عقد مجلس الشعب السوري، الأحد، أولى جلساته في إطار المرحلة الانتقالية، فاتحاً فصلاً جديداً في تاريخ المؤسسة التشريعية، التي تعاقبت عليها تسميات وأنظمة مختلفة على مدى أكثر من 100 عام.

ويباشر المجلس مهامه التشريعية المنصوص عليها في الإعلان الدستوري، والتي تشمل سن القوانين وإقرار الموازنة والمصادقة على المعاهدات، إلى جانب انتخاب هيئة رئاسته وأداء أعضائه القسم الدستوري، في خطوة تمثل انطلاق أعمال السلطة التشريعية خلال المرحلة الانتقالية.

 أول برلمان في سوريا الحديثة

تعود جذور السلطة التشريعية في سوريا إلى عام 1919، مع تأسيس المؤتمر السوري العام عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى وانسحاب الدولة العثمانية. وضم المؤتمر ممثلين لمختلف مناطق بلاد الشام، وشكل أول هيئة تمثيلية منتخبة في تاريخ سوريا الحديث، 

وفي 8 مارس 1920، أعلن المؤتمر استقلال سوريا وتنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على البلاد، كما أقر أول دستور للمملكة السورية العربية، قبل أن تنهي القوات الفرنسية هذه التجربة بعد معركة ميسلون وفرض الانتداب الفرنسي على سوريا.

مقر مجلس الشعب السوري في العاصمة دمشق - سانا
مقر مجلس الشعب السوري في العاصمة دمشق - سانا

بعد فرض الانتداب، أعادت السلطات الفرنسية تشكيل الحياة السياسية عبر مجالس وهيئات تشريعية متعددة، كان أبرزها الجمعية التأسيسية التي انتخبت عام 1928 لصياغة دستور جديد.

وفي عام 1930 صدر الدستور السوري، وتأسس المجلس النيابي الذي تولى التشريع والرقابة ضمن صلاحيات بقيت محدودة بسبب سلطات المفوض السامي الفرنسي، واستمر هذا النظام حتى جلاء القوات الفرنسية عام 1946.

المجلس النيابي بعد الاستقلال

مع استقلال سوريا، أصبح المجلس النيابي، المؤسسة التشريعية للدولة المستقلة، وتولى سن القوانين وإقرار الموازنة ومراقبة الحكومة، في ظل نظام برلماني تعددي شهد تنافساً بين الأحزاب السياسية.

إلا أن الانقلابات العسكرية المتلاحقة منذ عام 1949، وما تبعها من تغييرات دستورية، أثرت بصورة متكررة في عمل المجلس، إذ حُل وأعيد تشكيله أكثر من مرة تبعاً للتطورات السياسية.

وشكّل انقلاب "حزب البعث" في الثامن من مارس 1963 نقطة تحول في الحياة التشريعية السورية، إذ حُل البرلمان، وأعلنت حالة الطوارئ، وانتقلت السلطات التشريعية إلى مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية للحزب، بينما أنشئت لاحقاً مجالس مؤقتة ذات صلاحيات محدودة.

استمر مجلس الشعب بالاسم نفسه خلال عهد الرئيس السابق بشار الأسد، وشهد تعديلات دستورية أبرزها دستور عام 2012 الذي ألغى النص على" أن حزب البعث هو قائد الدولة والمجتمع"، مع الإبقاء على المجلس بوصفه السلطة التشريعية.

وخلال سنوات الحرب، أجريت عدة انتخابات برلمانية، فيما بقي المجلس مسؤولاً عن التشريع وإقرار الموازنات ومناقشة أداء الحكومة، وفق ما ينص عليه الدستور.

مجلس الشعب في المرحلة الانتقالية

بعد التغيير السياسي في سوريا، نص الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية على تشكيل مجلس شعب جديد يتولى السلطة التشريعية إلى حين اعتماد دستور دائم وإجراء انتخابات عامة.

ويتكون المجلس من أعضاء يُنتخب ثلثاهم عبر هيئات ناخبة تشرف عليها لجنة عليا، بينما يعين رئيس الجمهورية الثلث المتبقي لضمان التمثيل والكفاءة.

ويختص المجلس باقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل التشريعات، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة، وإقرار العفو العام، وعقد جلسات استماع للوزراء، إلى جانب النظر في رفع الحصانة عن أعضائه وفق نظامه الداخلي.

وبحسب الاعلان الدستوري، يضطلع المجلس بـ7 مهام رئيسية، تشمل اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل أو إلغاء القوانين النافذة، والمصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية.

كما يختص بإقرار الموازنة العامة للدولة، وإقرار العفو العام، والنظر في قبول استقالة أعضائه أو رفضها، ورفع الحصانة البرلمانية عنهم وفق نظامه الداخلي، إلى جانب عقد جلسات استماع للوزراء.

وينص الإعلان الدستوري على أن يتخذ المجلس قراراته بالأغلبية، فيما تمتد ولايته لمدة 30 شهراً قابلة للتجديد.

وفي أول اجتماع له، ينتخب المجلس رئيساً ونائبين وأميناً للسر بالاقتراع السري وبالأغلبية، على أن يترأس الجلسة الأولى أكبر الأعضاء سناً إلى حين انتخاب هيئة الرئاسة، ويلتزم المجلس بإعداد نظامه الداخلي خلال شهر من انعقاد أولى جلساته.

وأكد الإعلان تمتع أعضاء مجلس الشعب بالحصانة البرلمانية، وعدم جواز عزل أي عضو إلا بموافقة ثلثي أعضاء المجلس.

النظام الانتخابي المؤقت

وينظم النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب، الذي صادق عليه الرئيس أحمد الشرع بموجب المرسوم رقم (143)، إجراءات انعقاد الجلسة الأولى، وأداء القسم الدستوري، وانتخاب هيئة رئاسة المجلس.

وينص النظام على أن يدعو رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب أكبر الأعضاء سناً لترؤس الجلسة الأولى، فيما يتولى أصغر الأعضاء مهمة أمين السر.

وخلال الجلسة، يؤدي أعضاء المجلس القسم الدستوري بالنص الآتي: "أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً للوطن، وأن أحافظ على استقلال البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أؤدي أعمالي بأمانة وإخلاص".

وفي حال تعذر حضور أحد الأعضاء جلسة القسم، يؤديه في جلسة لاحقة يحددها رئيس المجلس. أما إذا امتنع عن أداء القسم أو تخلف عن الحضور دون مبرر، فتسقط عضويته مباشرة، ويُعين بديل عنه وفقاً لأحكام المرسوم.

كيف تشكل المجلس الجديد؟

حدد الإعلان الدستوري آلية تشكيل مجلس الشعب خلال المرحلة الانتقالية، إذ نص على أن يشكل رئيس الجمهورية لجنة عليا تشرف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة تتولى انتخاب ثلثي أعضاء المجلس، فيما يعين رئيس الجمهورية الثلث المتبقي بهدف ضمان التمثيل العادل والكفاءة.

وفي الأول من يوليو الجاري، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم (143) لعام 2026، المتضمن تسمية أعضاء مجلس الشعب الجديد، بمن فيهم الثلث المكمل.

وكانت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب قد أعلنت في الخامس من يوليو تأجيل انعقاد الجلسة الأولى للمجلس، التي كانت مقررة في السادس من الشهر نفسه، إلى موعد يحدد لاحقاً، قبل أن تقرر عقدها اليوم الأحد.