«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي
مسلسل جديد على «نتفليكس» يعيد إحياء روايات لورا إنغالز، ويقدّم للجمهور كل إمكانات الهروب من الواقع إلى عالمٍ مثاليّ شكلاً ومضموناً.
إنها أميركا القرن التاسع عشر في ربعه الأخير، أو «الأرض الموعودة»؛ تلك التي قصدَها كلُ باحثٍ عن حلم أو ثروة أو مغامرة بدءاً من سنة 1870. هذه هي البلاد التي يصوّرها مسلسل «نتفليكس» الجديد Little House on the Prairie (بيت صغير على المرج)، حيث تتكاثر الشخصيات الوافدة من كل حدبٍ وصوب لتحطّ رحالها في ولاية كانساس. معظمهم غرباء عن بعضهم، تجمعهم تلك الأرضُ البِكر وأحلامٌ شخصية ووطنية كبيرة.
في قلب الحكاية المقتبسة من سلسلة الروائية لورا إنغالز، عائلتُها المؤلّفة من والدها تشارلز إنغالز ووالدتها كارولين وشقيقتيها ماري وكاري. بعد طريقٍ عاثر ورحلةٍ محفوفة بالمخاطر، حطّت لورا وعائلتها الرحال في بلدة إنديبندنس حيث يتطلّعون إلى بناء بيتهم على أرضٍ مجانية. وهناك، تجمعهم الغربة بغرباء مثلهم لكلٍّ منهم حكاية تضيف حبكاتٍ ثانويّة لافتة، إلى الحبكة الأساسية للمسلسل.
منذ العثرة الأولى أي نجاة العائلة من غرقٍ محتومٍ في النهر أثناء رحلة العبور، يتّضح المزاج العام للمسلسل. يمكن اختصاره بالقناعة التي يسير وفقها تشارلز إنغالز، والتي تقول: «الأمل هو كل شيء. هو الشيء الوحيد». كل الأزمات، مهما صعُبت، تجد الحل المناسب لها. وغالباً ما ينتهي عراكٌ أو وباءٌ جماعي أو حريق أو اختناقٌ في قعرِ بئر، برقصةٍ وأغنية على ألحان الكمان.
أرادت «نتفليكس» للمسلسل ولادةً جديدة تتميّز عن النسخة التي اشتُهرت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وعرضتها شبكة «إن بي سي» الأميركية، مع العلم بأنّ تلك النسخة التلفزيونية القديمة ما زالت تلاقي رواجاً حتى الآن.
غالباً ما تنتهي أي أزمةٍ في المسلسل برقصة وأغنية برفقة الكمان (نتفليكس)
يمكن القول إن المنصة العالمية نجحت في الرهان، ففي الشكل المسلسل متعةٌ للعين لما فيه من ثراءٍ تصويريّ يحوّل حقول كانساس الشاسعة ومغيبَ شمسِها إلى لوحاتٍ ساحرة. أما مضموناً، فالعمل عائليٌ بامتياز كما ينخفض فيه منسوب التراجيديا فاتحاً الباب أمام التفاؤل والطمأنينة، ما يمنح مُشاهَدةً مريحة.
يطرح المسلسل قضايا سجاليّة شائكة، لكن من دون التعمّق فيها ولا تشريحها على طاولة السياسة، في تجنّبٍ متعمّد للتعقيدات والتزامٍ اختياريّ بمنطقة الأمان. فروايات إنغالز كانت تتوجّه أساساً إلى قرّاء الجيل الصاعد وليس البالغين. إلّا أنّ قضية السكّان الأصليين على سبيل المثال، يُفرَد لها ما يكفي من مساحة. فبموازاة عائلة إنغالز، يتعرّف الجمهور إلى قبيلة «أوساج» من خلال عائلة ميتشل الناطقة بإحدى لهجات الهنود الحمر.
يفرد المسلسل مساحة لقضية السكّان الأصليين وحقوقهم (نتفليكس)
بعد لقاءٍ فاتر بين المستوطنين الجدد والسكّان الأصليين، تتوطّد العلاقة بين تشارلز إنغالز وويليام ميتشل. ويذوب حذر ابنة الأخير «غود إيغل» من لورا، فتصبحان صديقتَين تجسّدان بدفءٍ وبراءة التنوّع الأميركي.
الطفلة لورا إنغالز، التي تؤدّي شخصيتها ببراعة فائقة الممثلة أليس هالسي (11 سنة)، هي هديّة المسلسل وقلبُه النابض. تجسّد الخيال والإحساس والتمرّد والفطنة في آنٍ معاً. وكأنها البذرة التي سيثمر التغيير على يدِها. ترفض لورا التفرقة بين البشر على أساسِ عرقٍ أو لونٍ أو ثروة، وتذهب إلى آخر الطريق بحثاً عمّن تحب حتى وإن كان ذلك على حساب سلامتها.
أداء آسر للممثلة أليس هالسي بشخصية لورا إنغالز (نتفليكس)
من بين مَن تُصادِقُهم لورا كذلك «السيّد إدواردز» الذي يحاول ترميم نفسه والخروج من عزلته بعد خسارة زوجته وبناته جرّاء داء الكوليرا. رغم بعض العثرات، ينتهي به الأمر بإعادة اكتشاف الدفء والحنان إلى جانب عائلة إنغالز، وهو يساعدهم في بناء بيتهم الموعود.
كل شخصيات المسلسل تقريباً مسكونةٌ بماضٍ يأتيها أحلاماً وكوابيس ثم يوقظها مذعورة. لورا مشتاقة إلى جدّتها وأقربائها الذين تركتهم في ويسكونسن. أما والدُها فلا يفارقه طيف شقيقه جورج الذي انتحر شاباً، وهو يحمّل نفسه ذنب تلك الفاجعة. الوالدة كارولين مسكونةٌ هي الأخرى بصورتَي أمها وشقيقتها غير الراضيتَين عن زواجها، ولا عن تركها كل شيء والسير خلف تشارلز إلى ولايةٍ بعيدة.
كل شخصيات المسلسل مسكونة بماضٍ لا يفارقها (نتفليكس)
ليست لورا إنغالز وحدها مَن تخدم الصورة غير التقليدية التي يحاول المسلسل الجديد إظهارها. فصوت الأنثى الثائرة على واقعها وعلى مصيرها المحصور بإنجاب الأطفال والاهتمام ببيتها وعائلتها، ترفعه شخصياتٌ مثل الفرنسية لايسي أوبير الآتية إلى أميركا بكامل حريتها لتُديرَ حانةً وترتدي السراويل الرجّاليّة وتحمل السلاح.
تنضمّ إليهما صاحبة متجر البلدة، إميلي هندرسون، والتي تجسّد ببشرتها السمراء تنوّع المجتمع الأميركي. تفرض هويّتها رغم ما يظهره البعض من انعزاليّة وعنصريّةٍ تجاهها.
أما طبيب البلدة المحبوب فهو كذلك من أصحاب البشرة السمراء، أو الأميركيين الأفارقة، الذين يضعهم مسلسل «نتفليكس» في الواجهة كجزءٍ لا يتجزّأ من الصورة المسالمة والنموذجيّة لأميركا تلك الحقبة.
يرفع المسلسل صوت الأميركيين من أصحاب البشرة السمراء (نتفليكس)
رغم الحرفة الإخراجية والحبكات الجذّابة، يعاني المسلسل من مثاليّةٍ طافحة حيث يجري التغلّب على كل التحدّيات بالاتّحاد والحب والتكاتف الاجتماعي. إنها صورة بعيدة عن الواقع بعض الشيء، أو على الأقلّ غريبة عن اللحظة الحالية في الولايات المتحدة والعالم أجمع.
في «بيت المرج» ولدى جيرانه، يتصاعد التوتّر لينتهي دائماً بضحكةٍ وعناق. ثم يأتي وباءٌ جماعيّ مهدّداً عائلاتٍ بأكملها فينجو الجميع من دون أضرار. في عالم إنغالز النموذجي، تُشفى الكسور الحَرِجة بسِحر ساحر. حتى الكلاب والأحصنة الضائعة تجد طريقها إلى البيت ولو بعد شهور من التيه.
في Little House on the Prairie لا تتحوّل أي مشكلة إلى تراجيديا (نتفليكس)
لا تعكس هذه الحكاية حتماً حقيقة الصعوبات التي واجهها الأميركيون المؤسسون، لكنها تفتح باباً شاسعاً أمام المشاهدين كي يهربوا عبره من الواقع. هي استراحةٌ بصريّة من كل ما هو اصطناعيّ ومركّب، وفسحةٌ نفسيّة لضخّ الإيجابية والتفاؤل.
ويتجدّد الموعد مع مغامرات عائلة إنغالز قريباً، إذ أعلنت «نتفليكس» أنها في طور إنتاج الموسم الثاني، الذي من المرجّح أن تليَه مواسم أخرى بما أنّ سلسلة لورا إنغالز مكوّنة من 9 فصول.
"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.