يمتد الزمن اللازم لتطوير دواء واحد، وفق الأساليب التقليدية، من 10 إلى 15 عامًا، بتكاليف تبلغ مليارات الدولارات، في حين لا تتجاوز نسبة نجاح المرشحات الدوائية في بلوغ الموافقة النهائية 10% من مجموع ما يدخل مرحلة التجارب.

في ظل هذه التحديات، بدأ الذكاء الاصطناعي يفرض نفسه كأداة تحولية في صناعة الدواء واللقاحات.

وقد أخذت هذه المعادلة البطيئة والمكلفة في التغير الجذري مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجال اكتشاف الأدوية وتطوير اللقاحات، حيث أصبحت النماذج الحاسوبية قادرة على تقليص مراحل كانت تحتاج سنين إلى بضعة أسابيع أو أيام.

كيف يسرّع الذكاء الاصطناعي اكتشاف الأدوية؟

يُعد نظام "ألفافولد" التابع لمختبرات ديب مايند من أبرز الاختراقات في هذا المجال، إذ تمكّن من توقّع البنية ثلاثية الأبعاد لأكثر من 200 مليون بروتين، أي ما يقارب كل البروتينات المعروفة للعلم تقريبًا. ولأن فهم شكل البروتين المستهدف خطوة أساسية لتصميم دواء يرتبط به بدقة، فإن هذا الإنجاز اختصر مرحلة كانت تتطلب سابقًا شهورًا من التجارب المخبرية المعقدة كالتصوير البلوري بالأشعة السينية.

وقد استثمرت الشركة المنبثقة عن هذه التقنية، "إيزومورفيك لابز" (التابعة لشركة ألفابت المالكة لجوجل)، هذا التقدّم لتطوير أول دواء مصمَّم بالكامل عبر التنبؤ ببنية البروتين ويدخل مرحلة التجارب البشرية، وهو ما وصفته تغطيات متخصصة بأنه نقلة نوعية من التنبؤ النظري إلى التطبيق العلاجي الفعلي.

أول دواء "ذكاء اصطناعي" بالكامل

وتُعتبر شركة "إنسيليكو ميديسن" نموذجًا بارزًا في توظيف الذكاء الاصطناعي بطول سلسلة الاكتشاف، بدءًا من تحديد الهدف العلاجي وصولًا إلى تصميم الجزيء الدوائي. إذ أنتجت الشركة عقارها INS018-055 المخصص لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب، فانتقل من مرحلة اكتشاف الهدف إلى بدء التجارب السريرية في أقل من 30 شهرًا، وهي سرعة غير مسبوقة مقارنة بالمتوسط الصناعي.

ويُعد هذا العقار، بحسب تصريحات الشركة، أول "دواء ذكاء اصطناعي حقيقي" يجمع بين هدف علاجي واكتشاف جزيئي تم تحديدهما بالكامل عبر نماذج توليدية، وهو حاليًا في مرحلة التجارب السريرية الثانية.

وتتوسع دائرة الشركات الرائدة في هذا المجال لتشمل "شرودنجر" التي تخدم برمجياتها القائمة على المحاكاة الفيزيائية 18 من أكبر 20 شركة أدوية عالميًا، و"ريكرجن للأدوية" التي أبرمت شراكة مع شركة روش السويسرية بقيمة 150 مليون دولار مقدمًا وما يصل إلى 12 مليار دولار كمكافآت إنجاز مستقبلية، في مؤشر على حجم الثقة الاستثمارية المتنامية في هذا القطاع.

لقاحات كورونا.. نموذج السرعة القياسية

قدّمت جائحة كورونا أوضح دليل عملي على قدرة الذكاء الاصطناعي على تسريع تطوير اللقاحات. فبحسب شركة أمازون لخدمات الحوسبة السحابية، تمكّنت شركة موديرنا من إنجاز التسلسل الجيني الكامل للقاح كوفيد-19 خلال يومين فقط باستخدام التعلّم الآلي، وتلا ذلك جهوزية أول دفعة سريرية خلال 25 يومًا فقط من التسلسل، وهو زمن قياسي غير مسبوق في تاريخ صناعة اللقاحات.

ومن جانبها، ركّزت شركة بايونتك، الشريكة مع فايزر، على الجانب الأول من العملية، أي تصميم مولد المستضد والتنبؤ بالاستجابة المناعية عبر أساليب حاسوبية، مستفيدة من خبرة سابقة في مجال لقاحات السرطان الشخصية القائمة على المستضدات الجديدة.

وقد عززت بايونتك قدراتها لاحقًا عبر الاستحواذ على شركة "إنستاديب" المتخصصة في الذكاء الاصطناعي بقيمة 440 مليون دولار، لدمج تقنياتها ضمن منصة تطوير لقاحات الرنا المرسال (mRNA).

وتقدّر مصادر متخصصة أن لقاحي موديرنا وبايونتك/فايزر ساهما مجتمعين في إنقاذ ما يتراوح بين 15 و20 مليون شخص حول العالم، وهو ما يوضح أن أثر التسريع المعتمد على الذكاء الاصطناعي لم يبقَ حبيس المختبرات، بل انعكس مباشرة على صعيد الصحة العامة العالمية.

تصميم مولّدات المستضدات بالذكاء الاصطناعي التوليدي

تتجاوز تطبيقات الذكاء الاصطناعي في اللقاحات مرحلة الاستجابة للأوبئة الطارئة، إذ تستخدم نماذج لغوية متخصصة في تسلسلات البروتين لاستكشاف تصاميم مستضدات جديدة تتجاوز ما هو موجود في الطبيعة أصلًا، ما يفتح الباب أمام لقاحات أكثر دقة وتغطية مناعية أوسع.

وتجمع منصات متخصصة بين هذه النماذج وعلم المناعة الحاسوبي لتصميم لقاحات متعددة الحلقات المستضدية بكفاءة مناعية أعلى، وتشمل هذه الجهود أيضًا لقاحات السرطان القائمة على المستضدات الورمية الجديدة، والتي أظهرت شركة موديرنا نتائج سريرية واعدة لها في مراحل متقدمة من علاج سرطان الجلد.

التحديات والحدود العلمية

رغم هذه الإنجازات، يحذر مختصون في القطاع من المبالغة في تقدير أثر الذكاء الاصطناعي على المعادلة الاقتصادية والزمنية الكاملة لتطوير الأدوية؛ فالتقنية حتى الآن تختصر بشكل واضح مراحل الاكتشاف المبكر، لكنها لم تثبت بعد قدرتها على تقصير مراحل التجارب السريرية المتقدمة (المرحلتين الثانية والثالثة)، والتي تبقى محكومة بذات القواعد البيولوجية المتعلقة بالسلامة والفعالية على البشر.

كما تشير مراجعات علمية إلى أن بعض الجزيئات المكتشفة عبر الذكاء الاصطناعي تسجل معدلات نجاح مشابهة لتلك المكتشفة بالطرق التقليدية، ما يعني أن الفائدة الأوضح حتى الآن تكمن في السرعة والتكلفة أكثر من كونها في معدل النجاح النهائي.

وعلى الصعيد التنظيمي، تعمل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على وضع اللمسات الأخيرة على إرشادات رسمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الأدوية خلال عام 2026، تُلزم الشركات بتقديم خطط تقييم موثوقية مفصلة للنماذج عالية الخطورة، في حين يدخل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيز التنفيذ في أغسطس 2026 بأحكام قد تصنف بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تطوير الأدوية ضمن الفئات عالية الخطورة التي تستوجب رقابة إضافية.

ويمثل الذكاء الاصطناعي اليوم أداة تحويلية حقيقية في المراحل المبكرة من اكتشاف الأدوية وتصميم اللقاحات، بدءًا من التنبؤ ببنية البروتينات وصولًا إلى تصميم المستضدات وتسريع التسلسل الجيني للقاحات الرنا المرسال.

ولكن النجاح الكامل لهذه الثورة التقنية سيبقى مرهونًا بنتائج التجارب السريرية المتقدمة في السنوات القادمة، والتي ستحدد ما إذا كانت الأدوية المصممة بالذكاء الاصطناعي تمنح فعلًا فائدة علاجية أكبر، أم أن أثرها الأبرز سيبقى محصورًا في اختصار الزمن والتكلفة، وهو إنجاز مهم في حد ذاته لكنه لا يغني عن التحقق العلمي الصارم الذي تقوم عليه صناعة الدواء.

وتشير التطورات المتسارعة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل خريطة صناعة الأدوية عالميًا، مما قد يؤدي إلى خفض التكاليف وزيادة سرعة الوصول إلى العلاجات. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في ترجمة هذه النتائج إلى أدوية معتمدة سريريًا بشكل واسع، وضمان سلامتها وفعاليتها. كما أن التعاون بين شركات التكنولوجيا العملاقة وشركات الأدوية يعزز من فرص تحقيق اختراقات علاجية جديدة.