تحت أنظار 68,239 متفرجاً ملأوا مدرجات ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا مساء أمس، قلب المنتخب الأرجنتيني تأخره بهدف أمام إنجلترا إلى فوز في غضون عشر دقائق فقط، مسجلاً هدفين قاداه إلى نهائي كأس العالم للمرة الثانية توالياً. وبحسب الإحصائيات، لم يخسر التانجو أي مباراة في نصف النهائي في البطولات الأخيرة.

وتعيد هذه المباراة تأكيد أن كرة القدم ليست مجرد لعبة أرقام مالية، بل ساحة تلتقي فيها الإرادة والموهبة.

في عالم الاقتصاد، يصعب المقارنة بين الأرجنتين وإنجلترا. فهناك، في الجانب البريطاني تجاه العملات، يقف الجنيه الإسترليني تاريخيا كإحدى أعرق وأقوى العملات العالمية، مدعوماً باقتصاد يتجاوز حجمه 3 تريليونات دولار، ومؤسسات مالية عريقة، ومركز مالي عالمي يتمثل في مدينة لندن.

في الضفة الأخرى من الأطلسي، تقف الأرجنتين تحت وطأة أزمات اقتصادية مزمنة، بفعل عملة محلية فقدت قيمتها بشكل كبير في سنوات قليلة، وتضخم بلغ في فترات مستويات قياسية، وديون خارجية جعلت بوينس آيرس أكبر مدينة لصندوق النقد الدولي، حيث يتجاوز إجمالي ديونها المستحقة للصندوق 42.5 مليار دولار، وتعمل حالياً بموجب برنامج "تسهيل الصندوق الممدد" (EFF) بقيمة 20 مليار دولار أُقر في 2025، بينما يبلغ معدل التضخم السنوي 33.5%، في تباطؤ ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة. لكن كرة القدم، كما جرت العادة، تسخر من الأرقام وتتحدث بلغة الأهداف والانتصارات والتتويجات.

في الدور نصف نهائي كأس العالم 2026 ليلة أمس، لم ينتصر الجنيه الإسترليني على البيزو الأرجنتيني، بل حدث العكس تماما، انتصر منتخب الأرجنتين على إنجلترا، وكأن المباراة كانت مواجهة رمزية بين اقتصادين غير متكافئين، اقتصاد قوي يملك المال والنفوذ، وآخر يواجه الأزمات ويصارع من أجل الاستقرار. لقد قدمت الأرجنتين درساً جديدا في العلاقة المعقدة بين الاقتصاد والرياضة: الثروة لا تصنع دائماً التفوق الرياضي.

الاقتصاد لا يسجل الأهداف

من الناحية النظرية، كان يفترض أن تكون إنجلترا صاحبة الأفضلية المطلقة. فالدوري الإنجليزي الممتاز هو الأغنى في العالم، وتبلغ عائداته مليارات الدولارات سنوياً، وتملك الأندية الإنجليزية أفضل البنى التحتية وأعلى مستويات الاستثمار في كرة القدم.

لكن كرة القدم لا تعمل وفق منطق الأسواق المالية فالمنتخبات الوطنية ليست شركات مساهمة، ولا تقاس قيمتها برأس المال أو الاحتياطيات النقدية أو التصنيف الائتماني. إنها تقاس بقدرتها على تحويل الهوية الوطنية إلى طاقة تنافسية، وتحويل المعاناة إلى حافز، وتحويل كرة القدم إلى قضية تتجاوز حدود الرياضة.

الأرجنتين .. اقتصاد مأزوم وقوة كروية مستدامة

قد يكمن سر الأرجنتين في تعلمها التعايش مع الأزمات. فعلى مدى عقود، تتأرجح البلاد بين الانكماش والتضخم والديون وإعادة الهيكلة الاقتصادية. ورغم هذا الاضطراب، تظل كرة القدم المؤسسة الوطنية الأكثر استقراراً.

فالأرجنتيني قد يفقد جزءاً من مدخراته بسبب انهيار العملة، لكنه لا يفقد إيمانه بأن بلاده قادرة على إنتاج مارادونا جديد أو ميسي آخر.

في الأرجنتين، أصبحت كرة القدم نوعاً من “رأس المال الاجتماعي” الذي يعوض، ولو معنوياً، عن خسائر الاقتصاد. إنها مصدر للهوية والفخر الوطني، وربما أحد الصادرات الرمزية القليلة التي لم تتراجع قيمتها.

لماذا لا تشتري الأموال البطولات ؟

إنجلترا تملك المال، لكن المال وحده لا يصنع تاريخاً كروياً. فالتاريخ الرياضي يعلمنا أن هناك عوامل أخرى لا تقل أهمية: الثقافة الكروية، والإرث التاريخي، والقدرة على تحمل الضغوط، والإيمان الجماعي بالفوز.

ولعل المفارقة أن الدول التي تمر بأزمات اقتصادية كثيراً ما تجد في الرياضة وسيلة لإعادة إنتاج الأمل الوطني. حدث ذلك في الأرجنتين مراراً، وحدث في دول أخرى استخدمت الرياضة كوسيلة لمقاومة الإحباط الاقتصادي والاجتماعي. وهنا نطبق المثل القائل "كرة القدم هي الغراء".

البيزو يهزم الإسترليني

قد لا ترتفع قيمة البيزو غداً أمام الجنيه الإسترليني في أسواق الصرف، وقد لا تتراجع ديون الأرجنتين أو تختفي أزماتها الاقتصادية بعد هذا الانتصار، لكن شيئاً آخر حدث في تلك الليلة.

لقد انتصر نموذج يقول إن قوة الأمم لا تُقاس فقط بحجم ناتجها المحلي أو استقرار عملتها، وإنما أيضاً بقدرتها على إنتاج المعنى، وصناعة الفرح، وبناء هوية وطنية قادرة على تحويل لعبة من 90 دقيقة إلى قصة كبرى عن الكبرياء والصمود.

وفي نصف نهائي مونديال 2026، كتب الأرجنتينيون فصلا جديدا من هذه القصة: في سوق العملات انتصر الإسترليني على البيزو، لكن في سوق الأحلام والانتصارات انتصر البيزو على الإسترليني.

وتؤكد الأرجنتين مرة أخرى أن كرة القدم تمثل رأس مال اجتماعياً يعوض عن الخسائر الاقتصادية، وأن الهوية الوطنية قد تتحول إلى طاقة تنافسية في الملاعب. وبينما تتصارع بوينس آيرس مع أزماتها، يبقى الشغف الكروي موحداً للشعب، مما يطرح تساؤلات حول دور الرياضة كملاذ في زمن الأزمات.