بعد بضع صفحات من رواية «غيبة مي» للكاتبة اللبنانية نجوى بركات (دار الآداب، بيروت 2025)، يتبين أن العمل يتناول الشيخوخة وتداعياتها، خصوصًا تلك المرتبطة بالوحدة والعزلة. نلتقي بمي، سيدة لبنانية في الثمانين من عمرها، تعيش بمفردها في شقة علوية ضمن بناية راقية في بيروت. ترافقنا بركات في جولة تفصيلية داخل أيام مي وروتينها اليومي المتكرر، وفي الوقت نفسه تجول بنا في أعماق عقلها المتأرجح بين اليقظة الحادة وأعراض التدهور بفعل مرض ألزهايمر، وما يرافقه من مظاهر الخرف التدريجي وفقدان الذاكرة. المائة وخمسة وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي حوالي نصفها، مكرسة لرصد دقيق لمعنى أن تكون امرأة عجوزًا وحيدة في مراحلها الأخيرة، حيث يتآكل الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال، ويصبح بحاجة إلى المساعدة في أبسط الأمور كالاستحمام وتجفيف الجسد وقضاء الحاجة. كل ما نؤديه دون تفكير يصبح جهدًا خارقًا، ولا ينفع معه التكبر. ولا يقتصر الأمر على الجسد، بل يتفاقم بالتدهور العقلي، حيث يصبح العالم كله موضع شك، وتسود الأوهام والمخاوف، وتفقد الثقة حتى بمن هم في أمس الحاجة إليهم.

تتناول رواية «غيبة مي» موضوع الشيخوخة بجرأة وواقعية، وهو موضوع نادر في الأدب العربي المعاصر، مما يجعلها عملًا فريدًا في مكتبة الرواية العربية.

تكرس نجوى بركات 125 صفحة لتصوير هذه المرحلة من حياة حالة فردية، وتغوص في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. إذا لم يكن القارئ مثابرًا ومنتبهًا لما تحاول الكاتبة فعله، فقد يدركه الملل ويتخلى عن الكتاب. أما أنا، الذي عايشت هذا الألم عن كثب وشاهدت أفلامًا سينمائية ممتازة تناولت هذه الظاهرة (مثل الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج مايكل هانيكه)، فقد أدركت أن ما تحاول الكاتبة لا يتحقق إلا بقذفنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسديًا وذهنيًا، وهذا لا يتأتى إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي تستحق الذكر فقط لأنها تصبح نضالًا بطوليًا للتمسك بوعي وجسد معًا.

لا أعرف رواية عربية أخرى تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» غير متحفظ، كما في مدرسة إميل زولا. في هذا النصف من الرواية، لا يبدو جنس الشخصية مهمًا؛ إنها امرأة اسمها «مي»، لكنها كانت يمكن أن تكون رجلًا. فالوهن الجسدي والانحلال العقلي في الشيخوخة ليس حكرًا على جنس دون آخر، وتتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة في طريق التحلل نحو النهاية. ولكن كون الكاتبة امرأة، جعلها تستقي خبرتها من مصادر أنثوية، فكان طبيعيًا أن تجسد الخبرة عبر شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف

تتحول الرواية فجأة في قسمها الثاني إلى نص نسوي، حيث تروي قصة حب تعيسة لمي الشابة مع رجل يجسد كل آفات الذكورة البطريركية، مما يثير تساؤلات حول البنية السردية للعمل ومدى انسجامها مع البداية الواقعية. إذا كان القسم الأول يركز على التحلل الجسدي والعقلي، فإن الثاني ينتقل إلى نقد اجتماعي لاذع، ربما لإظهار أن الشيخوخة ليست مجرد انهيار بيولوجي، بل نتيجة لتراكم الصدمات النفسية والاجتماعية مدى الحياة.