بين فرحة المولود وحق المرضى
هناك ظواهر اجتماعية تستحق أن نتوقف عندها كثيرًا، لا لأنها جميلة، بل لأنها تستدعي التأمل والمراجعة. ومن أبرز هذه الظواهر ما يحدث في بعض المستشفيات بعد ولادة طفل جديد من حفلات استقبال.
أخبار متعلقة
فلا تمضي ساعات قليلة حتى تتحول غرفة الأم إلى مكان مزدحم بالبالونات التي تزين المكان، والورود، والتوزيعات، وصواني الشوكولاتة، والقهوة العربية، والشاي، والعصائر، والخدم الذين يتنقلون بين الزوار، وكأن المكان تحول إلى مجلس استقبال، لا إلى مستشفى يعالج المرضى.
وهنا يجد الإنسان نفسه يتساءل: هل هذه غرفة تنويم أم قاعة أفراح؟
لا أحد يعترض على الفرح بقدوم مولود جديد، فهو نعمة تستحق الحمد والشكر والتهنئة والدعاء. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الفرح إلى إزعاج، وحين يصبح المستشفى كله مطالبًا بأن يعيش تفاصيل المناسبة رغماً عنه. فالزائر لا يأتي ليبارك ويطمئن ثم يغادر، بل يجلس ساعات طويلة، وكأنه حضر مناسبة اجتماعية كبرى. يدخل فوج ويخرج آخر، ثم يصل فوج جديد، حتى يصبح المكان مزدحمًا بالزوار. وترتفع الأصوات، وتكثر الضحكات، بينما الأم التي خرجت من الولادة تحتاج إلى الراحة أكثر من حاجتها إلى استقبال عشرات الزائرات، والمولود يحتاج إلى السكينة، لا إلى ازدحام الوجوه والأصوات.
وفي الغرفة المجاورة مريض خرج من عملية جراحية يبحث عن دقائق من النوم، ومسن يتعبه أدنى صوت، وطفل يتألم، ومرافق لم يذق طعم الراحة منذ أيام. وكل هؤلاء يدفعون ثمن فرحة لا تخصهم، ولا يستطيعون الاعتراض عليها.
ولا يقف الأمر عند الضجيج والزحام، بل يمتد إلى العطور والبخور التي يحملها الزوار معهم، فتمتلئ الغرف والممرات بروائح متداخلة قد تكون مناسبة في المجالس، لكنها داخل المستشفى قد تتحول إلى عبء على مريض يعاني من حساسية، أو ضيق في التنفس، أو خرج لتوه من عملية جراحية.
ثم تبدأ حفلة التصوير؛ صور مع الأم، وصور مع المولود، وصور «سيلفي»، وبث مباشر، وفيديوهات لكل زاوية، حتى يطغى التصوير على أجواء المناسبة.
والأغرب أن بعض الأسر قد تبالغ في الإنفاق على الديكورات، والتوزيعات، والضيافة، حتى يصبح الاهتمام بمظاهر الاحتفال أكبر من التركيز على بساطة المناسبة ومعناها.
ختاماً: الفرح نعمة، ولا أحد يدعو إلى إلغائه، ولكن أجمل الفرح ما كان بسيطًا وراقيًا ويحترم مشاعر الآخرين.
[email protected]
المصدر الأصلي: اليوم
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.