ملخص

يفرق الأطباء وعلماء الشريعة بين الإيمان بقيمة الدعاء والرقية والطب النبوي، وبين تحويلها إلى أدوات تسويق أو بدائل شاملة للعلاج الطبي. فالإسلام لم يجعل التداوي نقيضاً للتوكل، بل قرر الجمع بين الإيمان والأخذ بالأسباب

لم يكن الرجل يرتدي معطفاً أبيض، ولا يقف داخل مستشفى أو مختبر. كان يجلس أمام الكاميرا ممسكاً بعبوة عسل، يستشهد بحديث نبوي، ثم يعلن بثقة أن الطب الحديث عجز عن علاج ما يستطيع هو علاجه. في دقائق معدودة، تحولت التعليقات إلى سيل من عبارات الثناء والدعاء، واختفت الأسئلة عن التشخيص، والدراسات السريرية، ونسب النجاح، والآثار الجانبية.

هذه الصورة لم تعد استثناء في العالم العربي، بل أصبحت نموذجاً لظاهرة آخذة في الاتساع، يمكن وصفها بـ"الطب الشعبوي": خطاب يستعير هيبة الدين ورمزية المقدس ليصنع ثقة تتجاوز ثقة الناس بالمؤسسات الطبية، ويقدم نفسه بديلاً عن الطب المبني على الأدلة. هنا لا يصبح الطبيب معالجاً، وإنما صاحب ذات سلطة أخلاقية وروحية، يغدو الاعتراض عليه، في نظر أتباعه، اعتراضاً على الدين نفسه.

-

0 seconds of 4 minutes, 27 secondsVolume 90%

Press shift question mark to access a list of keyboard shortcuts

00:00

04:27

04:27

ليست المشكلة في الدين... بل في توظيفه

يفرق الأطباء وعلماء الشريعة بين الإيمان بقيمة الدعاء والرقية والطب النبوي، وبين تحويلها إلى أدوات تسويق أو بدائل شاملة للعلاج الطبي. فالإسلام لم يجعل التداوي نقيضاً للتوكل، بل قرر الجمع بين الإيمان والأخذ بالأسباب.

لعل المفارقة أن أشهر الكتب التي يستند إليها كثير من المروجين للأعشاب، هو كتاب "الطب النبوي" لابن القيم، يقدم صورة أكثر اتزاناً بكثير مما يروجه هؤلاء. يقول ابن القيم: "وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل... بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً... فلا يجعل العبد عجزه توكلاً، ولا توكله عجزاً".

بهذا المعنى، لا يرى ابن القيم تعارضاً بين الإيمان والطب، بل يعتبر الأخذ بالأسباب جزءاً من الإيمان، وهي رسالة كثيراً ما تغيب عندما تقتطع النصوص من سياقها لتسويق وصفة أو منتج أو جلسة علاجية.

عدد ممن يرفعون اليوم شعار "الطب النبوي" يتجاهلون أكثر فصول ابن القيم صراحة في التحذير من المتطبب الجاهل. فالرجل الذي يستشهدون باسمه للدفاع عن وصفات غير مثبتة، هو نفسه الذي أكد أن التداوي لا ينافي التوكل، وأن الطبيب الذي يوهم الناس بالعلم وهو ليس من أهله يتحمل مسؤولية ما يجنيه على المرضى، وأن الطبيب الكامل هو من يجمع بين الخبرة الطبية ورعاية الجانب النفسي والروحي، لا من يستبدل أحدهما بالآخر.

الطبيب الذي حذر منه ابن القيم

لا يكتفي ابن القيم بالدعوة إلى التداوي، بل يخصص فصلاً كاملاً للتحذير من "المتطبب الجاهل". ويقول: "المتطبب الجاهل... إن غر العليل وأوهمه أنه طبيب وليس كذلك... ضمن الطبيب ما جنت يده". وفي موضع آخر يقرر أن الطبيب الكامل هو من يحيط بأمراض البدن والنفس معاً، لكنه يؤكد أيضاً أن "الطبيب الحاذق يستعين على المرض بكل معين"، وأن مدار العلاج يقوم على حفظ الصحة، وردها إذا فقدت، وتقليل الضرر، وترجيح أعظم المصالح بأقل المفاسد.

هذه النصوص تكشف أن المرجع الذي يرفع بعضهم شعاره لا يبرر ادعاءاتهم، بل يضع قيوداً صارمة على من يتصدر للعلاج بغير علم.

عالم الأبحاث الطبية والسرطانية السعودي فهد الخضيري، كشف في حديث مع "اندبندنت عربية" أن الإشكال الأكبر يأتي من تشكيك المتطببين بالطب الشعبي في الطب الحديث وشيطنته، بهدف الترويج لعلاجات، أظهرت الحالات التي تعاملت معها مؤسسات صحية عدة أنها، تتسم بـ"الغش والخداع".

هذا الكلام غير صحيح وغير علمي ولا تسبب سرطان. والذي قال ذلك لا يفرّق بين المسرطنات وبين الملوثات الطبيعية والبيئية التي يتقبلها الجسم ويتعامل معها الجسم بشكل طبيعي وبالفطرة الالهية pic.twitter.com/lD7TGGveRL

— أ.د.فهد الخضيري (@DrAlkhodairy) July 2, 2026

ويشير إلى أنهم يضربون الأمثلة ببعض الأمراض المستعصية التي لا يزال الطب الحديث يدرسها ليتعرف إلى أسسها وفسيولوجيتها ومن ثم الكشف عن العلاج المناسب، لإظهار أنه طب فاشل. لكنهم وفق البروفيسور الخضيري "يتناسون أن الطب الحديث والأدوية واللقاحات أسهمت بفضل الله تعالى بمنع ملايين الإصابات وإنقاذ ملايين الأرواح مقارنة بالوفيات سابقاً بسبب تلك الأمراض. بل إن بعض اللقاحات المضادة للفيروسات والبكتيريا قد أنهت عقوداً من الأوبئة والفيروسات التي كانت تقتل ملايين البشر قبل قرن من الآن".

ولفت إلى نجاح الأبحاث الطبية الحديثة في إيقاف تدهور حالات مرضية كثيرة حتى وإن لم تجد العلاج النهائي لها مثل السرطان، كما أنها "زادت من معدل متوسط العمر لدى الإنسان الحديث عما كانت عليه قبل قرن"، معتبراً أنه "لو تتبعنا الاحصائيات والأرقام لوجدنا فارقاً كبيراً بين عدد الإصابات والوفيات آنذاك وبينها الآن، ولا مجال للمقارنة".

كيف يصنع الطبيب الشعبوي سلطته؟

لا يبدأ الطبيب الشعبوي عادة من المختبر، بل من المنبر. فهو يدرك أن الثقة تسبق الدليل، وأن الناس قد يصدقون من يستشهد بحديث أو يلبس خطاباً دينياً أكثر مما يصدقون رسماً بيانياً أو دراسة علمية.

ولهذا يتكرر نموذج الاستشهاد بالنصوص الدينية، ثم عرض قصص شفاء مؤثرة، يتبعها التشكيك في الطب الحديث، وأخيراً تقديم منتج أو جلسة علاجية باعتبارها الطريق الذي غفل عنه الأطباء. ويعتمد هذا الخطاب على الشهادات الشخصية أكثر من اعتماده على الدراسات، وعلى العاطفة أكثر من اعتماده على البرهان.

وفي المنطقة العربية كان بين أكثر من اشتهر بهذا النوع من الدعاية التي تبين لاحقاً أنها لا تستند إلى أي حقيقة طبية، الشيخ اليمني الراحل عبد المجيد الزنداني، الذي ادعى قبل سنوات حصوله على وصفات، كفيلة بالتداوي من مرض نقص المناعة "الإيدز"!

وحول هذا النوع من الإدعاءات، يؤكد الاستشاري الخضيري من موقع تجربته كطبيب مختص، سخر جزءاً من وقته لمواجهة هذه الدعايات، أن بعض أولئك يستخدمون حيلاً تنطلي على المرضى، فيختارون الجهلة من الناس، قليلي العلم وقليلي الثقافة الدينية.

وأضاف "قد يختار أيضاً توجيه رسائله إلى الشخص الذكي الذي لديه علم ولكن لديه شكوك بالآخرين وعدم ثقة بالأنظمة الصحية ولا الأدوية. ولديه إيمان خفي بوجود مؤامرة من شركات الأدوية والنظام الصحي للمتاجرة بصحة الإنسان، وهذا المتطبب يكفيه هذه الفئات والتي تزيد على 20 إلى 30%؜ من الناس".

ورأى أن هذه الشريحة، باتت وقود الإشاعات والنشر والتمجيد لمثل هؤلاء حتى لو لم يكونوا مرضى ولا يتعاملون معه (الطبيب الشعبوي) ولم يجربوا أدويته، "لكنهم يتعاطفون معه كرهاً بشركات الأدوية وكرهاً بنظام الرعاية الصحية، وقد يسهمون في نشر وترويج قصص خياليه قام هو بنشرها عبر مريديه ومتابعيه عن المعجزات الشفائية التي حصلت على يديه وقدراته الخارقة على شفاء المرضى، وعند التتبع والتحقق لا تجد مريضاً فعلياً ولا شخصيات حقيقية ولا نجد سوى أساطير منقولة من تابعيه ومريديه".

لا يقتصر هذا النقاش على المؤسسات الدينية أو الشعبية، بل امتد إلى الأوساط العلمية أيضاً. ففي افتتاحية نشرتها المجلة الطبية البريطانيةBMJ  حول الجدل الدائر بشأن الطب التقليدي والتكميلي، رأى باحثون أن الاعتراف بالقيمة الثقافية أو التاريخية لبعض الممارسات لا يعفيها من متطلبات الطب المبني على الأدلة، وأن أي وسيلة علاجية، مهما بلغت شعبيتها، ينبغي أن تثبت سلامتها وفعاليتها بالمعايير العلمية نفسها التي يخضع لها أي دواء أو علاج حديث.

الحجامة والعسل والرقية ممارسات لها حضورها في الثقافة الإسلامية، ويؤمن بها كثير من المسلمين لأسباب دينية أو شخصية. لكن الإشكال لا يبدأ من وجودها، بل من طريقة توظيفها.

فحين تقدم بوصفها وسائل مساندة أو ممارسات روحية، يختلف الأمر عن تقديمها باعتبارها علاجاً حصريا للسرطان، أو بديلاً عن الجراحة، أو سبباً للاستغناء عن الأدوية. هنا يتحول الإيمان إلى أداة تسويق، ويتحول النص الديني إلى إعلان تجاري يصعب على كثير من الناس مناقشته أو مساءلته.

gettyimages-2162075060-594x594.jpg

دمج هذه الممارسات في الأنظمة الصحية ينبغي أن يقوم بناء على الأدلة العلمية، وضمان السلامة والجودة والفعالية (غيتي)

وفي هذا السياق، لا تتبنى منظمة الصحة العالمية موقفاً رافضاً للطب التقليدي أو التكميلي، بل تنظر إليه بوصفه جزءاً من الرعاية الصحية التي يعتمد عليها ملايين البشر حول العالم. إلا أنها تؤكد في استراتيجيتها العالمية للطب التقليدي والتكميلي 2025-2034 أن دمج هذه الممارسات في الأنظمة الصحية ينبغي أن يقوم بناء على الأدلة العلمية، وضمان السلامة والجودة والفعالية، مع إخضاع الممارسين والمنتجات لأطر تنظيمية تحمي المرضى من الادعاءات غير المثبتة. وقد نظمت السعودية وبلدان عربية عدة، مراكز مرخصة لـ"الحجامة"، بعد أن كانت اجتهادات فردية خلف الأبواب المغلقة، من دون احتياطات صحية.

قدم مفكر سعودي كادت تبتر!

ويروي المفكر التربوي السعودي عبد العزيز الثنيان تجربة شخصية، تعرض فيها لاستغلال من أدعياء الطب الروحاني والشعبي، بعد خيبة متلاحقة مع الطب الحديث، في وقت مبكر من تاريخ البلاد. قبل أن يجد معالجة شعبية جادة، أنقذت قدمه من البتر قبل نحو 60 عاماً بأقسى أنواع الطب الشعبي وهو "الكي"!

وهي قصة رواها لـ"اندبندنت عربية"، خلص منها، إلى أن التحدي هو في ضبط السوق، وتنظيمها لكي لا يكون المريض الضحية، بمثل المستوى الذي جرى به تنظيم الطب الحديث عبر الزمالات الطبية، والعيادات والرقابة الصارمة.

ويضيف "إن قصة قدمي شهادة لمدرسة الطب الشعبي ووسائله البدائية: الكي، والأعشاب، والجبائر، والعجائن، فقد كدت أفقد رجلي، وأصحب الرجل الاصطناعية والعربة والعكازة، لولا عناية الله، ثم طب السيدة (رداسة) رحمها الله وأسكنها فسيح جناته"، لكنه حين ولج بيتها مصحوباً بوالدته في أحد أحياء الرياض كما أوضح في مذكراته الصادرة حديثاً "لؤلؤ وحصى"، ظهر له الفرق الشاسع بين النصب والاحتيال وأصحاب الضمير الحي، الراغبين في نفع الناس بدلاً من التغرير بهم.

"كنت أرقب أقراني وأغبط فتوتهم، وأنظر للأصحاء وأرجو مجاراتهم. كانت الهواجس تعصف، والظنون تتوالى، والهموم تتراءى من كل جانب". في لحظة ما يقر بأنه مع استمرار الألم، وقلة الحيلة، قد يسقط العقل، وتزل القدم، وفي وقت لم يكن للعلم فيه مكان كبير، "وقعت الأسرة فريسة للخرافة، حين عبثت بعض النسوة برأس أمي، وأخبرتها أن ما بي ليس سوى مس جان، أو حسد كار، فاندفعنا معصوبي العقل إلى زيارة أحد المشعوذين، نبحث عن دواء لما أصابنا من الداء".

تحدثت بعض النسوة أن (السيد الزعيبي)، وهو نصف مشعوذ، كما يستذكر الطفل الذي أصبح لاحقاً عضواً في مجلس الشورى، قالوا: "إن لديه القدرة - بإذن الله - على شفائي مما أصابني من بلاء، فانطلقنا إليه في رحلة البحث الطويلة التي ما تركت باباً إلا ولجته، ولا وسيلة إلا تقربت منها".

ويصف مشهد عيادته بأنها "حجرة كئيبة قاتمة ينقبض الصدر لدى ولوجها. كان (السيد الزعيبي) أسمر اللون، طويل القامة، هادئ الصوت، يضع في أصبعه الخنصر خاتماً فضياً يتلألأ، وكأن في هذا الخاتم عفريتاً يساعده، وفي غرفته التي قابلناه فيها ملابس بالية، وأوان مبعثرة، وأرائك ممزقة".

حين دلف إليه، وقص عليه حالته "تبسم وبدا سنه الذهبي، وصار ينفث، ولم أفهم ما يقول، ولكنه بعد عشر دقائق، قال: الأمر يسير ويسير. وكأني أرى الزعيبي وقد بدأ يتمتم ويعلو نفسه حيناً، وينخفض حيناً آخر، وقد أطفأ أنوار الحجرة إلا شمعة خافتة في جانب الغرفة، ثم أشعل ناراً، وقرب صندوقاً خشبياً. نظرت إلى الصندوق، فإذا به مجموعة أدراج؛ في كل درج نوع من الأدوية كما يزعم، وها هو ذا يأخذ منها قليلاً ويرميه في النار، حتى تتصاعد الأبخرة، ويبهج الدخان، وتسيطر على جو الغرفة رائحة نفاذة، تضيف كراهة جديدة إلى كراهتها".

ظل الزعيبي يتمايل ويتمتم، ويطلب من ضحيته أن يستنشق ذلك الدخان، وفي نهاية جلسته؛ أعطاه بعض الأدوية، وأمره بوضعها في ماء فاتر والشرب منها صباحاً ومساء. ثم قال له، كما يروي في مذكراته "لؤلؤ وحصى": أرسل غداً أحد أثوابك، وسوف ترى الشفاء قريباً، وخرجنا ولم نرسل له الثوب، بل إن الوالدة سرعان ما قذفت تلك الوصفة العلاجية، واستغفرنا الله، وبحثنا عن القراء، وتحرينا أيهم أصدق وأصفى، وأيهم أقرب للتقوى، ومن قارئ لآخر... حتى جاءت الأخبار عن السيدة (رداسة) رحمها الله.

بين الطب الحديث والقديم

الطب الحديث لا ينطلق من السؤال: هل هذا العلاج قديم أم جديد؟ بل من سؤال مختلف تماماً: هل أثبتت الدراسات أنه آمن وفعال؟

ولهذا تؤكد منظمة الصحة العالمية في وثائقها المتعلقة بالطب التقليدي أن التحدي ليس في المفاضلة بين "الطب التقليدي" و"الطب الحديث"، وإنما في إخضاع جميع الممارسات للمعايير العلمية نفسها، بحيث لا يدمج في الأنظمة الصحية إلا ما ثبتت سلامته وفعاليته وجودته، مع استمرار البحث العلمي لتقييم الممارسات التي لا تزال الأدلة حولها غير كافية.

وبهذا المعنى، فإن المنظمة لا ترفض التراث، لكنها ترفض أن يكون التراث وحده دليلاً علمياً.

اقرأ المزيد

ويرى الأكاديمي محمد غالي أستاذ الأخلاق في جامعة حمد بن خليفة القطرية أن هذا الملف شهد سجالاً طويلاً بين الرافضين والمؤيدين من دون توسط، بسبب خلطهم بين الجوانب البدنية والروحية. فيرى أن التوفيق بين الشقين هو الأوجه، عوضاً من النقاش شديد الاستقطاب أحياناً بين فريقين، "أحدهما يرى أن ما ورد في كتب الطب النبوي هو من شريعة الإسلام التي لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد وأن العلاجات الواردة فيها هي ملاذنا للخلاص من فساد واحتكار شركات الأدوية الغربية؛ وفريق آخر يرى أن هذه المصنفات ما هي إلا أفكار كلاسيكية تجاوزها الطب الحديث وعفى عليها الزمان، فلا يوجد ما يسوغ الرجوع إليها بحال".

ربما تكمن أخطر لحظات الطب الشعبوي حين تختلط الأدوار. فالمريض قد يقبل من الداعية ما لا يقبله من الطبيب، ويغفر للطبيب ما لا يغفره لغيره إذا أحاط نفسه بهالة دينية. عندها لا تعود العلاقة قائمة على مساءلة مهنية، بقدر ما هي على ولاء وجداني، يصبح معه التشكيك في الوصفة أهون من التشكيك في النص، الذي يتحدث باسم الدواء المزعوم.

وهنا يكمن جوهر الظاهرة، إذ إن المشكلة ليست في الدين، ولا في الطب النبوي، ولا في الممارسات التقليدية ذاتها، بل في تحويل المقدس إلى حصانة تمنع النقد، وتمنح صاحبها سلطة لا تستند إلى الدليل بقدر ما تستند إلى الرمزية الدينية. حتى صار هذا القطاع ميداناً للمحتالين والمشعوذين، مثل الذي كاد يعلق الثنيان بالجن والشياطين قبل أن تسعفه لسعة الحاذقة "رداسة".

ويقرر الأكاديمي في الجامعة القطرية غالي أن الجدل الدائر بين أنصار الطب النبوي والطب الحديث يقوم في كثير من الأحيان على ثنائية زائفة، إذ يرفض في الوقت نفسه الدعوات التي تقصي التراث الطبي الإسلامي باعتباره "رجعية"، كما ينتقد الاتجاه المقابل الذي يدعو إلى إحلال الطب النبوي محل الطب الحديث.

ويؤكد أن مصنفات الطب النبوي لم تقدم الأدوية الواردة فيها بديلاً عن الطب السائد في عصرها، بل باعتبارها جزءاً منه، وقد دونها علماء مارسوا الطب واستفادوا من معارف زمانهم. ويخلص إلى أن "الإعراض عن منجزات الطب الحديث يتعارض مع العقل والشرع معاً، مستشهداً بهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم في التداوي، وحثه على طلب العلاج والاستعانة بأحذق الأطباء"، بما يؤكد أن الجمع بين الوحي والأسباب العلمية هو الأصل، لا المفاضلة بينهما.

من بول الإبل إلى "علاج السرطان بالأعشاب"

لم تقتصر ظاهرة الطب الشعبوي على الترويج للعسل أو الحجامة، بل شهد العالم العربي والعالم خلال العقود الأخيرة عشرات القضايا التي استغلت يأس المرضى ومكانة الخطاب الديني أو الشعبي لتسويق علاجات غير مثبتة.

فمن الادعاء بعلاج السرطان ببول الإبل أو خلطات الأعشاب، إلى الترويج لعلاج الإيدز والتوحد والسكري بالرقية أو منتجات طبيعية أو حتى الكي بالنار، انتهت كثير من هذه الحالات إلى تدخلات قضائية أو رقابية بعد ثبوت تضليل المرضى أو تعريض حياتهم للخطر.

في السعودية، حذرت وزارة الصحة من الانسياق وراء مدعي العلاج بالطب البديل الذين يروجون لأنفسهم عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي من دون ترخيص، مؤكدة أن هذه الممارسات قد تستغل حاجة المرضى للعلاج وتفتقر إلى الأساس العلمي. ودعت الوزارة إلى استقاء المعلومات الصحية من مصادرها الموثوقة، والإبلاغ عن الممارسين غير المرخصين عبر مركز "صحة 937"، مع التحقق من تراخيص مزاولي الطب البديل والتكميلي من خلال المركز الوطني للطب البديل والتكميلي.

لا يقتصر التحذير من استغلال المرضى على الأوساط الطبية، بل يمتد إلى المرجعيات الفقهية أيضاً.

فقد أكد مجمع الفقه الإسلامي الدولي أن الأصل في التداوي أنه مشروع، بل قد يصبح واجباً إذا كان تركه يؤدي إلى هلاك النفس أو تلف أحد الأعضاء أو انتقال الضرر إلى الآخرين، مشدداً على أن الطب "علم وفن متطور لنفع البشرية"، وأن الطبيب ملزم بالعمل وفق "الأصول الفنية والعلمية" مع استشعار مراقبة الله في أداء رسالته. كما حمل المجمع الطبيب المسؤولية الشرعية والقانونية إذا تعمد الإضرار بالمريض، أو مارس الطب بغير علم أو تخصص، أو من دون ترخيص من الجهة المختصة.

وفي ما يتعلق بما يعرف بالطب البديل والطب الشعبي، أوصى المجمع في قراره 142 حكومات الدول الإسلامية بتنظيم هذه الممارسات، وإخضاعها للإشراف والرقابة، ووضع الضوابط الكفيلة بحماية المجتمع من الأضرار ومنع استغلال حاجة المرضى أو توظيف الدين لتحقيق مكاسب تجارية.

وما من هيئة إفتاء عربية في السنوات الأخيرة، إلا وحذرت من سوق الوهم الرائجة في هذا الصدد عبر عناوينها البراقة، بعد أن تمددت عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية المشبوهة قبل ذلك بسنوات.

الضحايا في العيادات

إلا أن النتائج النهائية لحملات التوعية تلك عبر المؤسسات الرسمية، لا تزال دون زخم سيل الإشاعات، والنشرات الكاذبة، التي أصبح ترويجها أسهل في عصر "الذكاء الاصطناعي"، إذ كان ما يعرف بظاهرة "طبيب الطيبات" آخر تجليات تلك الظاهرة، التي لم تنته بوفاته.

ولهذا يحذر الخضيري، الذي ظل يقارع أولئك بأدواته العلمية من وقائع حالات مرضية لا تزال ترد الجهات الطبية، فلدى إدارة التيقظ الدوائي بهيئة الغذاء والدواء، وتقارير الأطباء والممارسين الصحيين في عياداتهم وبالذات أطباء  الطوارئ "تجد آلاف الحالات المرضية الطارئة والخطيرة بسبب تناول تلك الخلطات العشبية المجهولة والتي قد تكون أعشاباً مضافاً إليها أدوية وبالتالي تكون الجرعة عالية جداً وتسبب تسمماً بالكبد وفشلاً في الجهاز العصبي أو الكلى".

يعود ذلك في تقديره إلى أن "تلك الخلطات العشبية إما تتفاعل مع بعض لتنتج سموماً طبيعية لكنها قاتلة. أو يقومون بخلط أدوية طبية معينة لتمرير فوائد محددة وقتية إلى أن يحصل على المبلغ المطلوب من المريض المخدوع".