أكل المطاعم في العالم العربي... لا هناء ولا شفاء أحيانا
عندما تنتهي زيارة أحد المطاعم بإقامة قسرية في العناية المركزة ليلة أو ليلتين، وعندما تتحول علب البيض الكرتونية إلى ما يشبه 'الحواوشي' المخيف، وعندما تجد لحوم الكلاب والقطط والحمير طريقها إلى أسياخ الكفتة المشوية، أو يتناول الزبون خضروات متعفنة ومشبعة بالبكتيريا، ويروي عطشه بعصير مضاف إليه جزيئات التيتانيوم، وعندما يضع صاحب المطعم فاتورة الكهرباء في كفة وصحة الزبون في الأخرى، فيختار الأولى ويترك الزبون يواجه مصيره في غرفة الطوارئ أو قسم السموم أو حتى الموت، فإن ذلك يعني أن سلامة الغذاء أصبحت مهددة، وأن تناول الطعام خارج المنزل قد يستدعي إما وثيقة تأمين على الحياة أو رقابة أكثر صرامة على المطابخ والعمال والمكونات، وأيهما أقرب إلى التحقيق.
تتعدد مصادر تلوث الغذاء في المطاعم العربية، من سوء التخزين إلى ضعف الرقابة، مما يجعل سلامة الطعام قضية شائكة تمس حياة الملايين يوميًا.
جولات ميدانية لـ'اندبندنت عربية' في مطاعم عدد من المدن والقرى العربية كشفت عن تشابه كبير يصل إلى حد التطابق. لم تعد الشاورما مجرد شرائح لحم أو دواجن شهية تسيل اللعاب بسبب حلاوتها و'ثوميتها' الرائعة، بل تحولت إلى لفائف محفوفة بالمخاطر، وكل آكل يغامر بنفسه. القوانين متوفرة، والنصوص غنية، والرؤى التشريعية حادة، لكن الفساد يصدها، والرشاوى تلين القلوب والعقول ودفاتر المخالفات، والالتفاف على اللوائح حاضر بقوة، والنجاة بالمصلحة الشخصية والمطعم والربح هي السائدة.
وحتى في الدول التي أنجزت الكثير على طريق ضبط المطاعم، وربط سلامة الغذاء، والتأكد من أن "كل شيء تمام"، تأتي المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر المتمثلة في وجبات يجري إعدادها في مطابخ البيوت، أو تلك التي يبيعها باحثون عن مهرب من بطالة عبر بيع الوجبات الخفيفة والمشروبات من صندوق سيارة يغلق حال وقوع تفتيش مفاجئ أو تدقيق مباغت، لتعيد سلامة الغذاء إلى المربع صفر.
وبين هذه الأخطار، وتلك المجازفات، تقف سلامة الغذاء في غالبية الدول العربية في حيرة من أمرها أمام هذا العدد الضخم من جهات التفتيش، ومؤسسات الرقابة، والوزارات المسؤولة عن الملف، لدرجة أن دم المصاب بالتسمم الغذائي يتفرق بين تضارب الاختصاصات حيناً، وإنكار المسؤولية حيناً آخر، والتحجج بضرورات "أكل العيش" دائماً وأبداً.
مصر... السر في التتبيلة
سلامة الغذاء، أو بالأحرى اعتلاله، منظومة تجد نفسها حائرة بين طرفي نقيض في مصر: الأول هو زيادة الوعي الشعبي مع جهود حكومية للمراقبة والمحاسبة 'قدر الإمكان'، والثاني مزيج من صعوبة الأوضاع الاقتصادية التي تدفع البعض لاستهلاك طعام مجهول المصدر أو المشاركة في بيعه وشرائه، مع فصل تام بين التدين الظاهر من جهة واعتبار فساد مكونات الطعام أمرًا براغماتيًا بحتًا يخضع لقواعد السوق وسوء الممارسات من قبل كبار أصحاب المطاعم والمحلات ومورديهم، بالإضافة إلى بقايا سلبية من عصر تضارب اختصاصات الرقابة الحكومية عندما كانت منظومة ضمان صحة المصريين ضائعة بين وزارات الصحة والتموين والزراعة والصناعة ورجال الدين.
كريم وزوجته وأبناؤهما الثلاثة أصيبوا بتسمم غذائي قبل أسابيع. في اليوم السابق، تناولوا وجبة الإفطار في مطعم فول وفلافل شهير في مصر الجديدة، ووقت الغذاء أكلوا سندوتشات شاورما من فرع المهندسين لسلسلة مطاعم شهيرة، وتناولوا رزاً بلبن وآيس كريم من محل مجاور، وبين الوجبات توقفوا لتناول شاي وقهوة وكابتشينو من سيارة متنقلة على جانب الطريق.
رغبة كريم المحمومة ليتقفى أثر التسمم أحبطها تعدد مصادر الأكل، ومن ثمّ صعوبة تحديد أية وجبة أو مشروب كان السبب من جهة، قبل أن تجهز عليها وتجهضها تماماً رحلة البحث عن الجهة المسؤولة التي يمكن اللجوء إليها للإبلاغ.
بين الإدارة المركزية لمراقبة الأغذية في وزارة الصحة والسكان، وجهاز حماية المستهلك، ووزارة التموين والتجارة الداخلية، وقسم الشرطة، والهيئة القومية لسلامة الغذاء، وجد نفسه مشتتاً غير قادر على اللف والدوران والسؤال، بينما يتعافى وأسرته.
آخرون كانوا أوفر حظاً، وإن كانوا أقرب إلى الموت جراء التسمم الشديد الذي أجبر أقاربهم على نقلهم إلى مستشفى لإنقاذ أرواحهم، وهو ما استوجب إبلاغ الشرطة لاتخاذ اللازم، وهو ما أدى إلى الوصول إلى المطعم المقصود. قبل نحو أسبوعين، أصيبت أم وأبناؤها بتسمم شديد، نقلوا على إثره إلى المستشفى، ما أدى إلى القبض على صاحب مطعم شهير في شرق القاهرة.
جرى عرف انعدام سلامة الغذاء، وتضرر البعض جراء الإصابة بالنزلات المعوية أو التسمم أو غيرها من أشكال المرض، وربما الوفاة، أن يتم التعامل مع الواقعة عبر تطبيق نصوص قانون "الغش والتدليس"، التي تتراوح بين إغلاق وتشميع، أو دفع غرامات، أو سجن مدة لا تقل عن سنة.
![]()
توسّعت ظاهرة عربات الأكل والشرب في الشوارع والميادين والحارات المصرية إلى جانب المطاعم (رويترز)
أستاذ القانون في كلية الحقوق جامعة العاصمة (حلوان سابقاً) فرج الخلفاوي، شرح في ورقة عنوانها "الغش التجاري بين التشريع وموت الضمائر"، كيف أن "الغش التجاري ظاهرة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية أفرزتها حركة التطور في مختلف جوانب الحياة التجارية والاستهلاكية، فكما أن للتطور آثاراً إيجابية على الأفراد والمجتمع، فإنه وفي المقابل له آثار أخرى سلبية، أبرزها الغش التجاري، الذي أصبح ظاهرة عالمية واسعة".
يقول إن المشرع المصري أدرك خطورة التدليس والغش منذ بداية أربعينيات القرن الماضي، فأصدر في شأن مكافحته القانون رقم 48 لسن 1941 بشأن قمع الغش والتدليس، وجعل نطاقه شاملاً لكل السلع، بما في ذلك أغذية الإنسان والحيوان والعقاقير والنباتات الطبية والأدوية والحاصلات الزراعية والمنتجات الطبيعية والصناعية. وظل المشرع يطور ويعدل ويضيف نصوصاً لتواكب التغيرات الحادثة في المجتمع، وجزء منها أدوات وأساليب الغش والتدليس.
القوانين كثيرة، والعقوبات متعددة ومتدرجة، وذلك بحسب حجم الضرر. فمن الغش أو حيازة مواد مغشوشة، لكن لم تتسبب في ضرر صحي جسيم إلى الأغذية الضارة بالإنسان، التي تثبت التحاليل الرسمية أنها تحتوي على مواد سامة أو ميكروبات تشكّل خطراً مباشراً على الصحة، إلى تسبب الطعام في عاهة أو إعاقة دائمة أو وفاة، تتدرج العقوبات القانونية. بين غرامات وإغلاقات وسجن يتراوح بين سنة، وقد يصل إلى المؤبد في حال حدوث وفاة أو أكثر.
وتتراوح العقوبات التكميلية بين مصادرة الأغذية المغشوشة وإعدامها، وغلق المطعم أو المقهى وتشميعه وسحب ترخيصه، ونشر الأحكام الصادرة في حقه في صحيفتين واسعتي الانتشار على نفقة المحكوم عليه.
ويتبقى هامش المسؤولية غير العمدية، التي يعاقب عليها القانون المصري كذلك، حتى لو لم يتعمد المطعم الغش، التي تكون ناجمة عن الإهمال، أو عدم اتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة لضمان سلامة الأغذية، أو ضعف الرقابة على المخازن والعمال والنظافة الشخصية.
وفي مصر، ومع توسّع ظاهرة عربات الأكل والشرب في الشوارع والميادين والحارات، وغالبيتها لا تخضع للرقابة أو التأكد من اتباع المعايير، تجد القلة المطالبة بإخضاعها للرقابة الحكومية نفسها في مواجهة اجتماعية نفسية عنيفة أمام الغالبية، التي ترى أن فرض الرقابة وتطبيق القواعد على هذه العربات، أو المشروعات المتناهية الصغر هو تعنت موجه ضد الفقراء، أو مبالغة في تطبيق القانون على البسطاء، أو خطوة ينبغي أن توضع في ذيل الأولويات، لأن أصحاب هذه المشروعات "غلابة".
في مصر يخضع قطاع المطاعم وعربات الأكل للمراقبة والمحاسبة لكن فعلياً وواقعياً هو أبعد ما يكون عن ذلك لأسباب لوجيستية ومنطقية واجتماعية
عربة الـ"سوشي" حيث لفافات الرز والأسماك النيئة تباع نهاراً جهاراً في درجة حرارة تفوق الـ 40 درجة مئوية ومن دون براد. سندوتشات الكبدة الإسكندراني والسجق البلدي يأكلها القاصي قبل الداني على هذه العربة التي تأتي ظهراً وتنصرف مساءً من دون أن يعرف أحد عنوان صاحبها أو مصدر المكونات. أما "أكسسوارات البهائم" من فشة وكرشة ولسان وممبار، التي تنفد في لمح البصر، فتظل علامة من علامات شوارع المناطق الشعبية، وسراً من أسرار السعادة والبهجة، إن لم يكن بسبب حلاوتها وقدراتها الفائقة على الإشباع، فبسبب عدم الاكتراث بمعرفة أصلها وفصلها وكيفية تجهيزها.
يمكن القول إن هذا القطاع من "المطاعم" المتنقلة أو التي يقتصر وجودها على عربة أو طاولة أو فرشة في الشارع، خارج منظومة الضبط الغذائي والربط الصحي. وضمن هذا القطاع غير المنظم الغائب عن الرقابة على رغم الانتشار الكبير، مشروعات تجهيز وجبات في البيوت من دون شهادة أو ترخيص أو زيارة مفاجئة من مفتش أو قياس دوري لدرجة حرارة أو ظروف تخزين. المعياران الوحيدان في منظومة "مدام شيماء للمحشي والفطائر" و"الحاجة أسماء وطواجن الفرن" هو ضمير شيماء وسريرة أسماء. وما عدا ذلك، فهو ستر من السماء ونجاة من الأقدار.
نظرياً، يخضع هذا القطاع للمراقبة والمحاسبة. فعلياً وواقعياً، هو أبعد ما يكون عن ذلك لأسباب لوجيستية ومنطقية واجتماعية، فإذا كان كريم وزوجته وأبناؤه فشلوا في الوصول إلى الجهة التي ينبغي إبلاغها بحدوث التسمم، على رغم إنهم ينتمون لقمة الهرم الطبقي، وتناولوا ما أكلوه وشربوه في أرقى المنافذ وأغلاها، فإن عربات الأكل وطاولاتها وفرشاتها المنتمية إلى قاعدة الهرم بعيدة من العين، وسهولة الوصول، عقب الإبلاغ، والإبلاغ من أصله في حال حدوث تسمم أو نزلة معوية أو غيرها.
وسواء خضع الشخص المصاب بالتسمم أو النزلة المعوية أو غيرها نتيجة تناول طعام غير صالح للاستهلاك الآدمي للراحة بضعة أيام، أو دخل مستشفى لتلقي العلاج، فقد تقرر في عام 2017 تأسيس "الهيئة القومية لسلامة الغذاء" في مصر، وتتبع رئيس الجمهورية مباشرة، بهدف توحيد جهات الرقابة على الغذاء، وبدأت في ممارسة مهامها في عام 2019، وذلك بعد صدور لائحتها التنفيذية.
وأخيراً ومع اشتداد درجات الحرارة، واستعداد المشروب الشعبي الأول في مصر لتبوؤ مكانته المرطبة على القلوب الحنونة على الجيوب، إذ بجهاز حماية المستهلك يصدم المصريين بأن "عصير القصب فيه سم قد يكون قاتلاً"، وهو مادة ثاني أكسيد التيتانيوم" الخطرة والمحظورة.
السعودية... وجبة في الطوارئ
تحوّل وجبة إلى رحلة طوارئ أمر غريب، لكن ليس فريداً. في السعوية، لم تتوقع الشابة إلهام (22 سنة) أن تؤدي وجبة تناولتها في مطعم إلى ثلاثة أيام في المستشفى، بدأت بآلام حادة في البطن، ونوبات متكررة من القيء والإسهال، وانتهت بتدهور حالتها واضطرارها لمراجعة قسم الطوارئ.
تروي إلهام تفاصيل ما عانته من آلام مبرحة في البطن، قبل أن يشخص الأطباء حالتها على أنها نزلة معوية حادة، ثم خضعت لإجراءات علاجية شملت تنظيف المعدة وتعويض السوائل، وبقيت تحت الملاحظة والعلاج ثلاثة أيام، واستمرار الأعراض لأيام كثيرة.
تستقبل أقسام الطوارئ في المستشفيات السعودية حالات مشابهة بصورة متكررة. حالات تسمم غذائي تتفاوت في شدتها، بعضها يغادر بعد ساعات من العلاج، بينما يحتاج بعضها إلى أيام عدة، لا سيما الأطفال وكبار السن والحوامل والمصابين بالأمراض المزمنة.
يؤكد طبيب طوارئ، فضّل عدم ذكر اسمه، أن حالات التسمم الغذائي تزيد بصورة ملحوظة في أشهر الصيف، إذ تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة احتمالات فساد الأغذية إذا لم تُحفظ أو تُنقل وفق الاشتراطات الصحية. ويشير إلى أن معظم الحالات تتعافى بعد العلاج، لكن هناك حالات تحتاج إلى التنويم نتيجة الجفاف أو شدة الأعراض، لا سيما بين الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
ويضيف أن "أعراض التسمم الغذائي تبدأ غالباً بآلام البطن والغثيان والقيء والإسهال، وقد تتطور إلى مضاعفات تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً، لذلك فإن سرعة مراجعة الطوارئ عند اشتداد الأعراض تساعد في الحد من المضاعفات وتقديم العلاج المناسب في الوقت المناسب".
على رغم أن كثيرين يربطون التسمم الغذائي بفساد الطعام، فإن المختصين يؤكدون أن المشكلة غالباً تبدأ قبل وصول الوجبة إلى المستهلك. الحفظ في درجات حرارة غير مناسبة، وانقطاع الكهرباء، وانتقال التلوث بين الأغذية النيئة والمطهية، وانعدام النظافة الشخصية للعاملين، كلها عوامل تهيئ البيئة المناسبة لنمو البكتيريا والفيروسات المسببة للأمراض. كذلك إعادة تسخين الطعام بطريقة غير صحيحة، أو تركه خارج البراد لفترات طويلة، أمور تزيد من احتمالات التلوث، حتى وإن بدا الطعام صالحاً للاستهلاك من حيث الشكل أو الرائحة.
وفقاً للوائح البلدية في السعودية، تُلزم المطاعم والأنشطة ذات العلاقة باتباع اشتراطات محدثة تهدف إلى رفع مستوى الالتزام بمعايير النظافة والصحة العامة، وتعزيز رضا المستفيدين. وهناك جدول محدّث لعقوبات المخالفات الغذائية، يتضمن غرامات متفاوتة ما بين جسيمة وغير جسيمة، وتصل أحياناً إلى إغلاق المنشآت التي تشكل خطراً مباشراً على الصحة العامة. وتأتي هذه الإجراءات في إطار "حماية المستهلكين، وضمان العدالة والامتثال، وتطوير آليات رقابية وتشريعية أكثر فاعلية للحد من المخالفات، وضمان الالتزام بالمعايير الصحية والبلدية"، بحسب قائمة وزارة البلديات والإسكان السعودية.
![]()
تشدد جهات الرقابة السعودية على أهمية التزام المطاعم بالاشتراطات الصحية والبلدية (مواقع التواصل)
داخل المطاعم تبدأ رحلة أخرى لا يراها المستهلك، تبدأ بتسلم المواد الخام والتأكد من صلاحيتها، ثم حفظها في درجات حرارة مناسبة، قبل الانتقال إلى مراحل التحضير والطهي والتقديم.
يقول إبراهيم (عامل بأحد المطاعم) إن سلامة الغذاء تبدأ منذ لحظة تسلم المواد الغذائية، إذ يجري التأكد من صلاحيتها وقياس درجات حرارتها قبل إدخالها إلى المخازن، مع متابعة درجات حرارة الثلاجات بصورة مستمرة. ويضيف أن العاملين يتلقون تدريباً دورياً على النظافة الشخصية، وغسل اليدين، ومنع انتقال التلوث بين الأغذية النيئة والمطهية، مؤكداً أن الالتزام بهذه الإجراءات يعد جزءاً أساسياً من جودة الخدمة وثقة العملاء.
وفي إطار الالتزام بالاشتراطات الصحية، تتسابق المؤسسات الطبية الخاصة في الرياض على تقديم عروضها للمنشآت الغذائية، لفحص عمالتها، استجابةً لمتطلبات الجهات الرقابية. مثلاً، يوضح مجمع الطائف الطبي الواقع في أحد أحياء الرياض، أنه يوفر الفحوص اللازمة مدعمة بالمستندات الرسمية التي تثبت "خلو العاملين من الأمراض المعدية التي قد تؤثر في صحة المستهلكين أو سلامة المنتجات الغذائية". وتُطلب هذه الشهادة من العاملين في القطاعات المرتبطة بإعداد وتقديم الطعام، مثل المطاعم والمقاهي، للتأكد من أهليتهم للعمل في بيئة تتطلب التزاماً صارماً باشتراطات الصحة والسلامة العامة.
وتشدد جهات الرقابة على المطاعم في أمانة منطقة الرياض على أهمية التزام المنشآت بالاشتراطات الصحية والبلدية، وتطبيق معايير سلامة الغذاء في جميع مراحل إعداد وتخزين وتقديم الأغذية، حفاظاً على صحة الجميع.
تلزم اللوائح المطاعم والأنشطة ذات العلاقة باتباع اشتراطات محدثة تهدف إلى رفع مستوى الالتزام بمعايير النظافة والصحة العامة
تقول أمانة منطقة الرياض إنها أغلقت منشأتين لتقديم المشروبات وضبطت 26 مخالفة متنوعة تهدد الصحة العامة قبل أشهر، وذلك إثر جولة تفتيشية انطلقت بناءً على بلاغات سكان العاصمة عبر تطبيق "مدينتي" يفيد بتدن في النظافة وتشغيل عمالة بلا شهادات صحية. وكشفت الفرق الميدانية عن تجاوزات وصفتها بالجسيمة في المنشآت المخالفة، شملت "سوء حفظ وتخزين المواد الغذائية، وعرض أو استخدام لحوم تظهر عليها علامات التلف والفساد، ووجود آفات حية أو ميتة"، فضلاً عن ممارسة النشاط من دون ترخيص.
وفي إطار الحسم الرقابي، قالت الأمانة إنها فرضت إجراءات صارمة تضمنت فرض غرامات مالية وتوجيه إنذارات، مؤكدة أن "البلاغات عبر تطبيق (مدينتي) تمثل عنصراً أساسياً في نجاعة الحملات الرقابية"، ومشددة على استمرار جولاتها التفتيشية لحماية المستهلكين وامتثال الخدمات في العاصمة للمعايير الصحية والبلدية.
في المقابل، فإنه على رغم هذه الإجراءات الحازمة، إلا أن الشكاوى من تهاون بعض المطاعم في تطبيق الاشتراطات الصحية منتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، وإن سجّلت تراجعاً ملحوظاً بعد تسجيل حالات تسمم قبل نحو عام، التي تحولت إلى قضية رأي عام، وتسببت في إغلاق سلسلة مطاعم شهيرة بعد انهيار ثقة المستهلكين بها.
العراق... قوانين متهالكة
وعكس تشريعات مصر الكثيرة، التي تعاني بين الحين والآخر وهن التطبيق، ومنظومة السعودية للشكاوى عبر الأرقام الساخنة والتطبيقات الرقمية، تعاني التشريعات الخاصة بعمل المطاعم في العراق عرضين رئيسيين: قلة التشريعات، وإن وجدت، فلا تتناسب والزيادة الملحوظة في اتساع عمل هذا القطاع في السنوات الأخيرة. ويعد التشريع الذي صدر في عام 1984 من التشريعات التي نظمت منح إجازات لفتح المطاعم، وهو المعروف بـ"إجازة عمل الفنادق والمطاعم والمقاهي الشعبية والإشراف عليها".
تنص التعليمات الصادرة في هذا التشريع على مساحة المطاعم، والحدود الدنيا للأسعار، فضلاً عن الشروط الصحية الواجب الالتزام بها لفتح المطعم والمقهى، لكن هذه القوانين لم تعد ملائمة لتنوع المطاعم وانتشارها، إذ لا يمكن مقارنة عام 1979 وقت كان مجمل المطاعم في العراق 170 مطعماً بالعام 2026، إذ يصل عدد المطاعم المجازة في بغداد وحدها 2400 مطعم، والعدد الكلي من المطاعم غير المجازة نحو تسعة آلاف مطعم.
تأسست "رابطة المطاعم العراقية" في عام 2019، كنوع من التكافل الاجتماعي مع حراك أكتوبر، وهي الحركة التي انطلقت بعد عام 2003 لرفض ومعارضة الواقع السياسي العراقي.
قدمت الرابطة، بالتعاون مع المطاعم الوجبات المجانية للمتظاهرين، ومنحت إجازات طويلة الأمد للعاملين في المطاعم من المتظاهرين، ومع أزمة كورونا بذلت الرابطة جهود ضغط من أجل السماح للمطاعم بالعمل في هذه الأزمة في مجال توصيل الطعام ملتزمة بفكرة التباعد الاجتماعي.
الفوضى في قطاع المطاعم بالعراق وضعف الدولة وقلة كوادرها أدّت إلى استشراء حالات الفساد وكثرة المطاعم العشوائية غير الملتزمة بالشروط الصحية
يصف رئيس رابطة المطاعم العراقية أنس الصراف قطاع المطاعم في العراق بـ"المستضعف والملتزم"، فالمطاعم تعمل وفق قوانين ليست ميسرة لتسجيلها رسمياً، فضلاً عن أن الحصول على الإجازات الصحية ليس بالأمر السهل. يقول: "على سبيل المثال، لا يجوز استخدام الاسم الأجنبي لتسجيل المطعم، فنضطر إلى السفر للخارج لتسجيل اسم المطعم وإدخاله للعراق كـ(براند) عربي أو عالمي، فالقانون يسمح بتسجيل الاسم الأجنبي إذا كان وافداً من دول أخرى، ولا يسمح لما هو محلي".
بعد حصول المطعم على اسم تجاري من اتحاد الصناعات العراقي أو من غرفة تجارة بغداد، تبدأ رحلة استصدار الإجازة الصحية للمطعم من كل من وزارة الصحة وهيئة السياحة في حال كان المطعم سياحياً.
يشير أنس الصراف إلى أن مختبر الصحة المركزي في وزارة الصحة يقوم بأخذ عينات شهرياً من اللحوم والصلصات، فضلاً عن الفحص الدوري للعاملين لضمان خلوهم من الأمراض الانتقالية والتدرن. أما اللحوم، فيجب أن يكون مصدرها مجازر مجازة صحياً. ويضيف: "زادت قيمة الفحوص الطبية من 60 ألف دينار عراقي (45 دولاراً) إلى 250 ألف دينار عراقي (191 دولاراً)، ما أدى إلى ارتفاع أجور الإجازة الصحية للمطعم لتصل إلى 1.5 مليون دينار عراقي، أي نحو 1145 دولاراً أميركياً.
كذلك تشترط القوانين لاستيفاء شروط منح الإجازة الصحية للمطعم دفع أجور الهواتف الأرضية التي تعطلت وانتهى العمل بها في عام 2003، وهو ما يدفع أغلب المطاعم للتهرب من الإجراءات. وتشير الإحصاءات أن نحو 75 في المئة من المطاعم في العراق متهربة من الإجازة الصحية لصعوبة الإيفاء بالشروط.
بات طبيعياً أن تتكرر أخبار حالات التسمم الغذائي بعد تناول وجبات من بعض المطاعم في العراق (رويترز)
بات من الطبيعي أن تتكرر أخبار حالات التسمم الغذائي بعد تناول وجبات من بعض المطاعم. أحدث الحالات المسجلة شهدها مستشفى الكرمة في محافظة الأنبار الذي استقبل 22 حالة مصابة بأعراض تسمم غذائي.
يقول أنس الصراف إن العشوائية في قطاع المطاعم وضعف الدولة وقلة كوادرها أدّت إلى استشراء حالات الفساد وكثرة المطاعم العشوائية غير الملتزمة بالشروط الصحية، وذلك بسبب التشريعات والقوانين التي لا تتلاءم واتساع هذا القطاع. العشوائية لا تقتصر على المطاعم، بل تمتد إلى الأكشاك الصغيرة التي تخلو من الرقابة الصحية، وكذلك الأطعمة التي تجهزها سيدات في البيوت بغرض البيع، سواء في المطاعم أو "أون لاين".
يؤكد أن "مثل هذه المشاريع غير مراقبة صحياً وغير مقننة، إذ يتطلب حصولها على رقم صحي يوضع على علبة التغليف ورقم ضريبي، تشريعاً قانونياً خاصاً لا يحمل في طياته مصلحة حزبية، لذلك فهو بعيد تماماً من منهج البرلمان".
يوضح ليث أحمد، صاحب سلسلة مطاعم شاورما، أن آلية الرقابة الصحية تتمثل في الزيارة الميدانية من دائرة الرقابة في وزارة الصحة، فضلاً عن لجان التفتيش لمتابعة عمل المطعم. يقول: "نراقب يومياً مصادر اللحم والخضراوات، حتى المواد الجافة التي نستخدمها في المطعم، ونتابع جودتها عن طريق "الشيف العام" (كبير الطهاة) عند الاستلام، لكن الالتزام بالتعليمات والمعايير الصحية مكلف جداً، لكنه ضروري لضمان جوده الطعام وسلامته، ولأن المشروع يجب أن يحافظ على مستواه وجودته، وهذا يتطلب جهداً وكلفة إضافية وعدد موظفين أكبر للمراقبة، وهي إجراءات تقي المطاعم شرور الإغلاق".
يشار إلى أنه يحق لأكثر من جهة حكومية غلق المطعم، منها وزارة الصحة لعدم الالتزام بالمعايير الصحية، وهيئة السياحة، ومديرية الدفاع المدني في حال مخالفة المطعم لشروط الأمان، فضلاً عن الجهات الأمنية إذا لم يقدم مالك المطعم بيانات العاملين، وكذلك مجلس المحافظة.
يقول رئيس رابطة المطاعم العراقية أنس الصراف إن "هناك سيوفاً مُسلطة على قطاع المطاعم، على رغم أهميتها الاقتصادية"، مشيراً إلى أن عدد العاملين في هذا القطاع يقدر بنحو نصف مليون عامل، ما يعني أن إغلاق مطعم يؤدي إلى خلل أمني واقتصادي واجتماعي. كذلك فإن قطاع المطاعم هو أكبر مشتر لمواد الجملة، أي إنه قطاع بالغ الأهمية لتحريك عجلة الاقتصاد".
الأردن... تحديات مزدوجة
عجلة الاقتصاد، وفي القلب منها قطاع المطاعم، تدور في الأردن أيضاً، وتواجه توليفة شبيهة من التحديات بين مقلصة الأرباح وضوابط الغذاء وسلامته.
مطاعم الأردن تواجه تحديات مزدوجة وضغوطاً تشغيلية متزايدة. فهي تصارع من أجل البقاء، وتبذل جهداً خارقاً من أجل ضمان تحقيق أرباح وسط ارتفاع تكاليف التشغيل من إيجارات وفواتير طاقة، ومواد خام وغيرها، وفي الوقت نفسه الالتزام الصارم بمعايير وشروط "المؤسسة العامة للغذاء والدواء"، التي تفرض غرامات أو إغلاقات فورية في حال المخالفة.
يخدم هذا القطاع ما يزيد على 11 مليون مواطن ومقيم، إضافة إلى مئات الآلاف من السياح سنوياً، ويُعد من أكثر القطاعات نمواً في الأردن، ويضم آلاف المنشآت الغذائية التي تخضع لرقابة المؤسسة العامة للغذاء والدواء، ووزارة الصحة، وأمانة عمّان الكبرى، والبلديات، ووزارة الإدارة المحلية، وذلك في إطار منظومة تهدف إلى ضمان وصول غذاء آمن إلى المستهلك.
وعلى رغم الحملات الرقابية المستمرة، لا تزال الجهات المختصة تضبط بصورة دورية مخالفات تتعلق بسوء التخزين، وغياب الاشتراطات الصحية، وتشغيل منشآت من دون ترخيص، واستخدام مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى فعالية الرقابة، وقدرة العقوبات الحالية على ردع المخالفين.
تشير البيانات الرسمية للمؤسسة العامة للغذاء والدواء إلى أن جولات التفتيش السنوية تبلغ نحو 34 ألف زيارة ميدانية مفاجئة وشاملة تغطي كل المحافظات. وتحتل العاصمة عمان، تليها محافظتا إربد والزرقاء، المراتب الأولى من حيث كثافة تسجيل المخالفات، نظراً للتركز السكاني العالي وكذلك أعداد المنشآت. وتُظهر المؤشرات أن نحو ثمانية في المئة من إجمالي الزيارات الميدانية تنتهي بالإيقاف الموقت أو الإغلاق التحفظي نتيجة رصد سلبيات حرجة تمس صحة المستهلك مباشرة.
وبلغ متوسط حجم الإتلافات (الإعدامات) السنوية للمواد الغذائية الفاسدة أو منتهية الصلاحية والمخزنة في ظروف سيئة نحو 1385 طناً. وجرى تحويل أربعة في المئة من المنشآت المخالفة إلى المحاكم المختصة.
وفقاً للأرقام تتركّز النسبة الأعلى من هذه الإغلاقات في قطاع المطاعم الشعبية ومحال الشاورما والوجبات السريعة، لكونها الأكثر تعاملاً مع المواد السريعة التلف كالدواجن والصلصات. وتكثف المؤسسة العامة للغذاء والدواء حملاتها خلال شهر رمضان والصيف والأعياد لارتفاع الطلب على الأغذية.
وأظهرت بيانات رسمية أن فرق الرقابة نفذت خلال الأشهر الأولى من العام الحالي أكثر من 11 ألف جولة تفتيش، نتجت منها إنذارات وإيقاف منشآت وإغلاقات وإتلاف مواد غذائية غير مطابقة.
يكشف مفتشو القطاع الصحي عن أساليب خطرة ومبتكرة تعمد إليها بعض المطاعم للتحايل على الإرشادات المعتمدة وتوفير النفقات، كتذويب اللحوم المرتجعة عبر شراء اللحوم والدواجن المجمدة المستوردة بأسعار منخفضة، وإعادة تذويبها بالماء الساخن لعرضها وبيعها للمستهلكين في السندويشات على أنها لحوم بلدية أو طازجة.
ويتحدث أحد العاملين في هذا القطاع عن بعض التجاوزات، يقول "بعض المنشآت تستخدم زيوت القلي لفترات تتجاوز الحدود الآمنة، إذ تُترك الزيوت حتى تتأكسد وتتحول كيماوياً إلى مركبات هيدروكربونية مسرطنة مع تغير كامل في القوام واللون. ولتغطية الرائحة، يجري خلطها بمواد كيماوية أو بهارات قوية". ويضيف "البعض يلجأ إلى حيلة نزع ملصقات تواريخ الصلاحية الأصلية للمواد الخام مثل الأجبان والصلصات والمعلبات واستبدالها بملصقات وهمية تجنباً لإتلافها وخسارة ثمنها".
بعض المطاعم تستخدم زيوت القلي لفترات تتجاوز الحدود الآمنة وكذلك اللحوم المجمدة بعد تذويبها بالماء الساخن (رويترز)
وقد حسمت وثيقة أكاديمية حديثة صادرة عن كلية الزراعة في الجامعة الأردنية (2024)، الجدل حول مدى التزام المطاعم بالاشتراطات الصحية، فكشفت أن عينات المطاعم التجارية من السلطات تحوي على معدلات مقلقة من الميكروبات والجراثيم، وهو ما يطرح كثيراً من الأسئلة حول آلية غسل وتجهيز الخضروات الورقية، وسلوكيات النظافة التي يتبعها العاملون، ومدى الالتزام بقواعد التبريد.
يقول أحد العاملين في مسلخ رسمي للحوم إن ثمة أخطاراً صحية تتخلل عملية التبريد في آليات النقل والتخزين، مشيراً إلى أن اللحوم والخضروات تصل إلى المطاعم عبر قنوات رسمية كمسلخ أمانة عمان الكبرى وسوق الخضراوات المركزي، بيد أن المشكلة تبدأ عند كسر سلسلة التبريد السليمة التي تتطلب حفظ اللحوم المبردة بين صفر إلى أربع درجات مئوية، والمجمدة عند 18 درجة مئوية تحت الصفر.
ويعمد بعض أصحاب المطاعم الشعبية إلى فصل التيار الكهربائي عن برادات التخزين الضخمة والمجمدات خلال ساعات الليل، وذلك بهدف تقليص فاتورة الطاقة الكهربائية المرتفعة، وهو ما يعرض المأكولات للبكتيريا المسببة للتسمم مثل "السالمونيلا" وتكاثرها بصورة متسارعة في بيئة دافئة ورطبة، مما جعل هذه الممارسة سبباً في 90 في المئة من حالات التسمم الجامعي المسجلة في تاريخ هذا القطاع.
يشار إلى أن التحقيقات الرسمية في حادثة تسمم جماعي في محافظة إربد عام 2025 أثبتت وجود تلوث ببكتيريا الإشريكية القولونية، مما أدى إلى إغلاق المنشأة احترازياً وإجراء تحقيقات موسعة.
تلزم التشريعات الأردنية كل عامل في قطاع الغذاء بالحصول على شهادة خلو من الأمراض السارية والمعدية صادرة عن وزارة الصحة ومجددة بصورة دورية. لكن التدوير السريع للعمالة الموقتة في هذا القطاع يدفع المنشآت لتشغيل أفراد يفتقرون للشهادات الصحية.
في الوقت نفسه، قفزت ظاهرة "المطابخ المنزلية والتجارية غير المرخصة" عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التوصيل الذكية لتشكل سوقاً خفية دون رقابة، حيث تجري عمليات الطهي والتحضير داخل شقق سكنية تفتقر لأبسط شروط التهوية، أو مكافحة القوارض، أو الفحص الطبي للقائمين عليها.
مطاعم الأردن تواجه تحديات مزدوجة وضغوطاً تشغيلية متزايدة، تصارع من أجل البقاء وتبذل جهداً خارقاً لضمان تحقيق أرباح وسط ارتفاع تكاليف التشغيل
وخلال الأعوام الماضية برزت فضائح عدة لتلوث الغذاء في الأردن، حيث جرى تسجيل 505 إصابات ناتجة من 66 حادثة تسمم غذائي في الأردن خلال عام واحد، كان أبرزها كارثة "شاورما" عين الباشا عام 2020 كواحدة من أكبر حوادث التسمم الغذائي في تاريخ المملكة، التي أسفرت عن وفاة طفل وإصابة نحو 700 شخص إثر تناولهم وجبات "شاورما" بأحد المطاعم الشهيرة في منطقة مخيم البقعة.
يرى أصحاب مطاعم ومنشآت صحية أن الالتزام بالاشتراطات الصحية يمثل كلفة مالية باهظة ومنتظمة تؤثر بصورة مباشرة في أرباح المطاعم، مما يفسّر لجوء بعض هذه المنشآت للاستخفاف بالقواعد والتهرّب من المصروفات الثابتة، وأبرزها كلفة الطاقة والتبريد المستمرين داخل المطبخ على مدار 24 ساعة، وهي من أعلى بنود الكلف التشغيلية في الأردن نظراً إلى تعريفة الكهرباء المرتفعة للمحال التجارية.
ورسوم فحوص وشهادات العمال الدورية وتأمين عمالة ماهرة ومدربة على سلامة الأغذية بأجور مرتفعة تشكل عبئاً مالياً على الغالبية. أمّا الخسارة الأكبر فتقع عند إتلاف المواد التي شارف تاريخها على الانتهاء.
وفقاً لمؤسسة الغذاء والدواء والجهات الرقابية الأخرى، تشمل عمليات التفتيش أكثر من 50 بنداً، أبرزها مصدر المواد الغذائية، وصلاحية اللحوم والدواجن، وسلامة الزيوت المستخدمة في القلي، ودرجات حرارة الحفظ والتبريد، ونظافة أدوات الطهي، فضلاً عن مكافحة الحشرات والقوارض، ونظافة العاملين والشهادات الصحية.
بموجب المادة (22) من قانون الرقابة على الغذاء في الأردن، فإن العقوبات المفروضة لم تعد تقتصر على الغرامات المادية التصاعدية وحسب، بل تمتد لتشمل الإغلاق الفوري للمنشأة، وسحب وتجميد الرخص التجارية، ومصادرة البضائع، وصولاً إلى عقوبة الحبس الفعلي لصاحب المنشأة أو المدير المسؤول في حال ثبوت التسبب بضرر صحي جماعي أو تكرار المخالفات الشديدة.
وعلى رغم كفاءة المنظومة الرقابية الرسمية في الأردن على مستوى التشريع والضبط الميداني، فإن الثغرة الكبرى تكمن في السلوكيات الفردية لبعض المستثمرين الراغبين في تقليص النفقات على حساب الجودة.
لبنان... رقابة ضمن حدود
عجلة الاقتصاد، ودور المطاعم والمقاهي الكبير في تدويرها، مستمرة على مدى العام، لكنها أحياناً تدور بما لا تشتهي صحة الزبائن. ويبقى فصل الصيف موسماً رئيساً، لا في معدلات الإقبال فقط، لكن في ملف سلامة الغذاء أيضاً. وفي لبنان، يعود ملف سلامة الغذاء بصورة متكررة إلى الواجهة في مثل هذه الأيام من كل عام، وذلك تزامناً مع ارتفاع معدلات السياحة وعودة المغتربين للزيارة.
تخضع الرقابة على المطاعم في لبنان إلى إشراف مشترك بين وزارات الصحة العامة والاقتصاد والسياحة وكذلك البلديات، وذلك لضمان مطابقة الأغذية وأعلى المعايير. أما ما استجد في هذا المجال، فهو وجود الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء التي أبصرت النور بعد طول انتظار، وإن كانت فاعليتها في مواجهة التجاوزات محدودة بسبب تحديات وعوائق كثيرة.
يقول الدكتور إيلي عوض، رئيس الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء، الهيئة باشرت مهماتها فعلياً في فبراير(شباط) الماضي لتبدأ في توحيد معايير الرقابة وحماية صحة المستهلك، إلا أنه يأسف لوجود عوائق كثيرة تحول دون ذلك، منها عدم وجود موظفين ومراقبين لدى الهيئة، واعتمادها على مراقبين من وزارتي الصحة والصناعة وغيرهما من الوزارات.
ويتركز عمل الهيئة على الرقابة السابقة بصورة أساسية، وهو الهدف الجوهري، إذ جرت العادة أن يجري التركيز على تلبية شكاوى المواطنين والتحرك بعد حصول الضرر. تتحرك وزارة الصحة بناءً على شكوى أو على أثر تسجيل حالات تسمم، أما الهيئة فتحرص على القيام بدورها تلقائياً من خلال الجولات الرقابية المفاجئة لكشف أي مخالفات وتصحيح الأوضاع.
مع مطلع كل صيف، تزيد الصعوبات والمشكلات في ملف سلامة الغذاء. ومن أبرز المشكلات شبكة الكهرباء وأعطالها واللجوء أحياناً إلى المولدات الكهربائية وانعكاسات ذلك السلبية على الأطعمة. يضاف إلى ذلك أنه ثمة مؤسسات لا تتردد في قطع الكهرباء وإطفاء المولدات لخفض فاتورة الكهرباء دون التفكير في تداعيات مثل هذا القرار على سلامة الغذاء وصحة المواطن، لا سيما في ظل الارتفاع الشديد في درجات الحرارة. وحفاظاً على سلامة الغذاء، هناك مساع مع الوزارات المعنية لخفض فاتورة الكهرباء على المطاعم، لتتمكّن من تحمل كلفها وتحرص على سلامة الغذاء.
وفي جهودها الكثيرة للرقابة على المطاعم وسلامة الغذاء بصورة عامة، يبقى التحدي الأكبر الذي تواجهه الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء في عدم وجود مراقبين، وقلة الإمكانات المتاحة التي تحول دون قيامها بمهماتها بالصورة المرجوة. إذ حتى الآن بلا موازنة أو موظفين.
يقول رئيسها "حتى اليوم، أنا بصفتي رئيساً للهيئة، ليس لديّ مكتب خاص بي. كل ما يحصل يؤكد على الاستخفاف بصحة الناس. فلم تُخصص للهيئة أموال، وليس لديها موظفون أو سيارات للقيام بالجولات الرقابية، علماً أنه حالياً يوجد نحو 55 مراقباً في بيروت، لكن المطلوب وجود مراقبين في كل محافظة، وإلا فقدت الهيئة قدرتها على القيام بمهماتها".
يضاف إلى ذلك مشكلة تعدد الجهات الرقابية، فمن المفترض أن تكون الهيئة قد وجدت لرقابة شاملة موحدة، لكن تتداخل حالياً مسؤوليات مختلف الوزارات مع دور الهيئة مما يؤدي إلى استمرار حال التشتت.
تحث هيئة سلامة الغذاء اللبنانية أصحاب المطاعم على اتباع الوسائل الحديثة لطهي الأطعمة وحفظها (رويترز)
أما ماذا يحدث في حال وجود مخالفة في مطعم، يجري إعطاء صاحبه مهلة زمنية لتصحيح الخلل، ولا يتم إغلاقه مباشرة، وذلك حرصاً على سلامة القطاع وسمعته. وفي حال جرى تسجيل حالات تسمم، يفرض المراقبون إجراءات تصحيحية مع مهلة زمنية للتصحيح، وإذا استوفى المطعم الشروط يعاد فتحه، وإلا فيتم وقفه عن العمل.
في جولات الهيئة على المطاعم لكشف المخالفات، يؤكد عوض أن المفاجآت تكون كثيرة. ترتفع نسبة المخالفات بصورة خاصة في البلدات النائية، مقارنة ببيروت مثلاً، إذ يعد أصحاب هذه المطاعم أنفسهم بعيدين عن الرقابة، وذلك باستثناء اللحوم التي تكون جودتها أعلى في مطاعم هذه القرى، وذلك بحكم تربية المواشي في مزارعها.
وتأتي كثير من المخالفات في المطاعم الكبرى صادمة، إذ يتوقع أن تنتهج أعلى معايير الجودة والسلامة، لكن بعضها يخالف بشدة، وإن كان هذا لا ينفي وجود مطاعم بالغة الجودة في أنحاء لبنان، تحافظ على معايير السلامة وتلتزم بكل التوجيهات.
ويشير عوض إلى أنه يقوم بجولات كثيرة سراً وبمفرده، وذلك لتجنب لفت الأنظار. وفي إحداها، كان في سوق اللحوم في صبرا ليلاً برفقة طبيب بيطري، وفوجئ بمشهد صادم في أكبر المجازر وأكثرها توريداً للحوم للمطاعم الكبرى، حيث يوجد لحوم ملقاة على الأرض، وأخرى مخزنة بطريقة خاطئة.
ويشير إلى أنه جرى تسجيل 731 حالة تسمم في مراكز إيواء تناول المقيمون فيها الوجبات من مطبخ واحد أثناء الحرب الأخيرة. وأظهرت التحقيقات أن السبب الأكبر يرتبط بالعاملين وقلة نظافتهم الشخصية أثناء تحضير الطعام.
وتحرص الهيئة على حث أصحاب المطاعم على اتباع الوسائل الحديثة لطهي الأطعمة وحفظها، لكن جانباً من هذه المطاعم يصر على الطرق والأدوات التقليدية، وذلك لضمان الربح السريع والكبير دون الاستثمار في صحة العملاء وسلامة الغذاء، وبعض هذه المطاعم مرموقة، وسمعتها الجيدة طاغية.
وزارة الصحة العامة أيضاً تقوم بدور بالغ الأهمية في الرقابة الصحية على المؤسسات الغذائية، من خلال فرق الرقابة الصحية التابعة لها، التي تشمل زيارات تفتيش دورية أو مفاجئة، إضافة إلى أخذ عينات مخبرية عند الحاجة. وتعطى الأولوية للمؤسسات أو المناطق التي تستدعي متابعة أكبر، وذلك استناداً إلى نتائج التفتيش السابقة أو الشكاوى الواردة.
وبحسب رئيسة مصلحة الطب الوقائي عاتكة بري، فإن عدد الموارد البشرية المتاحة في وزارة الصحة العامة دون المستوى المطلوب مقارنة بعدد المؤسسات الغذائية المنتشرة على مختلف الأراضي اللبنانية، خصوصاً في ظل الظروف الراهنة، مضاف إليها التحديات الاقتصادية التي تؤثر في المؤسسات الغذائية نفسها، وجودة الأطعمة المقدمة للمواطن. وترى بري أن الرقابة ركيزة أساسية في تعزيز سلامة الغذاء، وثبتت فاعليتها في كشف كثير من المخالفات ودفع المؤسسات إلى تصحيح أوضاعها والالتزام بالمعايير الصحية، مضيفة أن نجاح الرقابة لا يعتمد على وزارة الصحة وحدها، بل يتطلب تعاوناً بين مختلف الوزارات المعنية والبلديات.
من جهتها، تقوم وزارة الاقتصاد بحملات تفتيش لاعتبارها أيضاً معنية بالرقابة على المطاعم لكن في جانب مختلف منها. يقول مدير عام وزارة الاقتصاد الدكتور محمد أبو حيدر إن مديرية حماية المستهلك التابعة للوزارة أنجزت 6143 زيارة في النصف الأول من العام الحالي، وذلك للرقابة على المحال والمؤسسات التجارية التي تبيع وتصنع المواد الغذائية للتحقق من مدى تقيدها بالقوانين والأسعار والأوزان وشروط السلامة الغذائية.
من جهة أخرى، تحدث أبو حيدر أيضاً عن تداخل أعمال الوزارات والجهات المعنية، مما يؤدي إلى ارتباك ومشكلات. ويضيف أن الوزارة أحياناً تقوم بمهمات ليست ضمن مسؤولياتها، وذلك لتوفير الدعم وحماية المستهلك في ظل غياب المراقبين ووجود كثير من المشكلات في الهيئة تعوقها عن القيام بمهماتها كاملة.
وتتحمل وزارة السياحة في لبنان مسؤولية كبرى في الرقابة على المطاعم، فيما تواجه التحديات نفسها التي تواجهها الجهات الباقية المعنية كافة وترتبط بقلة الإمكانات والموارد المخصصة لها.
يبقى التحدي الذي تواجهه الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء هو عدم وجود مراقبين وقلة الإمكانات المتاحة التي تحول دون قيامها بمهماتها إذ حتى الآن بلا موازنة أو موظفين
وبحسب رئيسة دائرة الشكاوى في وزارة السياحة كارول خوري، يتم شن غالب الجولات الرقابية في بيروت وضواحيها بسبب قلة المخصصات المالية للمراقبين، وعدم توافر سيارات لنقلهم من مكان إلى آخر.
وفي حال تلقي شكاوى من مناطق بعيدة مثل الشمال، يجري الإبلاغ عنها ليجري التعامل معها.
يشار إلى أن وزارة السياحة هي المسؤولة عن إعطاء الإجازات للمطاعم والمقاهي والفنادق، والتراخيص، ومسؤولة عن مراقبة الأسعار، وتاريخ صلاحية الأطعمة التي تقدّم، وكل التفاصيل الباقية، إضافة إلى التحقق من سلامة الغذاء والشهادات الصحية للعاملين في المطاعم.
وعلى رغم أن غالب الشكاوى يتعلق بالأسعار فإن البعض يشكو بسبب التسمم وقلة النظافة في المطعم، مما يؤدي إلى تحرير محضر ضبط إذا تم التأكد من المخالفة.
تتعدد الجهات المسؤولة عن الرقابة على المطاعم وضمان سلامة الأغذية، لكن في التعدد مشكلات وتضارباً وتداخلاً في الاختصاصات، على رغم أن كل الجهات تعاني نقص الإمكانات ومحدودية الموارد، والمتضرر الأكبر المطاعم وسلامة الغذاء وصحة المواطنين، لا سيما في ظل آثار حرب لم تلملم أغراضها بعد على أمل الرحيل.
سوريا... فساد مركب مع طفرة المطاعم
في سوريا، لملمت الحرب أغراضها فعلياً، وذلك بعد نحو عقد ونصف من القتال والتخريب الذي نال البنى التحتية والفوقية، وبينها قطاع المطاعم. صمد هذا القطاع إلى حد ملحوظ، لكن سلامة الأغذية والرقابة على المطاعم تظل شوكة في حلق كثر.
شهدت سوريا بعد عام 2011 طفرة في تعداد المطاعم التي تراوحت أعدادها بين مئات إلى آلاف تبعاً للمدن. هذه الطفرة حملت معها ضغطاً تنفيذياً على الجهات الرقابية والصحية، وبخاصة أنّ سوريا تعاني نقصاً فادحاً في البنية الرقابية، ناهيك عن مشكلات في سلاسل التوريد وآليات التبريد الآمنة، مما جعل الوجبات الغذائية في المطاعم من أكبر مهددات السلامة العامة، ومتسببة في حالات التسمم المتكررة.
في ريف دمشق فقط، سجُل عام 2025 أكثر من 200 حالة تسمم غالبها بسبب فساد صلصة الثوم (الثومية) المستخدمة في الوجبات الجاهزة، 150 منها فقط حدثت نتيجة تناول الطعام من محل فروج واحد.
طبيب الأمراض الهضمية في وزارة الصحة محمد الأسود يقول "المشكلات الكبرى والجماعية لا تحدث كثيراً، لكن الخطر في تكرار حوادث التسمم الصغيرة التي لا يجري تسجيلها رسمياً، لذلك نجد أنّ البيانات الرسمية لا تكشف عن آلاف الحالات، بينما حقيقة الأرقام كبيرة لكنّ فرديتها تجعلها تبدو قليلة طالما لا تسجل، وهنا يتضح ضعف الدور الرقابي الهائل الذي لا يتعامل مع تسمم إنسان كحالة مهمة وينتظر ليكون العدد كبيراً".
اقرأ المزيد- المياه الجوفية في العالم العربي... الكنز المهدر
- الصم والبكم في العالم العربي... إشارات مبعثرة وحقوق تائهة
- المكتبات العامة في العالم العربي... بيوت مهجورة
- الطبقة الوسطى... وتد المجتمع العربي يتآكل
- البحث العلمي عند العرب: الإرث لا يكفي والمنجز لا يشفي
معتز رفيق، مشرف سابق في دائرة الصحة، يقول "كنا ننفذ آلاف ضبوط المخالفات سنوياً، والعمل لا يزال بالوتيرة نفسها. في الأشهر الأولى من عام 2024 رصدنا أكثر من 9 آلاف مخالفة لمطاعم، لكنّ حالات التسمم استمرت، لذا فإن الردع بالمخالفات لم ينجم عنه تحسن في وضع سلامة الغذاء، فارتفاع معدل المخالفات لا يعني تحسن الوضع، وبخاصة أنّ من تعرض للمخالفة يعود للعمل بعد أيام".
وعن سلاسل التوريد، يوضح المشرف الصحي أحمد زيتون أنّ "المطاعم تعتمد على مسالخ صغيرة وموردين متنوعين، مما يجعل تتبع المصدر الأساس صعباً لمعرفة مصدر الخلل، وبخاصة حين تكون الساحة عامرة بآلاف المطاعم وقطاعات التغذية، وبعضهم يحصل على ذبائح جرى ذبحها دون دمغة أو إشراف رسمي. ويعقد المشكلة أنّ تلك اللحوم لا يجري تبريدها عند الدرجة المحددة، مما يعني احتمالية نمو بكتيريا ضارة وسامة".
شفيق منصور، صاحب مطعم شاورما في حمص، يقول "نتلقى لحوماً طازجة من مصادر توريد موثوقة، وجرى وضعها فوراً في البرادات بدرجة برودة مناسبة، وتضاف إليها ألواح الثلج للحفاظ عليها، وفي حال عدم وجود كهرباء وثلج يكون مصير اللحوم هو الإتلاف المباشر".
وتؤكد الممرضة فرات إسماعيل في دمشق صحّة حديث شفيق صاحب المطعم بقولها "حالات التسمم غالباً ترتبط بالمواسم الحارة، خصوصاً من مطاعم الوجبات الجاهزة التي لا تملك آلية تبريد كافية وصحية".
لم تقدم الجهات الرقابية المعنية إحصائية دقيقة لعدد المخالفات وحالات التسمم منذ نهاية عام 2024 وحتى منتصف 2026، مما قاد إلى البحث في الحالات الموثقة من قبل، عندما كانت آلاف حالات الضبط تجري سنوياً، وكانت تفرض غرامات وضرائب على المطاعم.
يقول موظف التموين رائد جمال إنّ "كثافة النشاط الرقابي لا تعني الردع، لأنّ المطاعم تفتح أبوابها مجدداً سريعاً، مما يعني العودة لنقطة البداية دون رادع حقيقي. وفي غالب الحالات التي لا تشهد تسمماً أو ضرراً جماعياً، تكون العقوبة هي الإغلاق ثلاثة أيام، وغرامة نحو 1500 دولار، ومن ثمّ لا يعاد تقييم عمل تلك المحال إلى أن ترتكب خطأ جديداً واضحاً".
أمّا الطبيب البيطري سمعان سليم، فيقول إن "الأخطار لا تتعلق بشرعية الذبح الصحي فقط، إنما بما يحدث بعد ذلك أيضاً، فأي تأخير في التبريد، لا سيما في الصيف الحار، أو عوامل النقل غير السليمة، أو التخزين الخاطئ، تجعل اللحوم عرضة لأن تكون ملوثة، وهنا لا يتحمل المطعم وحده النتائج".
في ظلّ الحرب السورية وارتفاع كلفة المعيشة، لجأ كثر من السوريين إلى ما يعرف بالمطابخ المنزلية، التي تقوم على فكرة الطهي المنزلي والتوصيل، وهي فكرة لقيت رواجاً كبيراً في دمشق. هذه المطاعم لم تحصل على التراخيص المطلوبة أو تخضع لحملات تفتيش، مما يجعلها خارج الرقابة الفعلية.
تعتمد المطاعم السورية على مسالخ صغيرة وموردين متنوعين ما يجعل تتبع المصدر الأساس صعباً (رويترز)
انتصار السيد، سيدة من دمشق لديها مطبخها المنزلي الذي صارت له قاعدة زبائن معتبرة، تقول "مشروع المطعم يكلف عشرات وربما مئات آلاف الدولارات، ناهيك بالعمالة وصعوبة التراخيص والضرائب الفلكية، لذا انطلقت من منزلي كحاجة اقتصادية ملحّة، والأرباح جيدة جداً، ولم أخطئ في سلامة الأطعمة والمكونات ولو مرة واحدة، على رغم مضي خمسة أعوام على المشروع، وذلك لأني أشتري المكونات بنفسي كميات قليلة جداً وفق جدول الطلبات اليومي وفوراً أقوم بتنفيذ المطلوب أو تفريزه حسب رغبة الزبون، خلاف المطاعم التي تتعامل يومياً بكميات لحوم كبرى وتضطر إلى إنتاج كميات ضخمة للغاية من المواد الجانبية مما يوقعها في مشكلة الجودة والأخطار".
بهجت أرناؤوط بدأ مشروعاً مشابهاً، ويقول إن أفضل ما في الأمر هو تخلصه من الرقابة والضرائب، والعمل بحرية مطلقة وفق حاجات زبائنه. يقول "مصدر لحومي جزار الحي أو بائع الدجاج القريب من البيت، لذا أعرف المصدر جيداً، وهي كأي طبخة منزلية يجري إعدادها بسرعة وتسليمها، لذلك ليست هناك مخاطرة أو احتمال تسمم، أو عمالة تهدر أو رسوم باهظة أتكبدها. فقط، ثمن الطعام يضاف إليه هامش ربح بسيط. لا أجني ثروة بالتأكيد، لكنّه عمل شريف يكفي مصاريف عائلتي".
يكشف سمير، وهو اسم مستعار لصاحب مطعم في طرطوس، أن الشهادات الصحية للعاملين هي إجراء شكلي ولا يخضع لتطبيق عملي. يقول "أنا مثلاً لديّ 10 عمال، خمسة منهم فقط يحملون شهادات صحية رسمية. وهذا هو العرف تاريخياً، صاحب أي مطعم يعرف كيف يتدبر أموره لئلا يزيد نفقاته فيسجل فقط نصف أو ثلث عامليه، فيما يجري غضّ النظر عن البقية. وبالتأكيد لا يتلقى أحد دورات تدريبية، نحن نعتمد الخبرة السابقة فقط".
ويضيف "ليست هناك جهة تدريب رسمية في سوريا للعاملين. يبدأون العمل في قطاع المطاعم في الغالب في سن صغيرة، ويتعلمون شيئاً فشيئاً أصول الصنعة. وعند افتتاح مطعم جديد، صاحبه يبحث مباشرةً عن الخبرات المكتسبة، مثلاً طاهي الوجبات الغربية لدي بدأ مسيرته قبل عقدين كعامل تنظيف في مطعم وعلم نفسه بنفسه".
تعتمد المطاعم في سوريا على مسالخ صغيرة وموردين متنوعين مما يجعل تتبع المصدر الأساس صعباً لمعرفة مصدر الخلل بخاصة حين تكون الساحة عامرة بآلاف المطاعم وقطاعات التغذية
يجمع أصحاب المطاعم الذين تحدثت إليهم "اندبندنت عربية" على أنّ التحايل على الحملات الصحية خلال التفتيش أمر صعب جداً، إذ يكون هناك تدقيق هائل على كلّ شروط النظافة مثل ارتداء القبعات المخصصة والقفازات وغيرها. وحالياً، لم تعد حملات التفتيش تقتصر على المطاعم في الأحياء الرئيسة والشوارع المهمة، بل باتت تصل إلى عمق الأحياء الفرعية وأحياء المخالفات، وتنطبق على الجميع الشروط الصارمة ذاتها في مسائل مثل النظافة.
وعلى رغم ذلك يؤكد مفتش التموين صبحي حسن أنّ "مطاعم كثيرة تحاول التحايل حين سماعها بخبر وجود حملات تفتيش، لذا صارت الحملات مباغتة ومفاجئة لمنع التكيف مع النظام الرقابي بدل الامتثال لشروطه الواضحة، وكثيراً ما تصادفنا مطاعم همها إرضاؤنا في حملاتنا وليس مراعاة شروط الصحة. وسأقولها بصراحة الحرب فعلت الكثير، والفساد كان أكبر جزء منها لذا صارت مطاعم كثيرة تعقد اتفاقات مع معنيين بالملف من تحت الطاولة لتجنب المخالفة والإغلاق وهذا أصعب ما يواجهنا".
الحديث عن الفساد المركّب بين النظام السابق والمطاعم يطول. وعلى سبيل المثال، تراكمت على أحد مطاعم حمص قبل سقوط النظام ضريبة مزدوجة غير مدفوعة عن عامي 2023 و2024 بلغت 900 مليون ليرة سورية (نحو 60 ألف دولار) وفق سعر الصرف ذلك الوقت. كان الرقم فلكياً بالنسبة إلى مطعم يقدم وجبات جاهزة، لكنّ صاحب المطعم تمكن في النهاية من دفع 10 آلاف دولار فقط كضريبة، بعدما عقد اتفاقاً مع أحد الموظفين المسؤولين في مديرية المالية مقابل عمولة 6 آلاف دولار.
عوامل السياسة والأمن والرقابة والانفلات تتشابك بصورة معقدة في منظومة المطاعم وسلامة الغذاء، وسوريا ليست استثناء، فمطاعم السودان تقول الكثير في هذا الشأن.
السودان... التطبيع مع الانفلات
قبل اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) عام 2023، كانت الرقابة الصحية على رغم محدوديتها، تشكل حاجزاً يقلص حجم الانفلات والتجاوزات في قطاع المأكولات عموماً والمطاعم على وجه الخصوص، فتُشنّ حملات تفتيش متقطعة وإغلاقات محدودة وتُوجه إنذارات للمخالفين، لكن هذه المنظومة التي كانت تعاني أصلاً ضعف الإمكانات، لم تصمد طويلاً.
يشرح المسؤول السابق في قطاع الصحة العامة حسام أحمد كيف انهارت هذه المنظومة تدريجاً، ويقول إن "الرقابة الصحية على المأكولات في السودان كانت تعتمد أساساً على وحدات محلية مرتبطة بالمحليات ووزارة الصحة. وكان دورها يشمل التفتيش الدوري على المطاعم والتأكد من صلاحية المواد الغذائية ومراقبة الشروط الصحية للعاملين. وحتى قبل اندلاع الحرب، كنا نواجه تحديات حقيقية من بينها نقص الكوادر المؤهلة وضعف الإمكانات اللوجستية وغياب قاعدة بيانات محدثة للمؤسسات الغذائية".
وأضاف أن "بعد اندلاع الحرب، تدهورت الأوضاع بصورة متسارعة، وكوادر عدة غادرت مواقعها، وبعض الإدارات توقفت بالكامل، والمناطق التي تشهد اشتباكات خرجت تماماً من نطاق الرقابة. وفي ظل هذه الظروف ووسط الفراغ الرقابي الحقيقي، لم يعُد الحديث عن رقابة منتظمة واقعياً. هذا الفراغ لا يعني فقط غياب التفتيش، بل غياب أية جهة يمكن أن تُحاسب أو تفرض معايير".
ولفت أحمد إلى أن أخطر ما في الأمر ليس فقط المخالفات، بل التطبيع معها، "فحين تغيب الرقابة لفترة طويلة، تتحول الممارسات الخاطئة إلى سلوك طبيعي، وفي هذه الحال يرى كل من صاحب المطعم والعامل أنفسهما متكيفين مع الواقع، لا مخالفين".
من جهته يقول صاحب أحد المطاعم الشعبية في مدينة أم درمان سامر الجعلي "مشكلتي الرئيسة كصاحب مطعم أصبحت معقدة للغاية، فإضافة إلى ارتفاع كلفة المكونات الغذائية بوتيرة تكاد تكون يومية، نظراً إلى الزيادات المستمرة في الوقود وانعدامه أحياناً كثيرة، مما انعكس على أسعار النقل والسلع وغيرها، تسبب انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة يومياً بخسائر رهيبة"، ويضيف "فمثلاً في حال فسدت اللحوم المحفوظة في البراد نتيجة لانقطاع الكهرباء، أخسر دخل يوم كامل. ولو استخدمتها في إعداد الطعام، فقد يلحق الضرر بالزبائن. نحن أمام خيارين صعبين".
الرقابة الصحية على المأكولات في السودان تعتمد أساساً على وحدات محلية مرتبطة بالمحليات ووزارة الصحة (رويترز)
هذا المشهد الذي يتكرر يومياً في عشرات المطاعم لم يعُد استثناءً، بل أصبح جزءاً من واقع أوسع يعيشه قطاع المأكولات في السودان، إذ تراجعت منظومة السلامة الصحية تحت ضغط الحرب والانهيار الاقتصادي، لتتحول الوجبة اليومية إلى مخاطرة غير مرئية.
اختصاصية سلامة الغذاء إيثار التجاني تقول إن "أحد أكثر التجاوزات شيوعاً في البيئات غير الخاضعة للرقابة سوء التعامل مع اللحوم، ولا سيما في ما يتعلق بالتجميد وإعادة التجميد، فعملية إذابة اللحوم ثم إعادة تجميدها تعني تكاثراً سريعاً للبكتيريا، حتى لو لم يتغير شكل أو رائحة اللحم، مما يجعل الزبون غير قادر على معرفة الطعام الفاسد من الجيد".
وتحدثت أيضاً عن الزيوت، ولا سيما التي تستخدم في القلي والتي ينبغي أن يجري تغييرها بصورة دورية لأن تسخينها المتكرر يؤدي إلى تحلل مكوناتها وإنتاج مركبات ضارة قد تكون مرتبطة بأمراض مزمنة، لكن في ظل ارتفاع الكلفة، يُستعمل الزيت لأطول فترة ممكنة، مما يزيد من الأخطار الصحية".
الخطر في السودان لا يبدأ في المطابخ بل قبل ذلك بكثير فداخل الأسواق تبدو سلسلة الإمداد الغذائية نفسها في حال اضطراب
وعن العاملين في قطاع المطاعم، توضح أن الخطر لا يأتي فقط من المواد الغذائية، بل يشمل العنصر البشري، "فالعاملون في قطاع الغذاء يفترض أن يكونوا مدربين على أسس النظافة الشخصية والتعامل مع الأغذية وتجنب التلوث المتبادل، لكن في ظل غياب التدريب والشهادات الصحية، يصبح العامل نفسه مصدر خطر محتمل، بخاصة إذا كان يعاني أمراضاً معدية أو لا يلتزم إجراءات النظافة الشخصية".
والخطر لا يبدأ في المطابخ، بل قبل ذلك بكثير، فداخل الأسواق، تبدو سلسلة الإمداد الغذائية نفسها في حال اضطراب.
هنا يشير الخبير في سلاسل الإمداد الغذائي جعفر حاتم إلى أن "أي نظام غذائي آمن يعتمد على سلسلة مترابطة، تبدأ من الإنتاج وتنتهي بالاستهلاك، وتشمل السلسلة الذبح والنقل والتخزين والتوزيع، لكن من المؤسف أن هذه السلسلة تعرضت لصدمات متتالية متزامنة. كذلك، أثرت الحرب في الإنتاج وقطعت طرق النقل وأضعفت البنية التحتية، بما في ذلك الكهرباء والتبريد".
ولفت حاتم إلى أنه بسبب تدمير البنية التحتية تضرر ما يقارب 90 في المئة من مصانع السلع الغذائية والمواد الاستهلاكية، مما أدى إلى توقف إمدادات الأسواق والمطاعم ومحال البقالة وغيرها، ولا سيما في مناطق النزاع. والنتيجة أزمة إنسانية واسعة النطاق تهدد حياة الملايين.
المغرب... عقوبات غير رادعة
صحة حياة الملايين في المغرب أيضاً تعتمد على قواعد وقوانين سلامة الغذاء ومدى تطبيقها، مما يجعل قطاع الغذاء والمطاعم أحد أكثر القطاعات حساسية وإثارة للجدل والنقاش، ولا سيما خلال فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يفاقم احتمالات فساد الأطعمة وحدوث التسمم الغذائي.
السلطات المغربية تولي المطاعم اهتماماً كبيراً من خلال ترسانة قانونية لتنظيم هذا القطاع، وكذلك إجراءات ردع المخالفين والمحتالين الذين يتسببون في أضرار صحية للمترددين على المطاعم. وعلى رغم ذلك، يرى مراقبون ومهنيون أن تلك العقوبات ضعيفة وغير رادعة بما يكفي لمنع تكرار المخالفات.
وكغيرها من الدول العربية، تتوزّع مهمات المراقبة على المطاعم بين جهات رسمية عدة، أبرزها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية التي تتدخل في حالات التسمم ومراقبة الصحة العامة، والبلديات والسلطات الإدارية التي تضطلع بأدوار مراقبة الرخص والنظافة العامة للمطعم، وأيضاً وزارة التجارة التي تراقب أسعار الخدمات، ووزارة السياحة التي تُعنى بالمطاعم المصنفة سياحياً.
وتخضع المطاعم في المغرب أيضاً لتدخلات المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا) الذي يتولى مراقبة جودة وسلامة المواد الغذائية، فضلاً عن مجلس المنافسة الذي يراقب الممارسات التجارية والاقتصادية في هذا القطاع المتشعب والمتشابك.
ويقول المراقب والمسؤول الصحي عن قطاع المطاعم رضوان أمهيل إن كثرة المتدخلين في قطاع المطاعم ليست اعتباطاً لأنه قطاع صعب ومعقد، ويحتاج إلى أكثر من جهة للإحاطة به من جميع جوانبه، مضيفاً أن أدوار المراقبين الصحيين في قطاع المطاعم تتمثل في القيام بجولات تفتيشية فجائية، من أجل الوقوف على مدى احترام المطعم للشروط الصحية الواجبة، وأيضاً للاطلاع على طرق تحضير وظروف تخزين المواد الغذائية بهدف الحفاظ على سلامة وصحة المستهلك.
ويشير إلى أن الأدوار الرقابية الأخرى للمطاعم في المغرب تتمثل في الحرص على مدى التزامها شروط التهوئة أيضاً، باعتبار أن ضعف التهوئة يؤدي إلى إفساد الأطعمة والمواد التي يجري تحضيرها لإعداد الأكلات المقدمة للزبائن.
وتقوم جمعيات ومنظمات حماية المستهلك بدور ملموس في قطاع المطاعم في المغرب، من خلال المراقبة والترافع عن حقوق المستهلكين من رواد المطاعم وتلقي شكاوى الزبائن وإيصال أصواتهم إلى المسؤولين والتبليغ عن التجاوزات والمخالفات.
يقول رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك بو عزة الخراطي إن واقع المطاعم في المغرب يطرح إشكالات متعددة ترتبط أساساً بطبيعة الترخيص الذي تشتغل بموجبه هذه المؤسسات، متسائلاً عما إذا كانت مرخصة فقط إدارياً أو أنها تتوافر أيضاً على ترخيص صحي يستجيب للمعايير المعمول بها.
تخضع المطاعم في المغرب لتدخلات المكتب الوطني للسلامة الصحية الذي يتولى مراقبة جودة وسلامة المواد الغذائية (رويترز)
وأوضح أن مفهوم الرقابة الغذائية شهد تغيرات كبرى منذ مطلع القرن الحالي، إذ لم يعُد يقتصر على التفتيش التقليدي، بل أصبح يرتكز على نظام التحكم في النقاط الحرجة الذي يقوم على المراقبة الذاتية وتدبير الأخطار بصورة استباقية، مضيفاً أن هذا النظام معتمد في مطاعم العلامات التجارية والشركات الدولية التي تطبق معايير داخلية صارمة.
ويقول الخراطي إن عدداً قليلاً فقط من المطاعم الأخرى يعتمد هذا النظام، مما يزيد احتمالات حدوث التسممات الغذائية، سواء الحادة أو المزمنة، مرجعاً ذلك إلى ضعف العقوبات الرادعة التي غالباً تبقى في حدود الإجراءات الإدارية مثل الإغلاق الموقت والتنبيهات.
وشدد على أن قطاع التغذية الخارجية بات حاضراً بقوة في مختلف المدن المغربية، وأصبح يلقى إقبالاً كبيراً بين الأسر والموظفين الموجودين خارج بيوتهم لفترات طويلة، مما يحتم إيلاء المطاعم والرقابة على سلامة الأغذية فيها قدراً أكبر من الاهتمام والانضباط.
وكانت مدينة الحسيمة (شمال المغرب) شهدت في يونيو (حزيران) الماضي ما يزيد على 82 حالة تسمم غذائي جماعي حاد مرتبطة بتناول وجبات سريعة من أحد المطاعم، فأغلقت السلطات المطعم احترازياً وفتحت تحقيقاً مخبرياً لتحديد السبب.
وفي مراكش، أغلقت السلطات عدداً من المطاعم في منطقة جامع الفنا السياحية الشهيرة بعد رصد اختلالات صحية تتعلق بالتخزين والنظافة وشروط السلامة الغذائية، في خطوة وقائية لتفادي وقوع حالات تسمم.
وفي مايو (أيار) عام 2024، وقعت حادثة تسمم غذائي جماعي خلّفت ست وفيات من مجموع 28 حالة في مدينة مراكش، بينهم طفلة في الخامسة من عمرها، إثر تناول وجبات خفيفة من أحد المطاعم.
واقع المطاعم في المغرب يطرح إشكالات متعددة ترتبط أساساً بطبيعة الترخيص الذي تشتغل بموجبه هذه المؤسسات إضافة إلى قواعد وقوانين سلامة الغذاء ومدى تطبيقها
وتراوح العقوبات التي تطبق على المطاعم التي تثبت مخالفتها الشروط الصحية، ما بين الإغلاق الفوري بسبب فساد الأطعمة أو غياب النظافة أو سوء التخزين، والغرامات المالية إذا ثبت بيع مواد غذائية غير صالحة أو مغشوشة، وتنتهي بعقوبات الحبس في حال أفضت المخالفة إلى حدوث تسمم وتعريض حياة الأفراد للخطر.
وتتلقى الحكومة المغربية في مختلف القطاعات الوزارية المعنية، أسئلة من نواب برلمانيين بخصوص المطاعم، من بينهم أحمد العبادي من "حزب التقدم والاشتراكية" (المعارض) الذي نبه السلطات الحكومية إلى أنه مع حلول موسم السياحة الصيفية يكثر السفر الداخلي، ويزداد الإقبال على المطاعم ومحال الوجبات السريعة، غير أن هذا الإقبال يعرّض بعضهم لأخطار التسمم الغذائي.
وأضاف العبادي أن "جانباً من المطاعم ومحال الأطعمة يتقيد بمعايير السلامة الصحية والجودة والنظافة، لكن غيرها لا يلتزم، مما يتطلب الرقابة والعقوبة لكل من يستهتر بحياة وسلامة الناس، بحثاً بدافع الجشع عن الربح السهل والسريع".
ولفتت البرلمانية عن "حزب الأصالة والمعاصرة" حنان اتركين إلى حالات تسمم حدثت خلال الآونة الأخيرة، وتساءلت عن مدى التزام المطاعم ومحال الوجبات السريعة معايير النظافة والسلامة الصحية، ومدى تطبيق معايير الرقابة من قبل السلطات المختصة، وجميعها يمثل تحديات كبيرة لسلامة الغذاء.
الجزائر... النظافة المخالفة الأكثر انتشاراً
تحديات مشابهة يواجهها قطاع المطاعم في الجزائر. إنه القطاع الذي يشهد طفرة غير مسبوقة من ناحية العدد والانتشار لأسباب تتعلق بالتوسع الحضري وانتعاش السياحة وزيادة الطلب الاستهلاكي وخدمات التوصيل. وأمام هذا الإقبال والنمو، تتعاظم تحديات سلامة الغذاء وتطبيق المعايير المطلوبة.
واقع الحال يشير إلى استمرار تسجيل مخالفات صحية وإغلاق كثير من المحال المخالفة عقب الحملات الرقابية، مع قدر وافر من كواليس خرق القواعد التي تصدم لجان التفتيش يومياً.
ولا توجد أرقام رسمية لعدد المطاعم، لكنه القطاع الذي يوفر عشرات آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. كذلك، يعتمد القطاع على شبكة واسعة من الموردين تشمل منتجي اللحوم والخضراوات والمخابز وشركات المشروبات والنقل والخدمات الرقمية، مما يجعله أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بدوران عجلة الاقتصاد، ولا يعني أن التحديات قليلة أو سهلة، خصوصاً مع ارتفاع أعداد أنشطة تجهيز الوجبات في البيوت ومعها خدمات التوصيل.
وتكشف بيانات وزارة التجارة الداخلية عن أن مخالفات النظافة والصحة تبقى المشكلة الأساسية داخل قطاع المطاعم، فجولات رقابية شملت أكثر من 13 ألف عملية تفتيش خلال يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين، أسفرت عن 2322 مخالفة، وتحرير 1756 محضر متابعة قضائية واقتراح غلق لـ117 مطعماً وحجز أكثر من 5.2 طن مواد غذائية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن 71 في المئة من المخالفات سببها عدم اتباع قواعد النظافة، والباقي يراوح ما بين سوء الحفظ وعدم إعلان الأسعار.
والرقابة على المطاعم لا تقتصر على وزارة التجارة فقط، بل تقوم على التنسيق بين قطاعات عدة، تشمل وزارة الصحة ومصالح البيطرة والدرك الوطني والمخابر المختصة.
وفي هذا الإطار، عززت وزارة الصحة خلال عام 2026 التنسيق مع مختلف الهيئات المعنية لمراقبة جودة ومطابقة المنتجات الغذائية، بخاصة المستوردة، بهدف توحيد الجهود لحماية صحة المستهلك وتعزيز منظومة السلامة الغذائية.
وأعلنت وزارة التجارة الداخلية عام 2025 مضاعفة عمليات التفتيش الميداني، ولا سيما في الصيف، مع التركيز على المطاعم ومحال الوجبات السريعة والمقاهي ومحال بيع المثلجات، بهدف التأكد من احترام شروط النظافة وسلسلة التبريد والوقاية من التسممات الغذائية.
وأصدرت الوزارة العام الماضي قراراً وزارياً يحدد الشروط الخاصة بالنظافة والنظافة الصحية المطبقة في المطاعم بأنواعها، بما في ذلك البيع المتنقل، بهدف تعزيز سلامة الغذاء وحماية صحة المستهلك. وألزم القرار أصحاب المنشآت توفير فضاءات كافية ونظيفة وجيدة التهوئة والإضاءة، مع الفصل بين مناطق استقبال وتخزين المواد الغذائية وتحضيرها وتوضيبها، إضافة إلى تخصيص أماكن للنفايات وغرف لتغيير الملابس ومرافق صحية مجهزة للزبائن.
يبرر أصحاب المطاعم التجاوزات بالعبء المالي فالالتزام الصارم بالمعايير يتطلب اقتناء مبردات صناعية متطورة ومولدات كهربائية (رويترز)
وفرض أيضاً تجهيز منشآت الإطعام بمعدات تبريد وتجميد مزودة بأنظمة لمراقبة درجات الحرارة، ومنع وجود أية مواد أو حيوانات قد تتسبب في تلوث الأغذية داخل أماكن التحضير والتخزين. وطالب بتنظيف المعدات وأسطح العمل بانتظام، والفصل بين معالجة الأغذية النيئة والمطهية أو تعقيم المكان بعد كل استعمال عند تعذر الفصل.
في غالب الأحيان، يبرر أصحاب المطاعم التجاوزات بالعبء المالي، فالالتزام الصارم بالمعايير يتطلب، بحسبهم، اقتناء مبردات صناعية متطورة ومولدات كهربائية لتفادي انقطاع التيار، والتعاقد مع شركات تنظيف واستخدام مواد تطهير معتمدة، وتوظيف عمال مؤهلين برواتب مرتفعة. وتدفع هذه الكلفة المطاعم الشعبية والصغيرة إلى خفض الكلف على حساب الجودة، لتقديم وجبات بأسعار منخفضة تناسب القدرة الشرائية للمواطن البسيط، مما يجعل السعر المتدني مرجحاً لكفة التساهل مع إجراءات السلامة.
وتشمل المخالفات الشائعة التي يجري تسجيلها استخدام مواد خام غير صالحة والتحضير في ظروف غير صحية وعدم التقيد بقواعد التبريد وتشغيل عمال من دون شهادات صحية.
اختصاصي الصحة العامة محمد كواش يقول إن فصل الصيف هو موسم انتشار التسممات الغذائية، بسبب عاملين رئيسين، ارتفاع درجة الحرارة لأنها مناخ مساعد لانتشار البكتيريا وتلف مختلف المنتجات الغذائية والوجبات المطهية، إضافة إلى التجمعات العائلية كالأعراس والولائم التي يجتمع خلالها عدد كبير من الأشخاص مع عدم مراعاة قواعد التخزين والنقل وغيرها، مما يؤدي إلى حدوث تسممات غذائية جماعية.
وأوضح كواش أنه بناء على الحوادث المتعددة المتعلقة بالتسممات المسجلة في كثير من المطاعم والمقاهي والمحال المتخصصة في بيع الحلويات، وُضعت استراتيجية خاصة بمواجهة التسممات الغذائية على مستوى المطاعم، من خلال آليات المراقبة الوقائية تضم كثيراً من الأطراف لمعرفة مدى احترام المطاعم للمعايير الصحية في تحضير الوجبات.
وترتبط المعايير بصحة العمال وإخضاعهم للمراقبة، والتحاليل الطبية وخلوهم من الأمراض المعدية، ومدى احترام المطاعم للسلامة الأمنية، بخاصة توفير منافذ النجدة والتهوئة ومعدات إطفاء الحرائق، وتوافر الظروف الصحية والنظافة، داخل أماكن العمل والأدوات المستعملة وغيرها.
وذكر كواش أنه في العادة يجري العمل على تحضير "الطبق الشاهد" بعد كل وليمة أو إطعام جماعي ووضعه في الثلاجة لمدة 24 ساعة، وفي حال حدوث تسمم يتم الرجوع إليه لمعرفة مصدر التسمم.
مخالفات النظافة والصحة تبقى المشكلة الأساسية داخل قطاع المطاعم الجزائري والأزمات تتفاقم خلال فصل الصيف
وأوضح أنه يحق للزبائن تفقد أماكن إعداد الطعام في المطعم، ومعاينة ظروف التخزين وتحضير الوجبات، مؤكداً أن "المسؤولية مشتركة بين الإدارة والمواطن الذي يجب أن يحسن اختيار المطاعم وعدم الوقوع في شباك الأسعار الزهيدة التي تتخلى عن سلامة الوجبات.
ويرى المنسق العام لمنظمة حماية المستهلك فادي تميم أن مستوى النظافة والشروط الصحية في بعض المطاعم ومحال الأكل السريع لا تزال متدنية، حيث دقت المنظمة ناقوس الخطر المتعلق بسلامة الأغذية قبل أعوام.
ويقول إن المشكلات في هذا القطاع تتفاقم خلال فصل الصيف، إضافة إلى تعامل بعض أصحاب المطاعم باستهانة مع قواعد السلامة والنظافة، ومن بينهم من يعتبر التدقيق في سلامة الصلصات مثلاً مبالغة، باعتبارها أمراً بسيطاً لا يستحق كل هذا التدقيق. ويضيف أن حتى شروط الشهادات الطبية للعاملين ومراقبة النظافة الشخصية ومعاييرها أثناء العمل، يعدونها مبالغة وتشدداً غير ضروريين.
ويرى أن الزبائن تتحتم عليهم المشاركة في المسؤولية، "فعندما يدخل إلى مطعم، ويجد مظاهر انعدام النظافة في ملابس العاملين أو الحمامات أو الأرضية، عليه أن يبلغ الجهات المسؤولة".
وتحدث عن أهمية تزويد التجار بالمعلومة وشن حملات توعية وتثقيف حول الأمور التقنية وخصائص المواد الغذائية وطريقة العمل وقواعده وأصوله وأسباب إجراءات الرقابة والتدقيق، وجميعها يصب في مصلحة الجميع، سواء كان يتناول الطعام في مطعم سياحي أو شعبي أو عربة متناهية الصغر.
تونس... مطاعم سياحية وشعبية
في تونس، ينقسم قطاع المطاعم إلى فئتين سياحية، وتضم نحو 500 مطعم، بينما تنتشر عشرات الآلاف المطاعم والمقاهي وعربات الأكل السريع في مختلف أنحاء البلاد، وجميعها يخضع لقواعد وشروط تتعلق بالصحة والسلامة المهنية. ويفوق عدد المطاعم 80 ألف مطعم، إضافة إلى عربات الأكل المتنقلة.
ويسهم هذا القطاع بأكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. وعلى رغم أهميته في المنظومة الاقتصادية، فإنه يواجه تحديات كبرى بينها نقص التكوين وضعف الرقابة الإدارية والصحية وعدم احترام المعايير المعمول بها، علاوة على تدهور القدرة الشرائية للتونسيين، مما أثّر سلباً في القطاع.
توفيق عامل في مطعم شعبي وسط العاصمة منذ أكثر من ربع قرن، يبدأ عمله في السابعة صباحاً، فيرتب الطاولات والمقاعد، وينظف أرضية المطعم، ويتفقد الأواني وقوارير الغاز، ثم يحضر البطاطا من المخزن في فناء المطعم، ويقوم بتقطيعها، ويضعها في إناء من الماء استعداداً للطهي.
عن معايير النظافة، يقول "أحرص على نظافة المحل ونظافتي الشخصية من أجل سمعة المطعم. لا أشرع في عملي إلا بعد غسل يديَّ، وارتداء الملابس النظيفة المخصصة للعمل، ثم أقوم بتعقيم المكان بمواد التنظيف، وعلى رغم كل هذا الحرص تعرض المطعم لعقوبات من المصالح الصحية لعدم تغيير صاحب المطعم الأواني المستخدمة في الطهي".
مطاعم أخرى كثيرة تتغاضى عن قواعد سلامة الغذاء طمعاً في كسب مزيد من المال. وعلى رغم ترسانة التشريعات وحملات المراقبة الصحية، يتذمر كثرٌ من حال المطاعم بمختلف أصنافها حتى السياحية، حيث الوجبات باهظة الثمن.
ويواجه قطاع المطاعم في تونس، بحسب رئيس الغرفة الوطنية لأصحاب المطاعم إسلام شعبان، تحديات مزدوجة، من بينها ما هو هيكلي في علاقة بمؤسسات التكوين السياحي، ومن بينها ما يتعلق بالممارسات المشبوهة لبعض المتدخلين في القطاع والمستفيدين من شبكات النفوذ، إذ لا يخضعون للرقابة، أو المحاسبة إن أخطأوا.
ويقول لـ"اندبندنت عربية" إن "هذا القطاع يعاني نقصاً فادحاً في هيكله، مما أدى إلى فقدان العمال المحترفين الحاصلين على مؤهل علمي، وحالياً يدعي كثرٌ إنهم ’رئيس طهاة‘ وهم ليسوا كذلك، نما أثر سلباً في جودة الخدمات المقدمة".
ويضيف أن الغرفة تعمل مع بقية الأطراف على مشروع "البطاقة المهنية" لمزيد من تنظيم القطاع، داعياً إلى منح صفة "رئيس طهاة " بناء على تدرّج مهني واضح.
مطاعم تونسية تتغاضى عن قواعد سلامة الغذاء طمعاً في كسب مزيد من المال (رويترز)
وعن قواعد النظافة داخل المطاعم، يلمّح إلى بعض الممارسات المشبوهة كالمحسوبية، إذ يجري التضييق وتطبيق القانون بصرامة على مطاعم دون أخرى، لافتاً إلى أن كثيراً من المطاعم غير مزود بتقنيات تصفية الدهون أو توافر الماء الساخن وغيرها من الأمور الأساسية.
ويشير إلى إمكان نقل البكتريا من مطعم إلى آخر، في حال لم يخضع العاملون للتعقيم واتباع قواعد النظافة الصارمة، مضيفاً أن غلاء المعيشة أسهم في تدهور القطاع وإغلاق عدد كبير من المحال، إضافة إلى ارتفاع أسعار الخضراوات واللحوم والدواجن والأسماك، ومطالبة العمال بزيادات متتالية في الرواتب لعدم قدرتهم على مجابهة مصاريف الحياة بسبب غلاء المعيشة.
يُذكر أن القانون التونسي لم يغفل أياً من التفاصيل المتعلقة بالنظافة في المطاعم، إلا أن واقع هذا القطاع يعكس كثيراً من نقاط الخلل، مما تكشف عنه الأرقام الرسمية، فالهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية أنجزت نحو 70 ألف زيارة مراقبة ونحو 4 آلاف تحليل للوقوف على مدى مطابقة الأطعمة للمواصفات خلال عام 2025.
وبلغت عمليات الحجز الميداني 451 عملية، وجرى حجز وإتلاف أكثر من 2400 طن من المواد الغذائية الخطرة وغير الآمنة، وغالبيتها داخل مطاعم ذائعة الصيت.
يواجه قطاع المطاعم في تونس تحديات مزدوجة بينها ما هو هيكلي في علاقته بمؤسسات التكوين السياحي وأيضاً ما يتعلق بالممارسات المشبوهة لبعض المتدخلين والمستفيدين من شبكات النفوذ
ويؤكد المدير العام للهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية محمد الرابحي في تصريح إلى "اندبندنت عربية" أنه جرى "توجيه 508 تنبيهات كتابية محددة بآجال، وإصدار قرارات غلق فوري لـ 198 مطعماً، مضيفاً أن تونس شهدت ثورة تشريعية في مجال سلامة الأغذية، إذ كان التركيز في السابق على المنتج النهائي، بينما حالياً تُقيّم جودة المنتج من خلال مراقبة مساره كاملاً.
ومنح القانون الجديد المحدث للهيئة الصفة الحصرية للهيئة في كل ما يتعلق بالسلامة الصحية للأغذية. وتمتلك الهيئة شبكة مختبرات متخصصة في طور الإنجاز لمزيد من أحكام المراقبة الصحية لمختلف المنتجات الغذائية.
ويعتبر الرابحي أن "العقوبات المسلطة على المطاعم رادعة، إذ إن تحرير محضر أو إحالة ملفات إلى القضاء، وحجز وإتلاف مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك، تكبّد المخالفين خسائر فادحة قد تصل إلى مئات الملايين"، مشيراً إلى أن "الهيئة ليست سيفاً مسلطاً، بل الهدف المشترك بين الهيئة ومقدمي الخدمات وباقي الأطراف، ألّا يشكل المنتج الغذائي أي خطر على صحة المستهلك".
وعن التسممات الغذائية، يقول إن الهيئة تحرص على رصد ومتابعة كل الحالات. ويخضع التسمم الغذائي الجماعي لنظام التبليغ الإجباري، إذ تقوم المؤسسات الصحية العامة والخاصة بإبلاغ الهيئة لتتابع الحادثة.
يشار إلى أن الهيئة سجلت العام الماضي نحو 56 بؤرة تسمم غذائي جماعي، شملت 820 حالة، وإتلاف آلاف الأطنان من الأغذية الفاسدة.
سلامة الغذاء في المطاعم والمؤسسات الغذائية ليست ترفاً أو مبالغة في الحرص. هي مسألة حياة أو موت، صحة أو تسمم. مقايضتها بهامش ربح أوفر، أو تحجج بغلاء المعيشة، أو تعلق بكرم السماء لينجو الزبائن من بكتيريا هنا أو فيروس هناك.
واقع الدول العربية في قطاع المطاعم شديد الشبه، لا في مذاق الشاورما، أو مكونات الكفتة، أو نوعية الصلصات والسلطات، لكن أيضاً في حيل المتلاعبين، وتهاون بعضهم من القائمين على أمر المطاعم، واعتبار النظافة أو التدقيق أو الرقابة مبالغة لا طائل منها. لكن أغرب ما في ملف سلامة الغذاء، أو بالأحرى افتقاده السلامة، ما يجري أحياناً ويتم الكشف عنه، من تسريب المواد الغذائية التي تُصادر لفسادها استعداداً لإعدامها، فيتواطأ أشخاص من هنا، مع ضعاف نفوس من هناك، وتُسرب وتباع في الأسواق، وكأن شيئاً من التشريع والرقابة والمتابعة والتدقيق لم يكُن.
وتظل سلامة الغذاء في المنطقة العربية مرهونة بتحسين منظومة الرقابة وتوحيد الجهات المعنية، مع ضرورة توعية المستهلك بحقوقه. فالتسمم الغذائي ليس مجرد مشكلة صحية، بل قضية اقتصادية واجتماعية تتطلب تضافر الجهود. كما أن استمرار الفساد والممارسات غير الأخلاقية يهدد صحة المواطنين ويزيد من معاناتهم.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.