شنت الولايات المتحدة، صباح الخميس، هجمات موسعة على مواقع داخل الأراضي الإيرانية في شمال البلاد، كما أطلقت النار على سفينة اتهمتها بمحاولة خرق الحصار البحري. في المقابل، أطلقت إيران صواريخ وطائرات مسيرة على البحرين والكويت عند الفجر. وأكد كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، تمسك طهران بـ"الترتيبات الإيرانية" في مضيق هرمز، مبدياً استعدادها لـ"مواجهة عسكرية أوسع" في حال عدم التزام واشنطن ببنود "مذكرة التفاهم".

تأتي هذه التطورات في ظل تصعيد متبادل بين واشنطن وطهران على خلفية الأزمة في مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.

ويأتي هذا التصعيد عقب أيام من انهيار هدنة واهية، مما يثير مخاوف من اندلاع حرب شاملة، مع تجدد التهديدات الإيرانية بإغلاق صادرات الطاقة في المنطقة.

ويقول مسؤولون إيرانيون إن الضربات الأميركية الأخيرة، أودت حتى الآن، بحياة أكثر من 35 شخصاً، وأصابت ما يزيد على 300 آخرين. كما وصلت الضربات للمرة الأولى منذ استئناف القتال إلى مناطق قريبة من العاصمة طهران.

وأفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية، بتعرض محافظة سمنان لهجمات أميركية، وهي منطقة تضم منشآت مرتبطة بإنتاج الصواريخ الباليستية وبرنامج الفضاء الإيراني

وذكرت قناة "برس تي في" الإيرانية، أن انفجارين على الأقل هزا مدينة خنداب وسط إيران، الواقعة على بعد نحو 250 كيلومتراً جنوب غربي طهران، فيما أفادت وكالة "مهر" بأن الدفاعات الجوية الإيرانية فعّلت في طهران للتصدي لما وصفته بـ"تهديدات معادية".

وأفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بأن الهجمات الأميركية أصابت منطقة قرب مستشفى في الأهواز يضم مركزاً لعلاج سرطان الأطفال، ما اضطر السلطات إلى إخلائه مؤقتاً.

كما استهدفت ضربة أميركية أخرى، الأربعاء، ثكنة تابعة للواء المشاة الآلي 388 الإيراني، الذي يشغّل دبابات ومدرعات، في محافظة سيستان وبلوشستان. وذكر التلفزيون الإيراني أن القوات الأميركية أطلقت ما لا يقل عن 13 صاروخاً خلال هذا الهجوم، ما أودى بحياة 7 عسكريين، إضافة إلى إصابة عدد من الجنود.

استهداف قدرات إيران العسكرية 

وذكر ثلاثة مسؤولين أميركيين لوكالة "رويترز" أن الهجمات الأميركية، الرامية إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، تستهدف أيضا تقويض القدرات العسكرية الإيرانية التي تسعى واشنطن لتدميرها قبل الشروع في عمليات "أكثر تعقيدا".

وأضاف ​المسؤولون، أن هذه ⁠الضربات تعزز ​فعلياً الخيارات ⁠العسكرية المتاحة ‌لترمب، الذي أبقى العالم في ‌حيرة بشأن خطواته المقبلة بعد إخطاره الكونجرس في مطلع ​الأسبوع، باستئناف حرب إيران.

وذكرت القيادة المركزية "سنتكوم"، أن الجيش الأميركي نفذ ضربات استهدفت أنظمة الدفاع الساحلي ومواقع تخزين وإطلاق صواريخ كروز، بالإضافة إلى هجمات على عدة مواقع إيرانية.

كما أشارت إلى أنها قصفت أهدافاً في بندر عباس، التي تضم أكبر ميناء إيراني ومنشآت رئيسية للبحرية والحرس الثوري على مضيق هرمز.

وفي الوقت نفسه، قال الجيش الأميركي، إنه فتح النار على ناقلة النفط "بيلما"، التي ترفع علم كوراساو، بينما كانت تتجه نحو جزيرة خرج، المحطة الرئيسية لتصدير النفط الإيراني.

وأضاف أن السفينة "تجاهلت تحذيرات متعددة"، قبل أن تعطلها طائرة أميركية بإطلاق صاروخ أصابها.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت ضربات على إيران الأربعاء، خلال ساعات النهار، في مؤشر إضافي على تسارع وتيرة الهجمات.

مواجهة أوسع

ووسط الهجمات الأميركية، أصدر رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف بياناً، قال فيه إن "أمن إيران" يعتمد على الحفاظ على ما وصفه بـ"الترتيبات الإيرانية" في مضيق هرمز.

وأبدى قاليباف، استعداد إيران لـ"مواجهة عسكرية أوسع إذا لم تلتزم الولايات المتحدة بشروط الاتفاق المؤقت" في إشارة إلى "مذكرة التفاهم"، مضيفاً: "نحن نخوض حرباً أساسية ووجودية مع الولايات المتحدة".

من جانبه، أعلن الحرس الثوري الإيراني، شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على البحرين والكويت والأردن، بزعم استهداف "تجمع للقوات الأميركية، ومنظومة رادار".

وقال متحدث باسم الجيش الإيراني، في تصريحات أوردتها "رويترز"، إن السبيل الوحيد لإعادة فتح مضيق هرمز هو التزام الولايات المتحدة بـ"مذكرة التفاهم" المكونة من 14 بنداً، التي وقعها الطرفان في يونيو الماضي، إضافة إلى تطبيق "اللوائح الإيرانية" المنظمة لحركة السفن في المضيق.

وكان الحرس الثوري الإيراني هدد، الأربعاء، بوقف جميع صادرات الطاقة من الشرق الأوسط رداً على الحصار الأميركي على موانئها.

وقال الحرس الثوري: "إما أن تكون صادرات النفط والغاز من المنطقة متاحة للجميع، أو لن تكون متاحة لأحد".

وعندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في 28 فبراير الماضي، أغلقت طهران المضيق عملياً أمام حركة السفن، وهي خطوة أدت إلى ارتفاع أسعار النفط والأسمدة والعديد من السلع الأخرى في كافة أنحاء العالم، ومنحت إيران "ورقة ضغط كبيرة" في المفاوضات.

وتشكل الأسعار المرتفعة تحدياً خاصاً لترمب والحزب الجمهوري، الذي يأمل الاحتفاظ بالسيطرة على الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل. إلا أن واشنطن واجهت صعوبة في إعادة فتح الممر المائي بنجاح، ما دفع ترمب إلى إعادة فرض الحصار البحري، الأربعاء.

التسوية السياسية

وقال ترمب، الأربعاء، خلال زيارته كلية حربية في ولاية بنسلفانيا: "إنهم لا يحبون ما نفعله، ويريدون بالفعل التوصل إلى تسوية، وسنرى ما إذا كنا سنتوصل إلى اتفاق معهم، أم سننهي الأمر بالكامل".

وكان ترمب قد أعلن، الثلاثاء، أن المفاوضين الأميركيين أبلغوا نظراءهم الإيرانيين بضرورة التوصل إلى اتفاق، قائلاً: "من الأفضل أن تبرموا اتفاقاً".

وفي تصريحات للصحافيين، الأربعاء، حذّر ترمب إيران من مواصلة التصعيد، رافضاً الكشف عن مهلة محددة قبل احتمال استهداف جسورها. وأضاف: "من الأفضل لهم أن يحسنوا التصرف".

كما كتب ترمب، في منشور منفصل على منصة "تروث سوشيال"، أن طهران "قدّمت بادرة حسن نية بالإفراج عن مواطنة أميركية كانت محتجزة ظلماً في إيران منذ عام 2024"، من دون أن يكشف مزيداً من التفاصيل. ولم تعلن إيران فوراً الإفراج عنها، كما أن قضيتها لم تكن معروفة سابقاً للرأي العام.

وكشف محامي حقوق الإنسان جاريد جينسر أن المواطنة المفرج عنها هي دينا كراري، التي كانت ممنوعة من مغادرة إيران منذ ديسمبر 2024، وفق ما أوردت "رويترز".

وتشير الضربات الأميركية إلى اتساع نطاق المواجهة ليطال عمق الأراضي الإيرانية والمياه الإقليمية، مما يهدد أمن الطاقة العالمي. ويبقى السؤال حول مدى استعداد الطرفين للجوء إلى خيارات التسوية قبل الانزلاق إلى حرب شاملة. كما تبرز أهمية مضيق هرمز كخط أحمر في أي مواجهة محتملة.