طفرة مبيعات ملحمة هوميروس تدفع دور النشر لتجديد إصداراتها الفاخرة
تسجل مبيعات الأوديسة قفزة ملحوظة متزامنة مع ترقب فيلم المخرج كريستوفر نولان، مما دفع دور النشر الكبرى لابتكار تصاميم وأغلفة جاذبة لجذب القراء.
تشهد سوق روايات الملحمة الهوميرية تنافساً واسع النطاق يذكّر بأجواء قصر جزيرة إيثاكا، الأمر الذي ألهم دور النشر لطرح استراتيجيات مبتكرة لاستقطاب القراء نحو مؤلفاتهم.
تستقطب الأعمال الكلاسيكية الخالدة اهتمام دور النشر العالمية عبر استراتيجيات تسويقية متجددة تتلاءم مع تطلعات القراء المعاصرين.
إنها ذروة أحداث «الأوديسة»؛ إذ يعود أوديسيوس أخيراً إلى موطنه في إيثاكا ليجد منزله يعجّ بالخُطّاب المتنافسين على الزواج من زوجته «بينيلوبي» وعلى الاستيلاء على عرشه. عليه الآن الإطاحة بهؤلاء الدخلاء واستعادة مكانه الشرعي، لكن السؤال يظل: كيف؟
وعلى غرار أحداث الملحمة، يخوض قطاع النشر صراعاً مشابهاً للظفر باهتمام القراء.
لقد ازداد الاهتمام العام بـ«الأوديسة» في الفترة التي سبقت طرح الفيلم المقتبس عن ملحمة هوميروس -والذي يضم نخبة من النجوم- للمخرج كريستوفر نولان الأسبوع الماضي. وحتى الآن من هذا العام، ارتفعت مبيعات «الأوديسة» بنسبة 76 في المائة مقارنةً بالعام الماضي، وذلك وفقاً لبيانات «سيركانا بوك سكان» (Circana BookScan)، وهي جهة متخصصة في تتبع مبيعات قطاع الكتب.
وفي ظل توفر عشرات الترجمات القديمة والحديثة، يجد الناشرون أنفسهم أمام معادلة تجمع بين التحدي والفرصة، ليقوموا بتطوير مقارباتهم التسويقية.

تتمثل الطريقة المباشرة التي يتبعها الناشرون للارتقاء بترجماتهم لـ«الأوديسة» في إعادة إصدارها بحُلّة جديدة ومبهرة.
وبرزت دار «بيكادور» (Picador) بين دور النشر المشاركة؛ حيث طرحت في مايو (أيار) طبعة جديدة لترجمة روبرت فيتزجيرالد التي تعود لعام 1961، متأثرة بشكل مباشر باستراتيجيات إطلاق فيلم نولان.
تقول شيلا أوشي، مديرة الدعاية والتسويق في داري النشر «فارار، ستراوس آند جيرو» (Farrar, Straus & Giroux)، و«بيكادور» (Picador)، في رسالة بالبريد الإلكتروني: «خططنا في البداية لإصدار طبعة فاخرة جديدة من ملحمة (الأوديسة) في خريف عام 2025، لكننا أجلنا الموعد إلى ربيع عام 2026 للاستفادة من حالة الحماس المحيطة بالفيلم المقتبس عن الملحمة للمخرج كريستوفر نولان». وإلى جانب تعديل التوقيت، أضفت «بيكادور» مظهراً جديداً وجذاباً على الطبعة الجديدة، إذ تميزت بغلاف أخضر نابض بالحياة، وزخارف بارزة برقائق معدنية، وأغلفة ذات طيات داخلية (أجنحة)، وحواف ورقية غير مستوية (مقطوعة يدوياً).
ليست «بيكادور» الوحيدة التي تُضفي لمسة تجديدية على هذه الملحمة؛ ففي شهر يونيو (حزيران)، أعادت دار «بنجوين كلاسيكس» (Penguin Classics) إصدار ترجمة روبرت فاجلز التي نُشرت عام 1996 في مجلد ذي غلاف مقوّى، ومُغلّف بغلاف خارجي ملوَّن يزدان بشخصيات من القصيدة.

لقد جاء موعد طرح فيلم نولان في توقيت مثالي ومصادف لخطط «بنجوين كلاسيكس»، التي كانت تعتزم بالفعل الاحتفال بمرور 30 عاماً على ترجمة فاجلز، ومرور 80 عاماً على تأسيس العلامة التجارية نفسها؛ إذ انطلقت الدار عام 1946 بترجمة إي. في. ريو (E.V. Rieu) لملحمة «الأوديسة».
وقالت إلدا روتور، الناشرة في «بنجوين كلاسيكس»، في بيان لها: «لقد كان توقيتاً رائعاً في الواقع؛ فبينما كان عشاق السينما يترقبون رؤية المعالجة السينمائية لملحمة هوميروس، كنا نحن في الوقت ذاته نستعد للاحتفاء بترجمة فاجلز».
جاذبية المشاهير
بدلاً من الاكتفاء بإعادة الإصدارات، تلجأ بعض دور النشر إلى أداة أخرى: الاستعانة بالمشاهير.
ورغم أن عديداً من أكثر ترجمات «الأوديسة» رواجاً تعود لعقود مضت، فإن ترجمتين حديثتين اكتسبتا مكانة ثقافية بارزة؛ ففي عام 2017، نشرت دار «دبليو دبليو نورتون آند كو» (W.W. Norton & Co.) ترجمة لإميلي ويلسون، الأستاذة في جامعة بنسلفانيا. وفي العام الماضي، أصدرت مطبعة جامعة شيكاغو نسخة مترجمة بقلم دانيال مندلسون، الأستاذ في كلية بارد (Bard College).
غالباً ما يرتبط في الأذهان تصور نمطي عن المتخصصين في الدراسات الكلاسيكية بأنهم أشبه بالرهبان المنعزلين في «البرج العاجي» للأوساط الأكاديمية، إلا أن كلاً من ويلسون ومندلسون يمثلان استثناءً لافتاً، إذ يتمتعان بحضور إعلامي قوي ومثير للاهتمام. وتحظى كتابات مندلسون النقدية الثقافية بتقدير يضاهي ما تحظى به أعماله البحثية والأكاديمية؛ إذ كتب لمطبوعات بارزة مثل «نيويورك تايمز» و«نيويوركر» و«نيويورك ريفيو أوف بوكس».
أما ويلسون -وهي أول امرأة تترجم ملحمة «الأوديسة» إلى اللغة الإنجليزية- فقد أصبحت محطاً للأنظار ومصدراً للجدل لسببين: أولهما أن ترجمتها، التي اتسمت بصراحة مثيرة للجدل، أشعلت نقاشاً محتدماً حول الطريقة المثلى لترجمة أعمال هوميروس. وثانيهما أن عملها وجد نفسه في خضم «الحروب الثقافية»، وهو التعبير الذي استخدمته هي نفسها في مقابلة أجرتها مؤخراً مع مجلة «نيويورك».
وصرحت ويلسون للمجلة الشهر الماضي قائلةً: «بعد أن نشرتُ ترجمتي للأوديسة، قوبل العمل بإشادة -وإن كانت تبسيطية نوعاً ما- بوصفها تجسيداً لقوة الفتيات (girl power)، لكنه واجه أيضاً ردود فعل سلبية وانتقادات».
لقد شكَّلت الشهرة الملحوظة التي اكتسبها كلا المترجمين ميزة كبيرة في ظل حالة الاهتمام الواسع -أو «حمى الأوديسة»- التي تشهدها الساحة حالياً.
في هذا السياق، قالت لويز بروكيت، مديرة الاتصالات في دار نشر «نورتون»، في رسالة بالبريد الإلكتروني: «قد لا يكون مفاجئاً أننا نروِّج لترجمة إميلي ويلسون، لكنَّ الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو حجم الاهتمام الذي يتصاعد بشكل عفوي؛ فقد نُظمت جلسات لقراءة ترجمة إميلي ويلسون بشكل جماعي، وتأسست نوادٍ للقراءة مخصصة لمناقشة (الأوديسة)».
وعلى غرار ويلسون، أصبح مندلسون «صوتاً مرجعياً يلجأ إليه الصحافيون الذين يغطون أخبار هذا العمل، والراغبون في معرفة المزيد عن الملحمة وعن عالم هوميروس»، وذلك حسبما ذكر ليفي ستال، مدير التسويق في دار نشر جامعة شيكاغو، في رسالة بالبريد الإلكتروني.
* محرر في قسم مراجعة الكتب (Book Review)
تؤكد هذه التحركات في قطاع النشر أن الأعمال الأدبية الكلاسيكية قادرة على تجديد حضورها بقوة في السوق المعاصر بدعم من الإنتاجات السينمائية الكبرى. ويأتي تباين توقيتات الإصدارات بين دور النشر ليعكس محاولات جادة للاستفادة القصوى من الزخم الإعلامي المرتبط بالفيلم الجديد. كما تبرز هذه الطبعات الفاخرة أهمية التصميم البصري والأغلفة المزخرفة في جذب اهتمام جيل جديد من القراء نحو الأدب الملحمي القديم. ويبدو أن الترجمات العريقة لكل من روبرت فيتزجيرالد وروبرت فاجلز تحتفظ بمكانتها المحورية في السوق بفضل هذه الحملات الترويجية المتطورة.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.