غزة - رمزي محمود (الأناضول)

في قطاع غزة، يعيش الرضيع عصام وأسرته مأساة إنسانية معقدة تجمع بين المرض والحصار.

ميساء راضي، والدة الرضيع عصام، للأناضول:

- بات طفلي لا يحرك ساكنا ولا حتى عينيه ولا يصدر صوتا أو يبكي مثل بقية الأطفال في عمره

- بسبب بقائه ممددا طوال الوقت ظهرت تقرحات في أجزاء مختلفة من جسده، ولم يعد يحتمل مزيدا من الألم.

- أكد الأطباء أن نقص الأدوات الطبية بغزة قد يعرض حياة ابني للخطر إذا حدثت أي مضاعفات أثناء العملية أو بعدها

- طفلي بحاجة ماسة إلى السفر حتى يخضع للعملية في ظروف طبية أفضل لكننا ما زلنا ننتظر دون أي أفق

- نعيش بين نارين فتأخير العملية يعني استمرار تدهور حالته بينما إجراؤها في الظروف الحالية قد يشكل خطرا على حياته

- كل يوم يمر أفكر أنني قد أفقد ابني ولا أملك سوى الدعاء وانتظار أن تتاح له فرصة للعلاج

الرضيع عصام فادي النبيه، البالغ 16 شهرا، يرقد بجسمه النحيل على فراش صغير، غير قادر على تحريك أطرافه أو عينيه، بينما يراقب والداه أنفاسه بصمت خوفا من نوبة جديدة تدهور حالته.

منذ ولادته، لم يعش عصام حياة طفولة طبيعية، إذ يكافح يوميا للبقاء بسبب إصابته بالاستسقاء الدماغي الناجم عن تراكم السوائل في الدماغ.

واستدعت حالته إجراء عملية جراحية مبكرة لزراعة تحويلة لتصريف السوائل الزائدة إلى تجويف البطن، قبل أن يتم شهره الأول.

لكن ما كان يفترض أن يكون بداية رحلة علاج تحول إلى معاناة متواصلة، في ظل انهيار المنظومة الصحية بقطاع غزة جراء حرب الإبادة الإسرائيلية والحصار، والنقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.

وتتفاقم معاناة الطفل وعائلته مع تعذر سفره للعلاج خارج القطاع، بسبب بطء إجراءات إجلاء المرضى والجرحى عبر معبر رفح الحدودي مع مصر.

وتشير بيانات أممية إلى أن أكثر من 18 ألف مريض في غزة يحتاجون بصورة عاجلة إلى الإجلاء الطبي لتلقي علاجات غير متوفرة داخل القطاع، فيما تظل عمليات السفر محدودة ولا تتناسب مع حجم الاحتياجات.

ويواجه القطاع الصحي في غزة أزمة غير مسبوقة، بعدما أدى تدمير مرافق صحية ونقص الوقود والأدوية والمستهلكات الطبية إلى تقليص قدرة المستشفيات على إجراء العمليات الجراحية وتوفير الرعاية التخصصية.

جسد أنهكته العمليات

تقول والدة الطفل ميساء راضي (30 عاما) إن عصام ولد بصحة جيدة، قبل أن يكتشف الأطباء بعد أيام قليلة إصابته بالاستسقاء الدماغي.

وتضيف للأناضول: "عندما بلغ عمره 20 يوما فقط، أجريت له عملية جراحية لزراعة تحويلة لتصريف السوائل الزائدة من الدماغ، تمتد من رأسه إلى تجويف البطن".

وتتابع أن عصام خضع بعد ذلك لعدة عمليات جراحية، ما "أنهك جسده الصغير وأفقده القدرة على مقاومة ما يمر به".

وتشير إلى أن تدهور الخدمات الصحية ونقص الإمكانات الطبية في غزة فاقما وضعه بصورة كبيرة، حتى أصبح غير قادر على الحركة أو التفاعل مع محيطه.

وتقول: "بات طفلي لا يحرك ساكنا، ولا حتى عينيه، ولا يصدر صوتا أو يبكي مثل بقية الأطفال في عمره".

سوء تغذية وتقرحات

لم تقتصر معاناة عصام على المرض العصبي، إذ أصيب بسوء تغذية حاد بعدما فقد القدرة على الرضاعة الطبيعية أو تناول الطعام بصورة طبيعية.

وتوضح والدته أنها تضطر إلى إطعامه الحليب الصناعي باستخدام حقنة صغيرة، في محاولة لإبقائه على قيد الحياة، بينما لا يتجاوز وزنه حاليا 5 كيلوغرامات، وهو أقل بكثير من الوزن الطبيعي لطفل في عمره.

وتضيف: "بسبب بقائه ممددا طوال الوقت، ظهرت تقرحات في أجزاء مختلفة من جسده، ولم يعد يحتمل مزيدا من الألم".

وبينما تتحدث، تمرر يدها برفق على رأس طفلها، حيث تبدو آثار العمليات الجراحية التي خضع لها خلال أشهر حياته القصيرة.

عملية عاجلة وإمكانات غائبة

وبحسب والدته، أبلغ الأطباء الأسرة بأن عصام يحتاج بصورة عاجلة إلى عملية لتصريف السوائل المتراكمة في دماغه، غير أن إجراءها داخل القطاع ينطوي على مخاطر كبيرة بسبب نقص المستلزمات والإمكانات الطبية الأساسية.

وتقول: "أكد الأطباء أن نقص الأدوات الطبية قد يعرض حياة ابني للخطر إذا حدثت أي مضاعفات أثناء العملية أو بعدها".

وتضيف أن الأسرة حصلت قبل نحو عام على تحويلة علاجية للسفر خارج قطاع غزة، إلا أن بطء إجلاء المرضى والقيود المفروضة على السفر عبر معبر رفح حالا دون مغادرته.

وتتابع: "طفلي بحاجة ماسة إلى السفر حتى يخضع للعملية في ظروف طبية أفضل، لكننا ما زلنا ننتظر دون أي أفق".

بين خيارين كلاهما مؤلم

تصف ميساء ما تعيشه الأسرة بأنه انتظار يومي بين احتمالين قاسيين، قائلة: "نعيش بين نارين؛ فتأخير العملية يعني استمرار تدهور حالته، بينما إجراؤها في الظروف الحالية قد يشكل خطرا على حياته".

وتتابع، وهي تنظر إلى طفلها بحسرة: "كل يوم يمر أفكر أنني قد أفقد ابني، ولا أملك سوى الدعاء وانتظار أن تتاح له فرصة للعلاج".

وتناشد الجهات المختصة والمؤسسات الدولية التدخل العاجل لتسهيل إجلاء عصام خارج قطاع غزة، حتى يتمكن من تلقي العلاج الذي يحتاجه.

وتختتم مناشدتها بعبارة تختصر شهورا طويلة من الانتظار والخوف: "سأخسر طفلي عصام إذا لم يتم إنقاذه بشكل عاجل".

وأعيد فتح معبر رفح جزئيا في 2 فبراير/ شباط 2026، ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار برعاية أمريكية، بعد إغلاق استمر نحو 20 شهرا منذ سيطرة الجيش الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني منه في مايو/ أيار 2024.

لكن إسرائيل أغلقت المعبر مجددا أواخر فبراير الماضي، على خلفية اندلاع الحرب مع إيران، قبل أن تستأنف عمليات تشغيل محدودة خلال مارس/ آذار وأبريل/ نيسان الماضيين.

ومنذ 21 مايو/ أيار 2026، يعمل المعبر بصورة محدودة جدا لعبور المشاة فقط، مع خروج عشرات المرضى والجرحى والحالات الإنسانية بصورة متقطعة، وسط رقابة وقيود إسرائيلية مشددة، فيما لا تزال آلاف الحالات داخل قطاع غزة تنتظر السماح لها بالسفر لتلقي العلاج.

تعكس معاناة الرضيع عصام واقع النظام الصحي المنهار في غزة جراء الحصار الإسرائيلي المستمر منذ 17 عاما. ويواجه أهالي غزة صعوبات هائلة في الحصول على العلاج المتخصص، خاصة للأطفال الذين يحتاجون إلى عمليات دقيقة. وتظل آلاف الحالات الطبية العاجلة عالقة في انتظار التنسيق للسفر أو توفر الإمكانيات المحلية.