د. نوف البلوي

عندما تتراجع أكبر بورصة عالمية عن قواعد الإفصاح المتعلقة بالمناخ، قد يظن المرء أن الأسواق الأخرى ستحذو حذوها. لكن الواقع الراهن يكشف غير ذلك: فالأنظمة لا تختفي، بل يتحول ثقلها إلى جهة أخرى.

في خضم تنامي المخاطر المناخية، تتزايد الحاجة إلى تنظيم عالمي ينسق متطلبات الإفصاح.

في التاسع والعشرين من مايو الماضي، اقترحت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية إلغاء قواعد الإفصاح المناخي التي اعتمدتها، معتبرة أنها تجاوزت حدود صلاحياتها القانونية، وفرضت أعباء امتثال لا تتناسب مع منفعتها للمستثمرين، وابتعدت عن مبدأ «الجوهرية المالية» الذي يقوم عليه نظام الإفصاح الأمريكي.

تلك تحفظات قانونية وجيهة. فمن الحق التساؤل: هل تجاوزت هيئة تنظيم الأسواق اختصاصها لتصبح صانعة سياسة مناخية؟ وهل تعود جميع البيانات المطلوبة بفائدة حقيقية على المستثمر؟ بيد أن الجدل القانوني لا يعالج السؤال الاقتصادي الأكبر: من يضع القواعد حين تنحّي واشنطن؟

داخل الولايات المتحدة، تقدّم كاليفورنيا إجابة واضحة. ففي الوقت الذي تناقش فيه الحكومة الاتحادية إلغاء قاعدتها، تستعد شركات أمريكية كبرى، عامة وخاصة، لتقديم بيانات انبعاثاتها إلى الولاية بموجب قانون يشمل الشركات التي تتجاوز إيراداتها مليار دولار وتمارس أعمالًا فيها. ولهذا تخوض مجموعات الأعمال التي رحبت بتراجع الهيئة الاتحادية معركة قضائية ضد قانون كاليفورنيا، بحجة أن ولاية واحدة تحاول أن تصبح منظّمًا فعليًا للسوق الوطنية. تكشف هذه المعركة أن الخلاف لم يعد فقط حول حجم الإفصاح، بل حول الجهة التي تملك سلطة فرضه.

وتمنح الفيدرالية الأمريكية الولايات مساحة للتحرك في اتجاهات مختلفة. غير أن قدرة كاليفورنيا على التأثير لا تأتي من وضعها الدستوري وحده، بل من حجم اقتصادها؛ فالشركات الكبرى لا تستطيع تجاهل سوق بهذا الوزن، حتى عندما تقع مقارها وعملياتها الرئيسة خارج الولاية.

وعلى المستوى العالمي، تتكرر الصورة نفسها. فبينما تعيد واشنطن النظر في قواعدها، تبني المملكة المتحدة إطارها الوطني على أساس معايير المجلس الدولي لمعايير الاستدامة، ويخفف الاتحاد الأوروبي بعض متطلباته دون التخلي عن الإفصاح، وتعمل دول أخرى على إدخال معايير الاستدامة في أطرها التنظيمية. وهذا يعني أن الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات لن تخرج من دائرة الإفصاح حتى لو أُلغيت قواعد الهيئة. فهي ستظل مطالبة بالمعلومات من الأسواق التي تعمل فيها، ومن العملاء العالميين، والممولين، والمستثمرين الذين يدخلون المخاطر المناخية في قراراتهم.

لذلك لم يعد السؤال هل ستنتج الشركات بيانات الاستدامة، بل وفق أي إطار ستنتجها.

وإذا اختلفت القواعد بين الولايات والأسواق، ارتفعت تكلفة تحديد النطاق، ومواءمة البيانات، وتفسير الاختلافات في الجوهرية، وحدود الانبعاثات، ومستويات التحقق، ومواعيد التقارير. ولا تكمن المشكلة فقط في عدد الإفصاحات، بل في عدم اليقين الذي يصعب معه بناء نظام امتثال مستقر. من هنا تزداد أهمية المعايير الدولية.

فمعايير المجلس الدولي لمعايير الاستدامة لا تهدف إلى فرض سياسة بيئية موحدة، بل إلى توفير لغة مشتركة للمعلومات التي قد تؤثر في قيمة المنشأة وقرارات المستثمرين. وقد لا تطبقها الدول بالطريقة نفسها، لكنها تمنح الأسواق نقطة مرجعية تقلل من التشتت.

وقد يقود التراجع الأمريكي، من حيث لا يقصد، إلى تعزيز هذه المرجعيات. فكلما ازدادت التقلبات داخل الاقتصادات الكبرى، زادت جاذبية معيار يمكن استخدامه عبر أكثر من سوق.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز المناخ نفسه: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تتراجع عن بناء قاعدتها المحلية، وتحتفظ في الوقت ذاته بدورها في صياغة القواعد العالمية؟

فالانسحاب من التنظيم لا يعزل الشركات الأمريكية عن متطلبات الخارج، لكنه قد يحد من قدرة واشنطن على التأثير في اللغة التي ستستخدمها تلك الشركات عندما تفصح في أسواق أخرى.

أما الدول التي تبني أطرها اليوم، ومنها دول الخليج، فالدرس أمامها واضح. لا يكمن الخيار بين تقليد النموذج الأمريكي أو الأوروبي، بل في بناء إطار وطني متدرج ومستقر، يستند إلى مرجعية قابلة للمقارنة، ويراعي نضج السوق وتكلفة الامتثال. فالمستثمر لا يبحث عن أكبر عدد من الإفصاحات، بل عن بيانات موثوقة وقواعد يمكن التنبؤ بها. وهذه ميزة اقتصادية في ذاتها؛ لأن الشركات تستطيع التكيف مع قاعدة واضحة، لكنها تتردد أمام إطار يتغير مع كل دورة سياسية.

قد تمضي واشنطن في إلغاء قواعدها، وقد تعيد المحاكم رسم حدود تجربة كاليفورنيا، لكن المنافسة على كتابة معايير الإفصاح ستستمر. فالنفوذ التنظيمي في الاقتصاد العالمي لا يُقاس بحجم السوق وحده، بل بقدرة الدولة على إنتاج قاعدة مستقرة يثق بها الآخرون. ومن يتراجع عن كتابتها، يترك المقعد مفتوحًا لمن يكتبها مكانه.

مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية

مع تراجع واشنطن، تبرز كاليفورنيا والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة كجهات تنظيمية رائدة، مما يخلق فسيفساء تنظيمية. هذا التنوع يدفع الشركات نحو اعتماد معايير دولية كمرجع موحد، رغم التحديات القانونية والتكاليف الإضافية. وبالتالي، فإن نزاع الإفصاح المناخي يعكس صراعاً أعمق على من يملك سلطة وضع القواعد في الأسواق العالمية.