ليست المدن الصحية مجرد لافتة تُعلّق على مداخل المدن، ولا شهادة تُضاف إلى سجل الإنجازات، بل هي وعد بمستقبل أكثر أمناً وصحة وطمأنينة. إنها مشروع إنساني قبل أن تكون مشروعاً تنموياً، ورسالة تؤكد أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن جودة الحياة تبدأ من بيئة تحتضن الإنسان، وتحفظ صحته، وتمنحه أسباب العيش الكريم.

ومن هذا المنطلق، أولت القيادة الرشيدة -أيدها الله- قطاع الصحة وبرامج جودة الحياة اهتماماً استثنائياً، إيماناً منها بأن التنمية الحقيقية لا تُقاس بما يُشيّد من مبانٍ ومنشآت فحسب، بل بما يُبنى في الإنسان من صحة وعافية، وبما يُوفر له من بيئة آمنة ومستدامة. فجاءت مستهدفات رؤية المملكة 2030 لترسم خارطة طريق تجعل جودة الحياة أحد أهم مرتكزات التنمية، وترتقي بالخدمات الصحية إلى مستويات عالمية، ليعيش المواطن والمقيم في بيئة تُعزز الصحة، وتدعم الوقاية، وتغرس ثقافة المسؤولية المجتمعية.

مراجعجغرافية

وفي هذا السياق، يبرز برنامج المدن الصحية بوصفه أحد أنجح المبادرات الوطنية التي تجاوزت مفهوم العلاج إلى صناعة الصحة نفسها. وقد أثمرت جهود المملكة عن اعتماد 17 مدينة صحية وفق معايير علمية دقيقة تُعنى بتحسين جودة الحياة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وبناء مدن أكثر استدامة، يكون فيها الإنسان محور كل مشروع، والصحة عنوان كل إنجاز.

واليوم، تقف منطقة الحدود الشمالية على أعتاب مرحلة نوعية جديدة، حيث تتواصل الجهود الحثيثة لتأهيل مدينة عرعر ومحافظات طريف ورفحاء والعويقيلة للانضمام إلى برنامج المدن الصحية، في مشروع لا يستهدف تحقيق الاعتماد فحسب، بل يطمح إلى بناء نموذج حضاري يُجسد مفهوم المدينة التي تنبض بالحياة، وتتوافر فيها مقومات الصحة، والوعي، والشراكة المجتمعية، والاستدامة البيئية.

ولعل ما يمنح هذا المشروع زخمه الحقيقي هو الدعم الكبير الذي يحظى به من صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن خالد بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة الحدود الشمالية، الذي يؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأبقى. فقد حرص سموه على ترؤس العديد من الاجتماعات، والاطلاع المستمر على المؤشرات الوطنية لبرنامج المدن الصحية، ومتابعة سير العمل خطوة بخطوة، موجهًا بتذليل العقبات، وتسخير الإمكانات، والإسراع في استكمال متطلبات الاعتماد، في مشهد يعكس قيادةً تؤمن بأن صحة المجتمع مسؤولية مشتركة، وأن التنمية لا تكتمل إلا إذا انعكست على حياة الناس وجودة معيشتهم.

إن المدن الصحية ليست مسؤولية جهة بعينها، بل هي ثقافة وطن، وعمل جماعي تتكامل فيه أدوار جميع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي وأفراد المجتمع. فالنجاح الحقيقي لن يتحقق إلا بمواصلة العمل وفق الخطط التنفيذية المعتمدة، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة، واستيفاء جميع المعايير المطلوبة، وصولًا إلى بيئةٍ صحية تُسهم في رفع جودة الحياة، وتجعل منطقة الحدود الشمالية نموذجاً يُحتذى به في التنمية الصحية المستدامة.

وفي خضم هذه الجهود، تبرز أسماءٌ تستحق الإشادة والتقدير، وفي مقدمتها المنسق الوطني لبرنامج المدن الصحية بالمملكة الدكتور فلاح بن فهد المزروع، الذي يقود هذا البرنامج الوطني بتوجيه ودعم من معالي وزير الصحة فهد الجلاجل، واضعاً خبراته وإمكاناته لخدمة أهدافه النبيلة. وكذلك الدور المتميز لمدير عام الشؤون الصحية بمنطقة الحدود الشمالية الدكتور محمد بن علي الهبدان، الذي عمل بروح الفريق الواحد، وسخّر إمكانات القطاع الصحي لدعم هذا المشروع، إلى جانب الجهود المخلصة التي يبذلها منسق المدن الصحية بالمنطقة فهد بن طويرش العنزي، الذي يتابع التفاصيل اليومية، ويعمل بإصرار على استكمال متطلبات الاعتماد وتحقيق مستهدفات البرنامج.

إن ما يحدث اليوم في منطقة الحدود الشمالية ليس مجرد استعداد للحصول على اعتماد رسمي، بل هو بناء لمستقبل أكثر إشراقاً، تُصنع فيه الصحة قبل المرض، وتُغرس فيه ثقافة الوقاية قبل العلاج، وتُبنى فيه المدن لتكون أكثر رحمة بساكنيها.

وحين تُتوَّج عرعر، وطريف، ورفحاء، والعويقيلة باعتماد المدن الصحية، فلن يكون الإنجاز رقماً يُضاف إلى سجل الإنجازات الوطنية فحسب، بل سيكون قصة نجاحٍ جديدة تُروى عن وطن جعل الإنسان أولاً، وعن قيادة آمنت بأن أعظم استثمار هو الاستثمار في صحة الإنسان، وعن منطقة قررت أن تجعل من جودة الحياة أسلوباً للعيش، ومن الصحة طريقاً إلى مستقبل يليق بأبناء هذا الوطن العظيم.