لو كانت شرفات بيروت تتكلم.. فنان لبناني يحوّل التفاصيل اليومية إلى ذاكرة حيّة
يقدّم الفنان اللبناني شفيق مكاوي قراءة بصرية ومعنوية مختلفة للعناصر المألوفة وتفاصيل الحياة اليومية المحيطة بنا. Credit: Chafic Mekawi

يستند الفنان اللبناني-الكندي شفيق مكاوي في مشروعه الإبداعي إلى تفاصيل الحياة اليومية، متخذاً منها نافذة لاستكشاف أبعاد عميقة في الذاكرة والهوية العربية. إذ لا يكتفي بالنظر إلى المكونات المألوفة باعتبارها عناصر عادية، بل يعمل على إعادة صياغتها بصرياً ومعنوياً لتصبح أداة لقراءة الثقافة والمكان من منظور جديد.

يمثل الفن المعاصر في المنطقة العربية محاولة مستمرة لإعادة قراءة التراث والحياة اليومية ودمجهما في سياقات إبداعية تتجاوز الحدود التقليدية للتعبير.

تتداخل في أسلوبه الفني تخصصات العمارة والتصميم والفن المعاصر، حيث يمنح أجزاءً من المشهد اليومي، مثل شرفات بيروت أو كراسي "المونوبلوك" أو حتى السجاد المزخرف، دلالات رمزية تروي حكايات إنسانية.

يرى مكاوي أن لغته البصرية متجذّرة في خلفيته الأكاديمية في العمارة ونشأته بين دبي، ولندن، وبيروت، حيث شكّلت التباينات الحضرية والثقافية جزءاً أساسياً من وعيه بالمكان.

ومنحت العمارة أعماله إطاراً لفهم الشكل والبنية، بينما دفعه اهتمامه بالطبيعة، والحِرف التقليدية، والعناصر الثقافية اليومية إلى التوسع نحو أسئلة أعمق تتعلق بالذاكرة، والانتماء، والهوية.

ومع تطور مسيرته الفنية، تحوّل اهتمامه تدريجياً من التركيز على جماليات الصورة في حد ذاتها، ليصبح الفن لديه أداة أساسية لسرد القصص وبناء الحكايات.

ينطلق مشروع "شرفات بيروت" من تجربة شخصية عاشها مكاوي بين بيروت ودبي، ليعكس الطريقة المجزأة التي تُستعاد بها المدن وتُعاش عاطفياً عبر الذاكرة
ينطلق مشروع "شرفات بيروت" من تجربة شخصية عاشها مكاوي بين بيروت ودبي، ليعكس الطريقة المجزأة التي تُستعاد بها المدن وتُعاش عاطفياً عبر الذاكرةCredit: Chafic Mekawi

أكّد مكاوي أن نقطة البداية في أعماله غالباً ما تنطلق من سؤال، أو من فضول تجاه مكان أو غرض أو طقس اجتماعي أو تجربة ثقافية مشتركة، لتتحول لاحقاً إلى عملية استكشاف سردي وبصري متكامل.

في حديثه عن العلاقة بين الرسم التوضيحي والتعبير الفني، رفض مكاوي وضعهما في خانتين متناقضتين، موضحاً أن الأول يمنح وضوحاً مباشراً، بينما يفتح الفن مساحة أوسع للتأويل.

لذلك، يتعامل مع الوسائط المختلفة كحاملات متعددة لطبقات السرد ذاتها، إذ قد تبدأ الفكرة كرسم دقيق، ثم تتطور إلى عمل ثلاثي الأبعاد، أو تدخل مكاني، أو تجربة رقمية، بحسب ما تتطلبه الفكرة من أبعاد إضافية. بالنسبة له، المسألة ليست موازنة بين هذه الأشكال، بل حوار مستمر بينها.

يعمل مكاوي على تخيّل العناصر الثقافية المألوفة ضمن سياقات غير متوقعة.
يعمل مكاوي على تخيّل العناصر الثقافية المألوفة ضمن سياقات غير متوقعة. Credit: Chafic Mekawi

وشرح مكاوي في مقابلة مع موقع CNN بالعربية أن كل مشروع يبدأ بمرحلة بحث معمّقة، يفهم خلالها السياق الثقافي، أو التاريخي، أو المكاني للموضوع قبل الانتقال إلى الرسم والتجريب، مشيراً إلى أن العمل النهائي غالباً ما يكون نتيجة طبقات متعددة من التطوير، تُنقّح فيها الفكرة، والسرد، واللغة البصرية معاً حتى الوصول إلى صيغة متوازنة ودقيقة.

أما عن مشروعه "كاربت كورت"، فقد أوضح الفنان اللبناني أنه انطلق من رغبة في إعادة تخيّل العناصر الثقافية المألوفة ضمن سياقات غير متوقعة، عبر إدخال السجادة الفارسية إلى فضاء مستوحى من الرياضة والمساحات العامة، ما يحوّل رمز المنزل والحميمية إلى مساحة مدنية مشتركة، ويصنع حواراً بين التراث والحياة المعاصرة.

يواصل في مشروع الكرسي البلاستيكي تفكيك الرموز اليومية وإعادة قراءتها بصرياً.
يواصل في مشروع الكرسي البلاستيكي تفكيك الرموز اليومية وإعادة قراءتها بصرياً.Credit: Chafic Mekawi

ويواصل مكاوي في أعماله تفكيك الرموز اليومية وإعادة قراءتها بصرياً. فالكرسي البلاستيكي، رغم كونه منتجاً صناعياً واسع الانتشار منذ ستينيات القرن الماضي، تحوّل إلى رمز للحياة اليومية والتجمعات العفوية في العالم العربي. وهو اليوم يعيد تموضع هذا الكرسي عبر دمجه مع حرف تقليدية إقليمية.

وفي مشروع “شرفات بيروت”، قدّم قراءة حساسة للمدينة عبر أكثر عناصرها المعمارية حميمية. فالشرفة، بوصفها مساحة وسطية بين الخاص والعام، تتحول في أعماله إلى شاهد صامت على الحياة اليومية، حيث تحمل آثار الحضور، والذاكرة، والغياب.

انطلق المشروع من تجربة شخصية عاشها مكاوي بين بيروت ودبي، ليعكس الطريقة المجزأة التي تُستعاد بها المدن وتُعاش عاطفياً عبر الذاكرة، حيث تصبح الشرفات أشبه بأرشيف بصري غير مباشر للتحولات الاجتماعية.

يتعامل مكاوي مع كل عناصر التكنولوجيا بعقلية الحرفي.
يتعامل مكاوي مع كل عناصر التكنولوجيا بعقلية الحرفي. Credit: Chafic Mekawi

وفي مقاربته للعلاقة بين الفن والتصميم، لفت مكاوي إلى وجود اختلاف جوهري بينهما، إذ يرى أن التصميم يهدف إلى حل المشكلات وتحسين التفاعل مع العالم، بينما يمنح الفن مساحة للتساؤل والتجريب والتعبير، من دون أن يسعى إلى إلغاء الحدود بينهما، بل إلى صنع حوار مستمر.

وأوضح أنه يتعامل مع التكنولوجيا بعقلية الحرفي، معتبراً أنها امتداد لأدوات الإنسان الإبداعية، سواء كانت كاميرا، أو نولاً تقليدياً، أو أدوات رقمية حديثة، لأنّه على يقين أنّها تصبح قيمة حين توسّع الإمكانيات الإبداعية، لكنها لا تحل محل الفنان، بل تبقى أداة تُحكم بوعي المستخدم وخبرته.

كما أشار الفنان اللبناني إلى أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدراته التقنية، لا يمكن أن يكون مصدراً للعاطفة، بل أداة تُسهم في تطوير الفكرة بصرياً.

لغته البصرية متجذّرة في خلفيته الأكاديمية في العمارة، وفي نشأته بين دبي ولندن وبيروت.
لغته البصرية متجذّرة في خلفيته الأكاديمية في العمارة، وفي نشأته بين دبي ولندن وبيروت.Credit: Chafic Mekawi

في ظل النقاشات المتزايدة حول تأثير التكنولوجيا على الفن، اعترف بأن الأمر يحمل وجهين: فمن جهة، هناك مخاوف من فقدان اللمسة الإنسانية أو تشابه الإنتاج البصري نتيجة الاعتماد على أرشيفات ضخمة غير مفلترة، ومن جهة أخرى، هناك الاستخدام الواعي للتكنولوجيا الذي يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للتجريب والتعبير.

في الختام، أكّد مكاوي أن قيمة الفن تبقى دائماً في الرؤية الإنسانية التي تقف خلفه، مهما تطورت الأدوات.

تعكس تجربة مكاوي تقاطعاً فريداً بين الخبرة المعمارية والرؤية الفنية التي تتجاوز القوالب الجامدة. وتُبرز هذه الأعمال أهمية البحث والتقصي في فهم السياقات الثقافية، مما يجعلها مرآة تعكس تطور هوية المكان في ظل الحداثة وما يرافقها من تحولات اجتماعية.