أطُلقت مؤخراً عن دار العين للنشر بالقاهرة رواية «درب الصفا» للباحث والشاعر عبد الرحمن الطويل، وهي عمل أدبي تاريخي يستكشف تفاصيل مدينة الفسطاط القديمة إبان فترة الظاهر بيبرس، مسلطاً الضوء على حقبة انتقالية بين نهايات الدولة الأيوبية وبدايات العصر المملوكي، فضلاً عن معالجة أزمات بطلها الشاب النفسية والواقعية والعاطفية وانتماءه لمدينته.

تُعد مدينة الفسطاط إحدى أهم الحواضر التاريخية في مصر الإسلامية وشهدت تحولات سياسية واجتماعية كبرى عبر مختلف العصور.

تتسم الرواية بصبغة صوفية وتثمن قيم الحب والسعي والصبر لتوثيق حكايات البشر عبر الزمن، حيث تمتزج الوقائع التاريخية بالمسارات الذاتية في رحلة تعج بالأمل والإصرار، مع حرص المؤلف على استدعاء لغة العصر الماضي ومفرداته ليبحر القارئ في بيئة تراثية غنية، إلى جانب الاستعانة المكثفة بالأبيات الشعرية التي تدمج بين فني السرد والشعر.

يُذكر أن للمؤلف أعمالاً سابقة تشمل «بريق غيهبي» الصادرة في 2015 و«سِفر لم يكن» في 2017، إضافة إلى كتاب «الفسطاط وأبوابها» لعام 2024 الذي نال عنه جائزة الدولة التشجيعية ضمن تخصص التاريخ والآثار وحفظ التراث.

من أجواء الرواية نقرأ: «مَن عاش في درب الصفا صفا» كانت هذه هي الوصيةَ التي وَرِثَها حبيب عن عمران، واستمسك بها، وعاهدَ قلبَهُ ألّا يخرجَ عنها؛ أملاً في أن يصفوَ صفاءَ أبيه، وحِرصاً على أن يبقى «العمران» في الدرب الذي أوصى به، ورجاءَ أن يَظلَّ «حبيباً» لِمَن أحَب. لكنّ الأمنيات لا تصنع الأقدار، كان الزمنُ أبقى مِن الوصية، وأخلَدَ مِن الدرب، وأقوى مِن الحُب، وأوثقَ مِن العهد، وأطولَ مِن صبر العاشق. في عصر السلطان الظاهر بيبرس، كانت دولة المماليك الفتيةُ تحقق انتصاراتها الحاسمةَ على الصليبيين، وكانت الفسطاط العريقة تدخل طوراً جديداً مِن أطوار غروبها، وكان حبيب بن عمران يبحث عن نفسه في وصية أبيه، وفي عائلته التي باتت أمانة في يديْه، وفي دربه الذي شَبَّ بين بيوته واستظل بظلاله، «وفي مدينته العتيقة التي اكتنزت العصورَ في معالمها، وفي حبيبته التي ابتسمَت له في وجهها الدنيا، وفي أنغام الغناء ورَنّات الأعواد وقوافي الأشعار، وفي صفحات الكتب وخزائن الأسفار، وفي أخْذ العهد على الأشياخ وتَلقِّي حِكَم الأولياء، وفي رؤية العجائب وسماع حكايات السابقين، لتجتمعَ عندَهُ الأخبار، وتَخلُدَ بصوته في ذاكرة الدهر».

تندرج هذه الرواية ضمن الأعمال التي تعيد إحياء التفاصيل التاريخية للمدن المصرية العتيقة عبر السرد الأدبي. ويمثل العصر المملوكي وبداياته فترة حاسمة شهدت تحولات سياسية وعسكرية بارزة في المنطقة. ويواصل المؤلفون المعاصرون استلهام الموروث الشعبي والتاريخي لربط الماضي بالحاضر من خلال قوالب سردية متنوعة. ويترقب القراء والنقاد مثل هذه الإصدارات لتقييم مدى نجاحها في المزج بين التوثيق التاريخي والفن الروائي.