرز هذه العوامل هو تغطية مراكز البيع على المكشوف، حيث يضطر المستثمرون الذين راهنوا على هبوط السهم إلى إعادة شرائه لجني الأرباح أو الحد من الخسائر، ما يؤدي إلى زيادة الطلب وارتفاع السعر لفترة قصيرة، حتى دون أي تغير في أداء الشركة.
كما تساهم أنظمة التداول الآلي وصناديق الاستثمار الكمية في تعزيز هذه الحركة؛ إذ تعتمد كثير من هذه الأنظمة على إشارات فنية مثل اختراق مستويات مقاومة أو متوسطات متحركة، فتبدأ في تنفيذ أوامر شراء تلقائيًا، وهو ما يزيد من قوة الارتفاع.

وتشير بيانات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية إلى أن التداول الإلكتروني والخوارزمي أصبح يمثل النسبة الأكبر من التعاملات، بينما تقدر شركات أبحاث السوق أن هذه التداولات تستحوذ على ما بين 60 و70% من إجمالي التداولات في الأسواق الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، تلعب الأخبار دورًا مهمًا في تغذية هذا الارتفاع، إذ قد يؤدي إعلان تغيير الإدارة التنفيذية، أو ظهور أنباء عن استحواذ محتمل، إلى موجة تفاؤل مؤقتة تدفع المستثمرين للشراء قبل ظهور أي تحسن فعلي في الإيرادات أو الأرباح.
ولهذا السبب يؤكد محللو الأسواق أن الارتفاع السعري وحده لا يكفي للحكم على تعافي الشركة، لأن الأسواق قد تستجيب سريعًا للأخبار والتوقعات، بينما يحتاج تحسن الأعمال والنتائج المالية إلى عدة فصول حتى يظهر بصورة واضحة.
منصات التواصل تسهم في الارتداد الكاذب
غيّرت منصات التداول المجاني ووسائل التواصل الاجتماعي طريقة تفاعل المستثمرين الأفراد مع الأسهم الهابطة، فبدلًا من النظر إلى التراجع الحاد باعتباره إشارة تستدعي مزيدًا من التحليل، بات كثير من المتداولين يعتبرونه فرصة شراء تلقائية.
وانتشرت عبارات مثل "اشترِ عند الهبوط" و"السهم أصبح بخصم كبير" كلما تعرضت شركة معروفة لخسائر حادة.
ورغم أن شراء الشركات القوية خلال التصحيحات كان تاريخيًا أحد أساليب الاستثمار الناجحة، فإن تطبيق الفكرة نفسها على جميع الأسهم المتراجعة خلق تصورًا مضللًا لدى كثير من المستثمرين.
وفي دراسة للاقتصاديين "براد باربر" و"تيرانس أودين" نشرتها مجلة رفيو أوف فايننشيال ستديز، توصلا إلى أن المستثمرين الأفراد يميلون لشراء الأسهم التي تستحوذ على اهتمام السوق، سواء بسبب الأخبار أو التقلبات السعرية الحادة.
وبرز هذا النمط بوضوح في سهم جيم ستوب خلال موجة المضاربة التاريخية التي شهدها مطلع عام 2021.
وارتفع السهم من نحو 17.25 دولار أمريكي في أول جلسة تداول من عام 2021 إلى 347.51 دولار عند الإغلاق في 27 يناير، مسجلًا مكاسب تجاوزت 1900% خلال أقل من شهر، بينما لامس 483 دولارًا خلال التداولات اللحظية في اليوم التالي قبل تقسيم السهم.

لكن بعد انتهاء موجة الشراء المكثف، انهار السهم سريعًا، إذ هبط إلى نحو 53.50 دولار بحلول 4 فبراير 2021، أي بعد ست جلسات فقط من تسجيل القمة، قبل أن يشهد خلال السنوات التالية سلسلة من الارتدادات التي تجاوزت 10% في مناسبات عديدة.
ورغم هذه الارتفاعات المتكررة، ظل جزء كبير من التداولات مدفوعًا بحماس المستثمرين على منصات التواصل الاجتماعي أكثر من تحسن الأداء التشغيلي للشركة، وكانت كل موجة صعود تعيد إحياء توقعات بعودة السهم إلى قممه السابقة.
بوصلة المستثمر بين التعافي الحقيقي والارتداد الكاذب
يرى مديرو الصناديق أن أفضل وسيلة للتمييز بين التعافي الحقيقي والارتداد الكاذب هي التركيز على أداء الشركة، وليس على حركة السهم.
فارتفاع السعر لا يمثل في حد ذاته دليلًا على انتهاء الأزمة، بينما تمثل المؤشرات المالية الإيجابية إشارات أكثر موثوقية، ومن أبرز هذه المؤشرات، تسارع نمو الإيرادات وتحسن هوامش الربحية أو زيادة الحصة السوقية أو نجاح منتجات جديدة.
وتعد إنفيديا مثالًا واضحًا على التعافي القائم على الأساسيات، إذ تعرض سهم الشركة لهبوط قوي خلال عام 2022 مع تباطؤ الطلب على الرقائق وارتفاع المخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي.
لكنه شهد تعافيًا في وقت لاحق مدفوعًا بالانفجار الكبير في الطلب على شرائح الذكاء الاصطناعي، وليس المضاربة.
ووفقًا للتقرير السنوي للشركة، ارتفعت إيراداتها خلال السنة المالية 2025 إلى 130.5 مليار دولار أمريكي، مقارنة بنحو 60.9 مليار دولار في العام السابق، بينما قفز صافي الأرباح إلى نحو 72.9 مليار دولار.
وحاليًا تتجاوز قيمة الشركة السوقية أكثر من 5 تريليونات دولار، مدفوعة بالنمو الحقيقي في الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي، وليس بمجرد تحسن معنويات المستثمرين.
لذلك، فإن أخطر ما قد يواجه المستثمر ليس شراء سهم هابط، بل الاعتقاد بأن ارتفاع السعر يعني تلقائيًا تعافي الشركة.
ففي الأسواق المالية قد يرتفع السهم خلال أيام، بينما يحتاج إصلاح نموذج الأعمال إلى سنوات، وبين هذين الإيقاعين يقع كثير من المستثمرين في فخ الارتداد الكاذب، بينما ينجو من يميز بين حركة السعر والقيمة الحقيقية للشركة.
المصادر: مجلة رفيو أوف فاينينشيال ستديز- بورصة ناسداك- رويترز- بلومبرج- إنفيديا- بيلوتون إنتراكتيف
{{displayname}}
{{profession}}
{{followercount}}
{{aboutme}}
المصدر الأصلي: أرقام
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.