عبده خال

أنت طبيب نفسك..

نُشر هذا المقال في 20 يوليو 2026 عند الساعة 00:03، وآخر تحديث في نفس التاريخ والتوقيت.

يتناول الكاتب في مقالته رحلته الفكرية الطويلة نحو فهم الذات وتقبل تغير القناعات، مركزاً على أهمية الشك والبحث الدائم كمنهج للوصول إلى اليقين.

تابع قناة عكاظ على الواتساب

الكائن البشري يعيش في حالة تحول دائم، وقد توصلتُ إلى قناعاتي المتأخرة بعد عمر طويل من القراءة والبحث والمقارنة حول الإشكالات الثقافية والدينية التي واجهتني في مختلف مراحل عمري، وأنا على يقين أن كل معرفة جديدة أكتسبها ستغير من رؤيتي المعرفية.

وقد تعلمتُ مبكراً أن العلوم الإنسانية قابلة للرفض أو الاقتناع، ومهما كانت العلوم الإنسانية مختلفة التوجهات يمكن لك الارتهان لما وصلت إليه من قناعة تخصك، ومع القراءات العديدة تحصّنت بقاعدة الشك، هذا المحرك الذي يجعلك في حركة دائبة للبحث، والتقصي، ولم أعد أرتهن لمعطيات أي معرفة ما لم ألجأ لقراءة الفكرة ونقيضها، وأستل لنفسي قناعة خاصة ربما أرتهن إليها لفترة، وإذا ظهرت معارف جديدة تنقض ما اطمأنت إليه النفس سرعان ما أقتفي (الديالكتيك) في البحث عمّا يناقض الفكرة المستحدثة و(الديالكتيك) ليس بشرطية الفيلسوف هيجل، وإنما بما يوصلني إلى قناعة تمكّنني من الاستقرار النفسي -حتى لو كانت لفترة وجيزة- وإن اعتراني الاهتزاز بالفكرة المتأخرة، فليس لدي مانع من البدء في البحث من جديد.

إذا سلمنا بأن الاقتناع حالة فردية، فإن الإيمان كذلك حالة خاصة، مما يعني أنه لا يحق لأحد زعزعة قناعات الآخرين، بل يحق له فقط توضيح فكرته، وذلك لتأسيس جدوى الكتابة ونشر الوعي ونقض الأفكار، وهي الرسالة التي يتحملها المثقف دون إجبار أحد على الاقتناع بما يكتب.

طرأ في بالي هذا الأمر، وأنا أشاهد برنامجاً دينياً لأحد الشباب الذي أخذ في إعادة الأقوال، والأحداث التاريخية التي تم نقضها بالأدلة الدامغة.

وكنت وما زلت أطالب بتنقية الموروث الكتابي من الشوائب التي التحمت به على أن ما حدث هو الحقيقة المطلقة.

أصررت -بيني وبين نفسي- أن هذا الطلب غير ممكن حدوثه لأسباب عدة، قد يكون أهمها أن الناس ليسوا نسخة واحدة، ومع ذلك ثمة حقيقة اجتماعية تؤكد أننا نجتر ثقافة ماضوية بصحيحها وأخطائها من غير تمحيص أو تدقيق أو معرفة (قطعية الدلالة أو ظنية الدلالة)، والمطالبة بهذه المعرفة؛ كي لا يجتر هذا الجيل ما قمنا باجتراره عبر سنوات طويلة.

هنا، تذكرت المثل الشعبي الشهير (كل يعيش بعقله)؛ ولأني أؤمن بأن الإيمان حالة خاصة، وبجوار هذا الإيمان التأكيد بأن نتاج البحث العميق، يوصل المرء إلى إيمانه الخاص، أما قضية (إيمان العواجيز) كما كان يقال فقد بليت هذه المقولة.

الجدة، كل الجدة سلوك طريق البحث، وهو مطلب لمن يعتريه أي شك، فالعجز كان ملائماً لزمنية (إيمان العواجيز)، لكن الآن ليس لمثل هذا القول مكان من الإعراب، فالزمن تحوّل إلى ناصح أمين يؤكد أن البحث هو منجاة لأي شك يعتري أي إنسان، والباحث تجده في حالة تنقلات إيمانية وفقاً للمكابدة البحثية الدائمة التي يعيش بها.

أرى أنك في أمان نفسي كلما جد بحثك عما يقلقك كمعرفة فكرية سواء ارتبطت بالتاريخ أو الأفكار المتشابكة، وأخيراً، وكما يقال للعليل (أنت طبيب نفسك).

تدعو الفكرة الرئيسية للمقال إلى ضرورة تمحيص الموروثات الفكرية وعدم التسليم المطلق بالمسلمات، وهو توجه يكتسب أهمية متزايدة في زمن تدفق المعلومات وتعدد المصادر. كما يبرز النص أهمية احترام تنوع القناعات الدينية والثقافية في المجتمع، مما يعكس رؤية نقدية تسعى إلى التحرر من الجمود الفكري.