رسوم الأطفال.. البراءة التي غيّرت تاريخ الفن

لا تعد رسوم الأطفال مجرد مرحلة مؤقتة في نمو الإنسان أو نشاطًا ترفيهيًا ينتهي بانتهاء الطفولة، بل هي لغة بصرية فطرية تكشف عن آليات الإدراك الأولى وتعبر عن قدرة الإنسان على التعبير قبل أن تقيده القواعد الأكاديمية أو الأعراف الجمالية. ولهذا السبب لم ينظر إليها علماء النفس والتربية كشخبطات عشوائية، وإنما اعتبروها وثائق بصرية تكشف تطور التفكير والخيال والانفعال، كما وجد فيها فنانو القرن العشرين مصدرًا أصيلًا لتجديد اللغة التشكيلية بعد أن انتشرت صور الكاميرات، وذلك لصدقها في التعبير.

لقد اعترف العديد من النقاد والمؤرخين بأهمية رسوم الأطفال في تشكيل اتجاهات الفن الحديث، إذ مثلت عودة إلى الجوهر التعبيري قبل التكلف الأكاديمي.

فالطفل لا ينقل ما تراه عيناه، بل يعبر عن ما يعرفه عقله وما يشعر به قلبه. لذا تتميز رسوماته بالبساطة والتسطيح والرمزية، والمبالغة والتصغير في الأحجام، والجرأة اللونية وغياب المنظور التقليدي. هذه السمات كانت تُعد في الماضي علامات على ضعف المهارة، لكنها تحولت مع الحداثة إلى قيم جمالية مستقلة بعد أن أدرك الفنانون أن الصدق التعبيري الفطري قد يكون أكثر أهمية من الدقة البصرية المكتسبة.

لقد جاءت الحداثة الفنية ثورة على القواعد الأكاديمية، وكان من أبرز منابعها العودة إلى مصادر التعبير الأولى؛ ومنها رسوم الأطفال. فلم يعد الهدف محاكاة الواقع كما تراه العين، بل إعادة اكتشاف العالم كما يراه العقل والخيال. ولهذا وجد عدد من كبار الفنانين في رسوم الأطفال نموذجًا للنقاء والعفوية والحرية التي فقدها الفن الأوروبي عبر قرون من الالتزام بالقواعد الصارمة في هندسة ورصانة الصورة.

ولعل أشهر من عبّر عن هذه الفكرة هو بابلو بيكاسو حين قال: استغرق مني أربع سنوات لأرسم مثل رفائيل، لكن احتجت عمراً كاملاً لأرسم مثل طفل. لم تكن عبارته دعابة، بل تلخيصًا لفلسفة فنية كاملة؛ فالرسم بعفوية الطفل يحتاج إلى تحرر من المعرفة والقيود قبل أن يحتاج إلى اكتسابها. وقد تجلت هذه الروح في كثير من أعماله التكعيبية والمتأخرة، حيث اختزل الأشكال وحرر الخطوط من القيود الأكاديمية.

كما استلهم بول كلي رسوم الأطفال بوصفها بداية جديدة للفن، واحتفظ برسومات طفولته وعدّها مرجعًا لتطوره الفني، بينما بنى جوان ميرو عالمًا بصريًا يقوم على الرموز والخطوط الحرة والأشكال التي تبدو طفولية في ظاهرها، لكنها تحمل عمقًا فلسفيًا بالغًا. أما جان دوبوفيه فقد جعل من العفوية والبراءة أساسًا لما عُرف لاحقًا بالفن الخام، داعيًا إلى التحرر من سلطة المؤسسات الأكاديمية، ولقى هذا الاتجاه تقديراً عالياً جدا في سوق الفن مع أعمال الفنان الأمريكي جين باسكيا.

وفي التجربة العربية، يمكن ملاحظة أثر هذه الجماليات في أعمال الفنانة جاذبية سري، التي استعادت البساطة التعبيرية والرموز الشعبية بروح قريبة من عالم الطفل، كما ظهرت ملامح هذا التوجه في عدد من التجارب المصرية كإبراهيم البريدي وتجارب عربية أخرى فضّلت التعبير الحر على المحاكاة الحرفية.

أما في السعودية، فتبرز تجربة عدة فنانين منهم: يوسف جاها، عبدالعزيز الناجم، فهد خليف، عُلا حجازي، عبدالعزيز عشر بوصفها تجارب التي منحت الخط واللون والشكل حرية كبيرة، واعتمدت الاختزال والتلقائية والتعبير المباشر، وهي سمات تتقاطع مع كثير من خصائص رسوم الأطفال، دون أن تكون تقليدًا لها، بل إعادة صياغة واعية لقيمها الجمالية.

قيمة رسوم الأطفال ليست في جمالها لكونها مرسومة بأطفال، بل لأنها تذكر الفنان أن الإبداع ينبثق قبل القواعد، وأن الحرية تسبق التقنية، والخيال يسبق الإتقان. ولعل لهذا ظل العديد من رواد الفن الحديث يبحثون طوال حياتهم عن تلك البراءة الأولى التي يفقدها الإنسان كلما زادت معرفته.

ولعل المفارقة أن الطفل يحاول أن يرسم مثل الكبار، بينما يقضي كبار الفنانين أعمارهم في محاولة استعادة قدرة الطفل على الرسم بحرية. وبين المحاولتين تتشكل واحدة من أعظم مفارقات تاريخ الفن؛ فالبدايات التي ظُنّت يومًا مجرد خربشات، أصبحت لاحقًا أحد أهم منابع التجديد في الفن الحديث والمعاصر، وأثبتت أن البراءة ليست نقيضًا للإبداع، بل قد تكون منابعه الأولى وأكثرها صدقًا.

  • فنان وأكاديمي سعودي

1 عمل عبدالعزيز الناجم

2 عمل عبدالعزيز الناجم

3 د. عصام عسيري*

وبذلك لم تعد رسوم الأطفال مجرد مرحلة طفولية، بل تحولت إلى مادة تأمل وتجربة فنية مستمرة. وما زالت هذه الفلسفة تلهم أجيالًا جديدة من الفنانين الذين يسعون إلى استعادة العفوية والصدق في التعبير.