السينما السعودية.. نجاحها برواية قصتنا
صيد
السينما السعودية.. نجاحها برواية قصتنا
إن معيار نجاح السينما لا يرتبط بحجم الميزانية أو جودة المؤثرات أو شهرة الممثلين، بل بالقدرة على ترك أثر في وجدان المشاهد بقصة تعكس واقعه، ومن هنا فإن مسار نجاح السينما السعودية الحقيقي يبدأ من سرد حكاياتنا الذاتية لا من محاكاة الآخرين.
مع تزايد الدعم الحكومي والاهتمام الجماهيري، تقف السينما السعودية على أعتاب مرحلة جديدة تستدعي تحديد هويتها الفنية.
استطاعت السينما الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية أن تغير ملامح الفن السابع عبر أفلام بسيطة صورت في الشوارع وبين الناس، كانت إلى حد الصدق الذي جعلها مدرسة سينمائية يحتذى بها، وكذلك السينما الكورية التي بنت نجاحها على قصص محلية ذات طابع إنساني عالمي. هذه التجارب تؤكد أن المحلية تفتح أبواب العالمية، فالعالم لا يبحث عن نسخة أخرى من هوليوود، بل عن صوت جديد ورؤية مختلفة وثقافة يكتشفها.
اليوم تمتلك السينما السعودية فرصة تاريخية، فالجمهور المحلي يُقبل على الحضور، والبنية التحتية تتطور، والاستثمار في القطاع يتزايد، والمواهب الشابة تثبت حضورها عامًا بعد آخر، بيد أن السؤال: ما الحكايات التي نريد للسينما السعودية أن تلتقطها؟ نريد أن نحكي قصصنا نحن، أن تكون السينما السعودية ابنة بيئتها، أن تنطلق من الحارة، والقرية، والمدينة، والصحراء، والبحر، ومن تفاصيل الأسرة السعودية، ولهجاتها المتعددة، وعاداتها، وأفراحها، وفولكلورها الغني.
في الوقت نفسه، يجب ألا نتردد في خوض التجريب، فالأفلام القصيرة والمستقلة والرسوم المتحركة والوثائقية تعتبر مختبرات لتكوين المخرجين والكتّاب والمصورين الذين سيقودون الصناعة مستقبلًا، لأن التجريب هو السبيل الطبيعي لاكتشاف أساليب جديدة وروايات مختلفة.
لكن نجاح السينما لا يعتمد على المبدعين وحدهم، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة. وهنا يأتي الدور المهم لوزارة الثقافة، ليس بوصفها جهة داعمة فحسب، بل شريكًا في بناء صناعة وطنية مستدامة، عبر توسيع الصناديق تمويل الأفلام السعودية، ودعم الإنتاج المستقل، وتحفيز الجمهور على مشاهدة الأفلام المحلية، من خلال برامج دعم لتذاكر السينما، بما يمنح المنتجين فرصة لاسترداد تكاليفهم والاستمرار في الإنتاج.
أيضًا دور العرض شريكٌ رئيس في هذه المنظومة، ومن المهم أن تحظى الأفلام السعودية بحضور ثابت على الشاشات، عبر تخصيص نسبة من العروض للأعمال المحلية، بما يضمن وصولها إلى الجمهور وعدم تراجعها سريعًا أمام المنافسة التجارية مع الإنتاجات الأجنبية.
أما العنصر الأكثر أهمية فهو الإنسان، فالصناعة لا تُبنى بالكاميرات وحدها، وإنما بالكفاءات، نحن بحاجة إلى برامج أكاديمية ومهنية، تقودها مؤسسات مثل جامعة الرياض للفنون، لتطوير القدرات في كتابة السيناريو، والإخراج، والتمثيل، والتصوير، والمونتاج، والصوت، والإنتاج، وإدارة مواقع التصوير، والتسويق السينمائي، والتوزيع، وسائر المهن التي تقوم عليها صناعة الفيلم.
مستقبل السينما السعودية لا يكمن في صناعة أفلام تشبه الآخرين، بل أفلام لا يستطيع أحد غيرنا أن يصنعها، أفلام تحمل رائحة القهوة السعودية، ولهجات المدن والقرى، وحكايات البسطاء، وأحلام الشباب، وذاكرة المكان، حينما تكون السينما مرآة مجتمعها، تصبح قادرة على أن تخاطب العالم كله.
ورغم الفرص المتاحة، تواجه السينما السعودية تحديات تتعلق بالمنافسة التجارية مع الإنتاجات الأجنبية والحاجة إلى بناء كوادر مؤهلة في مختلف تخصصات الصناعة. غير أن التركيز على القصص المحلية الأصيلة، إلى جانب الدعم المؤسسي وتطوير البنية التحتية، يمكن أن يجعلها قادرة على مخاطبة العالم بصوتها المتفرد.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.