منتدى

كيف تتحول «الذاكرة» من أرشيف للعمر إلى زنزانة انفرادية؟

مطر الزهراني

تاريخ النشر: 09 يوليو 2026 00:19 KSA

AA

خلف قناع الهدوء، الذي يحاول الإنسانُ تصديره للعالم، تدورُ في عتمة وعيه حربٌ صامتةٌ، ومعركةٌ طاحنةٌ لا مهادنة فيها، ليس لأنَّ العدو يتربَّص به في الخارج، بل لأنَّه يسكن أعمق تجاويف دماغه. إنَّه -بكل بساطة- «ذاكرته». تلك الآلة الزمنيَّة التي ظنَّها البشرُ يومًا مجرَّد ألبوم لتوثيق اللَّحظات الجميلة، تحوَّلت لدى الملايين إلى زنزانةٍ انفراديَّةٍ، يُجلدُونَ فيها كلَّ ليلة بسياطِ النَّدم والخَيبات والحَنين القاتل؛ ممَّا يطرحُ سؤالًا صحفيًّا ونفسيًّا مُلحًّا: كيف يتحوَّل أرشيفُ العمر إلى المقصلةِ الأُولى لأرواحِنَا؟

تكمنُ الإجابةُ في «هندسة ألم» تديرها الذاكرةُ بآليَّة مُجحفة، تمارس نوعًا من الانتقائيَّة الحادَّة، فبينما تخبُو آلاف الأيَّام السعيدة، وتتلاشى تفاصيلُها، تظلُّ عثرة واحدة، أو تجربة قاسية ناصعة وحادَّة، وكأنَّها حدثت قبل ثوانٍ. العقلُ لا يكتفي بأرشفة الهزائم، بل يشحنها بمتفجرات عاطفيَّة يفجِّرها بدقَّة في لحظات الضَّعف؛ ليتحوَّل الماضي إلى شبحٍ يمسكُ بتلابيب الإنسان كلَّما حاول الرَّكض نحو الغد، مقيدًا حركته بأغلال ملفَّاتٍ قُضي الأمرُ فيها وطواها الزَّمنُ. ولا تقفُ حِيل الذاكرة هنا، بل تمتد إلى الخدعةِ النفسيََّة الأكبر التي يصفها علماءُ السلوك بـ»النوستالجيا المفلترة»، فحين تضيقُ بالإنسان تعقيداته الحاضرة، تبدأ الذاكرةُ بتزييفٍ معرفيٍّ محترفٍ، تحذفُ الفترات المظلمة، وتمسح الدموع؛ لتعيد تغليف الماضي بألوانٍ زاهيةٍ تجعل الأيام الرَّاحلة تبدُو كأنَّها جنَّة مفقودة. هذا التزييفُ يورِّث المرء سخطًا مزمنًا على واقعه، ويقحمه في مقارنةٍ ظالمةٍ بين حاضرٍ يواجه بعيوبه، وماضٍ وهميٍّ لا وجود له؛ ليصبح الاشتياقُ هنا ليس للأشخاص الحقيقيِّين، بل للنسخة «المُعدَّلة» التي صنعتها مخيلته. هذا التشوُّه يمتدُّ ليضربَ العمق الجوهريَّ للهويَّة الإنسانيَّة، إذ لا تكمنُ خطورةُ الذكريات المسمومة في وجعها العابر، بل في قدرتها على إعادة صياغة الحاضر بروحٍ خائفةٍ، فبفعل الصَّدمات القديمة، يرتدي الإنسانُ نظاراتٍ سوداءَ، ويرى في كلِّ موقفٍ يمرُّ به مواقف تحتاج إلى فحص وتوجُّس؛ ليتحوَّل هاجس تجنُّب الأخطاء السَّابقة إلى درعٍ فولاذيٍّ مفرط، يحظر عليه دخول أيِّ تجربة غير مضمونةٍ، ويغلق منافذ الثِّقة تمامًا أمام الدوائر البشريَّة من حوله. وببطءٍ، ينتهي به المطافُ بالتحوُّل من إنسان يبحث عن الحياة، إلى مجرَّد حارس أمن متوجِّس يقفُ على أطلال ماضٍ ميِّتٍ؛ ليحمي نفسه من هجماته، فيستنزف الأمسُ قدرةَ الغدِ على الشروقِ.

وأمام هذا الجحيم الذهنيِّ، يؤكِّد خبراءُ علم النفس أنَّ التحرُّر لا يأتي بالنسيان، بل بسحب السُّلطة من الذاكرة عبر الوعي بأنَّ الماضي مجرَّد «بيانات» انتهت صلاحيتها، وليس حكمًا مؤبَّدًا بالسجن. وطوق النَّجاة يبدأ عندما يملكُ الإنسانُ الشجاعةَ لنقل ملفَّاته القديمة من محكمةِ التعذيبِ النفسيِّ، إلى مختبر الدروس والعِبر القائم على الفهمِ والتصالحِ، فحين يغفرُ المرءُ لنفسه القديمة، ويعذرُ قلَّة خبرتها، يجرِّد الذاكرة من مخالبها، ويسترد مفتاح حياته؛ ليعيش في البقعة الوحيدة التي يمتلكُ فيها حقَّ السيادة: «هنا والآن».

منتدى