«الأوديسة»... السينما في أفضل حالاتها
تجاوز فيلم «الأوديسة» The Odyssey كونه أحدث أفلام المخرج كريستوفر نولان، ليتحول إلى حدث ثقافي وسينمائي يتصدر النقاشات منذ لحظة عرضه.
لم يعد فيلم «الأوديسة» (The Odyssey) مجرد أحدث إصدارات المخرج كريستوفر نولان، بل تحول إلى ظاهرة ثقافية وسينمائية تتصدر المشهد منذ يوم عرضه الأول. الجمهور يتداول مشاهده وتفاصيله بشغف واسع، فيما تستقبل صالات السينما أعداداً متزايدة من المشاهدين الذين يتوقون لخوض هذه التجربة الملحمية.
وتأتي هذه الحماسة الجماهيرية لتؤكد أن السينما ما زالت قادرة على استقطاب الجمهور نحو التجارب الجماعية الكبيرة، رغم تنامي المنصات الرقمية والمحتوى المنزلي.
في السعودية، تجلى هذا الزخم على شباك التذاكر، حيث افتتح الفيلم عروضه محققاً إيرادات بلغت 9.1 مليون ريال (2.43 مليون دولار) وبيع 145.9 ألف تذكرة في أسبوعه الأول، ليتصدر الإيرادات الأسبوعية في أحد أبرز الافتتاحيات لهذا العام، ويعزز المكانة المرموقة التي تحتلها أفلام نولان لدى الجمهور السعودي. هذه الانطلاقة جاءت متناغمة مع الحضور العالمي للفيلم، الذي جمع 263.8 مليون دولار في عطلة الافتتاح، منها 123.5 مليون دولار في أميركا وكندا و140.3 مليون دولار في الأسواق الدولية.
السينما بوصفها حدثاً
ويمكن القول إن «الأوديسة» أعاد الشعور الذي يصاحب الأعمال الكبرى، حين يصبح موعد العرض مناسبة منتظرة، ويتحوّل حجز المقعد واختيار الصالة وتوقيت المشاهدة إلى تفاصيل تحمل أهميتها الخاصة، حيث امتلأت العروض الأولى، وامتد البحث إلى المدن التي تتوافر فيها الشاشات الأكبر، فيما عاد كثير من المشاهدين إلى الفيلم للمرة الثانية، رغبة في استيعاب عالمه واستعادة مشاهده على نحو أهدأ.
ومع كل عرض جديد، تعود أفلام نولان السابقة إلى دائرة المقارنة، حيث امتلأت منصات التواصل بقوائم ترتب أعماله من Memento «ميمينتو» إلى «أوبنهايمر» Oppenheimer، بينما حاول كثيرون تحديد الموقع الذي يستحقه «الأوديسة» داخل هذه المسيرة... وربما تكمن دلالة هذه المقارنات في أنها لم تعد تدور حول الفيلم وحده، بل حول إرث مخرج بات كل عمل جديد له يعيد فتح النقاش حول مجمل تجربته السينمائية.
الفيلم، الذي صُوّر بالكامل بتقنية «آيماكس» ولأول مرة في تاريخ الأفلام الروائية الطويلة، يمتد لنحو ثلاث ساعات يتنقل خلالها بين الحرب والمغامرة والرعب والعاطفة، مانحاً كل مرحلة طابعها الخاص، فيما يظل البحر خيطاً بصرياً وعاطفياً يربط أجزاء الرحلة بعضها ببعض.
عودة هوميروس
وامتد تأثير الفيلم إلى النص الذي استند إليه، حيث عادت ملحمة هوميروس، المكتوبة قبل قرابة 3 آلاف عام، إلى واجهة الاهتمام، وانتشرت النقاشات حول شخصياتها وحوادثها والفروق بين صفحاتها ورؤية نولان. واتجه قراء إلى البحث عن ترجماتها، فيما تعرّف جمهور جديد إلى أوديسيوس وبينيلوبي وتيليماخوس وكاليبسو وسيرسي والسايكلوبس، في لقاء بين الثقافة الشعبية وواحد من النصوص المؤسسة للأدب الغربي.
اختار نولان روح الملحمة نقطة انطلاق، ثم أعاد ترتيب عالمها وفق رؤيته، حيث حافظ على جوهر الرحلة من ملك إيثاكا العائد من حرب طروادة، والسنوات التي تفصله عن زوجته وابنه ووطنه، والمخاطر التي تختبر ذكاءه وصبره وقدرته على البقاء. وفي المقابل، منح الحكاية إيقاعاً سينمائياً معاصراً، وأعاد تخيل بعض مخلوقاتها وشخصياتها، وربط مغامراتها بخط عاطفي واضح يجعل العودة إلى بينيلوبي مركز الرحلة ومحركها الأساسي.
أوديسيوس بين البطولة والانكسار
يمنح الفيلم أوديسيوس (مات ديمون) صورة تجمع الصلابة والهشاشة. فهو قائد يعرف كيف يواجه الخطر، لكنه يحمل داخله إرهاق الحرب ومرارة الفقد وطول الغياب. ومع تقدم الرحلة، يتراجع وهج القائد المنتصر أمام رجل يختبر حدود قدرته على الاحتمال، وتصبح العودة إلى إيثاكا امتحاناً نفسياً يوازي كل ما يواجهه في البحر.
وتكتسب بينيلوبي (آن هاثاواي) حضورها حتى في غيابها عن أجزاء واسعة من الأحداث. فهي الغاية التي تمنح الرحلة معناها، وصورتها ترافق أوديسيوس كلما اشتدت المحنة. ويتعامل الفيلم مع علاقته بها بوصفها جوهر الحكاية العاطفي، كما يقدم أوديسيوس أكثر إخلاصاً لزوجته من صورته في نص هوميروس.
في الملحمة، ترتبط رحلته بعلاقته مع كاليبسو والساحرة سيرسي، بينما يختار نولان مساراً مختلفاً يعزز وفاءه لبينيلوبي، ويجعل الشوق إليها قوة دافعة تتقدم على الإغواء. هذا التغيير يمنح الحكاية تماسُكاً عاطفياً، ويجعل العودة فعل حب بقدر ما هي استعادة للعرش والوطن. وفي المقابل، يظهر ابنهما تيليماخوس (توم هولاند) شاباً تشكلت حياته في ظل أب يعرفه من الحكايات، فتتحول عودة أوديسيوس إلى لقاء بين رجلين يحمل كل منهما صورة متخيلة عن الآخر.
الرعب داخل الملحمة
يحضر الرعب بوصفه أحد أقوى عناصر الفيلم، فالمخلوقات والجزر والفراغات المعتمة تحمل توتراً يتصاعد قبل ظهور الخطر، ويجيد نولان بناء الخوف عبر الصوت والمسافة والانتظار. كما يصل هذا التوتر إلى ذروته في مشاهد اللّيستريغونيين، وكذلك في المواجهات التي تختلط فيها الأسطورة بالإحساس البدائي بالخطر.
وتدعم موسيقى لودفيغ غورانسون هذا العالم بإيقاعات ثقيلة وممتدة، تمنح البحر رهبة خاصة، وترافق أوديسيوس في لحظات الانتصار والانكسار. وتقود الموسيقى المشهد أحياناً بقوة ضاغطة، قبل أن تنسحب لتترك الصمت يؤدي دوره، خصوصاً في اللحظات التي يواجه فيها البطل خساراته.
سباق خلف المركز الأول
هيمنة «الأوديسة» على شباك التذاكر السعودي تركت بقية الأفلام تتنافس على المراكز التالية، حيث حل الفيلم المصري «ابن مين فيهم؟» ثانياً بإيرادات بلغت 2.9 مليون ريال (773 ألف دولار)، بينما جاء Toy Story 5 في المركز الثالث، وحل الفيلم المصري «صقر وكناريا» رابعاً.
وبلغ إجمالي إيرادات شباك التذاكر السعودي خلال الأسبوع نحو 26.6 مليون ريال (7.09 مليون دولار)، مع بيع قرابة 527 ألف تذكرة. واستحوذ فيلم نولان وحده على الحصة الأكبر من الإيرادات والحضور، في أسبوع كشف حجم الطلب على الأعمال السينمائية الكبرى حين تجمع بين الاسم الجماهيري والتجربة البصرية والحدث الثقافي.
ويواصل «الأوديسة» إثارة النقاش حول إرث نولان السينمائي، حيث يتصدر اسمه قوائم المقارنات على منصات التواصل الاجتماعي. كما أن إقبال الجمهور على قراءة ملحمة هوميروس بعد مشاهدة الفيلم يعكس قدرة السينما على إحياء التراث الأدبي القديم. ومن جهة أخرى، يسلط الفيلم الضوء على قدرة نولان على دمج التكنولوجيا المتطورة مع السرد العاطفي العميق، مما يعزز سمعته كمخرج يجمع بين الجماهيرية والفن.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.