«الهُيام» ليس حباً... بل نوع من الانجذاب الهوسي
50 % من الناس يمرون به مرة واحدة على الأقل
ظل العلماء يطمحون إلى فك طلاسم تحويل المواد الكيميائية إلى كائنات حية. وفي الآونة الأخيرة، أعلن باحثون من جامعة مينيسوتا إنجازاً مهماً على هذا المسار، وفقاً لما نقله كارل زيمر وماركو هيرنانديز.
ويأتي هذا الإنجاز ضمن مساعي العلماء لفهم أصول الحياة وتطوير خلايا اصطناعية تحاكي خصائص الكائنات الحية.
تصنيع خلايا بسيطة
بمزج عشرات المكونات تمكن الباحثون من تصنيع خلايا بسيطة تتغذى، وتنمو، وتتكاثر، وتتنافس فيما بينها على الغذاء. ورغم أن هذه الخلايا ليست حية تماماً، فإنّها تحمل معظم سمات الحياة.
وقالت كيت أدامالا، عالمة الأحياء التركيبية في الجامعة، التي قادت البحث: «الحياة ليست ثنائية... لهذا السبب أتردد في وصفها بأنها (حية). إذ لا يوجد خط فاصل واضح، مهما تمنينا ذلك».
حتى الآن لم يتقن العلماء وصفة خلية قادرة على أداء هذا الكمّ الهائل من الوظائف، كما صرّح جون غلاس، عالم الأحياء التركيبية في معهد جيه كريغ فينتر في سان دييغو، والذي لم يشارك في الدراسة. وأضاف: «من المذهل أنها استطاعت الجمع بين كل هذه العناصر». وقالت روزانا ضياء، عالمة الأحياء الحاسوبية بجامعة ميسوري، والتي لم تشارك في المشروع: «سنتذكر هذه اللحظة».
خلية تشابه البطاطا
ومن جهته قال درو إندي، عالم الأحياء التركيبية في جامعة ستانفورد: «إنها خلية مُصنّعة، وليست وليدة. إنها مُركّبة، لكنها تؤدي وظائف الخلايا». وأطلقت أدامالا على ابتكارها اسم «سباد سيل» (SpudCell)، نسبةً إلى شكلها الشبيه بالبطاطا. وبدلاً من تسجيل براءة اختراع لها، تعمل هي وإندي على تنظيم مجتمع من العلماء للتركيز على جعل «سباد سيل» أكثر حيوية، وتكييفها مع أنواع جديدة من التجارب. وقد أسسا مع زملائهما منظمة بحثية غير ربحية يُقدّر إندي أنها ستنفق مئات الملايين من الدولارات على هذا الجهد خلال العقد القادم. ومن المتوقع انضمام مئات العلماء إليها.
ونشرت أدامالا وزملاؤها تقريراً مفصلاً من 190 صفحة عن عملهم على الإنترنت. ويخضع البحث حالياً للمراجعة تمهيداً لنشره في إحدى المجلات العلمية.
هندسة الخلايا اصطناعياً لأهداف البحث العلمي
يأمل العلماء أن تُتيح لهم الخلايا الاصطناعية معرفة جوانب من الحياة لا تستطيع الخلايا الطبيعية كشفها، بما في ذلك أسئلة أساسية مثل عدد الجينات اللازمة لأبسط أشكال الحياة.
وقد تُهندَس الخلايا اصطناعياً يوماً ما للقيام بأمور لا تستطيع الخلايا الطبيعية القيام بها، مثل إنتاج أنواع جديدة من الأدوية، أو استخلاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. ونظرياً، قد تُنتج خلايا «سباد» المُهندسة مجموعة واسعة من البروتينات التي لا تستطيع الخلايا الطبيعية إنتاجها، أو حتى مواد كيميائية سامة، مثل وقود الصواريخ. وقال غلاس: «الآن يُمكننا التفكير في إجراء تجارب كيميائية لا نزال نعجز عن فهمها».
سبر لغز الحياة
يكمن سر الحياة كما ندركها في غموضها المعقد والمترابط. فحمضنا النووي يضم عشرات آلاف الجينات، إلى جانب ملايين المفاتيح الجزيئية التي تنشطها أو تعطلها. وما زال العلماء يجهلون وظائف كثير من هذه المكونات الجينية، وغالباً ما تظهر الجينات التي يعتقدون فهمها أدواراً غير متوقعة.
منذ عقد التسعينات، شرعت مختبرات عدة في دراسة أجزاء محددة من هذه الإشكالية. إذ نجح بعضها في تطوير طرق لإنشاء كريات مجوفة من جزيئات دهنية، بينما تمكن آخرون من تغليف جزيئات وراثية بسيطة داخل تلك الكريات.
لكن العلماء واجهوا صعوبة في تجميع هذه الأجزاء في أنظمة أكثر تعقيداً، فضلاً عن تكوين ما يُمكن تسميته خلية.
في السنوات الأخيرة، تصدّت أدامالا لأحد التحديات الأساسية: انقسام الخلية. تنقسم الخلية الطبيعية بمساعدة بروتينات تتشابك معاً لتُشكّل حلقة مُثبّتة على جدارها الداخلي. ثم تلتفّ الحلقة حول نفسها بإحكام، فتقسم الخلية إلى قسمين. وتعمل بروتينات أخرى كرافعات، وتنقل الحمض النووي وجزيئات أخرى إلى الخلايا المُتشكّلة، لتوفير المكونات اللازمة لاستمرار الحياة.
من المحاكاة إلى التصنيع
في البداية، حاولت أدامالا بناء نسخة أبسط من النظام الطبيعي. لكنها قررت لاحقاً عدم محاكاة الخلايا الحقيقية على الإطلاق.
كان علماء الفيزياء الحيوية قد اكتشفوا أنه عند تثبيت البروتينات على غشاء، فإنه يتولد ضغطٌ يُسبب انحناء الغشاء. لذا ابتكرت أدامالا وفريقها فقاعات قادرة على التقاط البروتينات العائمة حولها. عندما تجمع الفقاعة كمية كافية من البروتينات، يبدأ سطحها بالانحناء إلى الداخل حتى تنفجر إلى نصفين.
وعلى الرغم من بساطة الفكرة، فإن تطبيقها عملياً في المختبر استغرق عاماً من التجارب. قالت أدامالا: «لكن بمجرد أن تنجح، فإنها تؤدي العمل».
*احتوت «الوصفة» على نحو مائة نوع من البروتينات والجزيئات البسيطة اللازمة للتفاعلات الكيميائية الحيوية*
بناء خلية اصطناعية كاملة
شجع هذا النجاح الفريق على محاولة بناء خلية اصطناعية كاملة. وكانت الخطوة الأولى هي تحضير «مرق»، أي مزيج من الجزيئات الضرورية لعمل الخلية. احتوت الوصفة في النهاية على نحو مائة نوع من البروتينات والجزيئات البسيطة اللازمة للتفاعلات الكيميائية الحيوية، مثل إنتاج بروتينات جديدة من الجينات.
كما زوّد الباحثون خليتهم الاصطناعية بجينات مُستعارة من فيروس وبكتيريا الإشريكية القولونية المنتشرة. واختاروا 36 جيناً للوظائف الأساسية، مثل نسخ الحمض النووي. وبعد مزج هذه المكونات معاً أضاف العلماء المكونات الأساسية للأغشية. واندمجت هذه المكونات تلقائياً لتُشكّل فقاعات، كل منها يبتلع جزءاً من المزيج.
انتهى المطاف بالعديد من هذه الفقاعات بتغليف المزيج المناسب من الجينات، والبروتينات، والجزيئات الأخرى، وبدأت في إجراء التفاعلات الكيميائية التي تحدث في الخلايا الحقيقية. وبينما كانت الخلايا الجديدة تطفو في القوارير، أضافت أدامالا وزملاؤها الغذاء. وامتصت الخلايا الجزيئات الصغيرة عبر قنوات على أسطحها.
كما وضع العلماء فقاعات صغيرة مُحمّلة بالبروتينات، وجزيئات أخرى كبيرة الحجم بحيث لا يمكنها المرور عبر القنوات. وعن طريق الاصطدام والاندماج بإحدى هذه الفقاعات تتغذى الخلية على ما بداخلها من مواد غذائية.
ومع تغذية الخلايا، فإنها بدأت تنمو. وفي غضون ساعات قليلة تصبح كبيرة بما يكفي للانقسام. ثم أضاف العلماء بروتيناً خاصاً إلى القوارير، والذي يلتصق بسطح الخلايا، ويجبرها على الانحناء إلى الداخل. وبمجرد انقسام الخلايا إلى خليتين تستمر الخليتان الجديدتان في النمو.
تنمية أجيال من الخلايا الاصطناعية
وهكذا نمت خلايا «سباد سيل»، وتغذت، وتكاثرت. واتضح أن هذه الخلايا تمتلك قدرة بدائية على التطور. وابتكرت أدامالا وزملاؤها نسخة متحولة تلتصق بقوة أكبر بالفقاعات المليئة بالمواد الغذائية التي تطفو حولها. ولاختبارها قاموا بتحضير مزيج بنسبة 50-50 من خلايا «سباد سيل» الأصلية والمتحولة.
تنافست الخلايا على الغذاء لخمسة أجيال. وفي النهاية، فاق عدد الخلايا المتحولة عدد الخلايا الأصلية، ما يشير إلى تفوقها عليها في المنافسة على الغذاء.
وعلقت روزانا ضياء: «هذا هو الإنجاز الذي سيُحدث ثورة في هذا المجال». إذ سيتمكن العلماء من وضع خلايا اصطناعية مختلفة في منافسة فيما بينها، وتطوير خلايا أكثر تطوراً بسرعة.
قصور أساسي في الخلية الاصطناعية
على الرغم من كل هذه الأدلة على وجود حياة، لا تزال خلية «سباد سيل» تعاني من بعض أوجه القصور الرئيسة. فهي، على سبيل المثال، لا تستطيع إنتاج المصنع الجزيئي المسؤول عن إنتاج البروتينات الجديدة، والذي يُسمى الريبوسوم ribosome. تستطيع الخلايا حمل جميع الجينات اللازمة لبناء الريبوسومات، ولكن لسبب ما لا تتحد الأجزاء معاً. (الريبوسوم هو جسيم بروتيني نووي موجود في جميع الخلايا، سواء كانت بدائية أو متقدمة. وهو مسؤول عن تخليق البروتينات-الويكيبيديا الإنجليزية).
تحذيرات من تطويرات لا أخلاقية لتوظيفها... كسلاح
في الوقت الحالي لا تستطيع الخلية الاصطناعية البقاء إلا لبضعة أجيال فقط بفضل نظام غذائي مختبري خاص. لكن قد تكون الإصدارات المستقبلية أكثر قوة، ما يزيد من احتمالية استخدام خلايا «سباد سيل» بطريقة غير أخلاقية في يوم من الأيام، وربما حتى لصنع سلاح.
يرى إندي أن مجتمع البحث مفتوح المصدر سيكون أكثر استعداداً لمنع حدوث ذلك. وقال: «يمكننا إجراء هذه النقاشات الآن، بدلاً من انتظار الآخرين للقيام بذلك، ثم نكتفي جميعاً برد الفعل».
يشبّه إندي شركة «سباد سيل» بنسخة بيولوجية من طائرة رايت فلاير، الطائرة البدائية التي استخدمها الأخوان رايت في أول رحلة طيران مستدامة ومتحكم بها عام 1903، مُدشّنين بذلك عصر الطائرات. ويقول إندي: «إن تحليق طائرة رايت فلاير لمدة 12 ثانية لا يُؤهّلك لامتلاك طائرة بوينغ 737. هذه مجرد البداية».
* خدمة «نيويورك تايمز»
تفتح هذه الخلايا الاصطناعية آفاقاً جديدة في مجالات متعددة، من إنتاج الأدوية إلى معالجة التغير المناخي. ورغم أن الخلايا لا تزال قيد التطوير، فإن نجاحها قد يعيد تعريف مفهوم الحياة كما نعرفه. وتتجه الأنظار إلى المراجعة العلمية للدراسة وما ستسفر عنه من نتائج.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.