عبداللطيف آل الشيخ

ما بعد الصحوة.. من يُعرِّف الليبرالي العربي الآن؟

12 يوليو 2026 - 00:02 | آخر تحديث 12 يوليو 2026 - 00:02

تابع قناة عكاظ على الواتساب

مقدمة: مفارقة الانتصار الحزين:

منذ عقود.. خاض التيار الليبرالي العربي معاركه الكبرى تحت لافتة واحدة رئيسية: مواجهة تيار الصحوة وتمدد الإسلام السياسي، من الإخوان إلى السرورية وغيرهم، وكان الظن السائد أن انحسار هذا الخصم وتفكك بنيته التنظيمية والخطابية سيفتح الباب تلقائياً لتدشين «العصر الذهبي» لليبرالية العربية، غير أن الواقع الراهن صدم الجميع بمفارقة حادة: فالأزمة الراهنة لم تولد من صعود الخصوم، بل من غيابهم، فبدل أن يخرج التيار الليبرالي من هذه المعركة أكثر قوة وتماسكاً، تبدّد في فضاء التشتّت، وبدا كمن فقد بوصلته وحضوره الفاعل في اللحظة التي تلاشت فيها جبهة الخصم، مما يضعنا أمام السؤال الجوهري الذي يفرضه المشهد اليوم: من يُعرِّف الليبرالي العربي الآن؟

المحور الأول: التأصيل التاريخي..الحضور كرد فعل:

لم تتشكّل الليبرالية العربية المعاصرة في معظم تجلياتها كحركة فلسفية نابعة من تراكم معرفي مستقل، بل ولدت وتغذت بوصفها «كتلة دفاعية» أو رد فعل مباشر على الهيمنة الأيديولوجية لتيار الإسلام السياسي، لقد استمد الخطاب الليبرالي شرعيته وحيويته من التناقض مع الآخر، فكان يكتسب ملامحه من خلال نفي أطروحات الصحوة والرد على أدبياتها وتفكيك فتاواها، هذا الارتباط الشرطي جعل الوجود الليبرالي وجوداً «تفاعلياً» بالدرجة الأولى، يتحرك بحركة الخصم ويسكن بسكونه، عوضاً عن أن يكون مشروعاً يمتلك جدول أعمال ذاتي البناء، والقدرة على توجيه الرأي العام بأدواته الخاصة.

المحور الثاني: السؤال والجواب.. تفكيك أبعاد المأزق:

س: هل كانت الليبرالية العربية مشروعاً فكرياً متكاملاً، أم خطاب معارضة بالدرجة الأولى؟

فكرياً: يرى جانب واسع من النقاد الثقافيين أن هذا التيار ظل أقرب إلى «ليبرالية صحفية»، مجرد آراء وانطباعات تُنشر على صفحات الجرائد والمواقع وتفتقر إلى عمق المرجعيات الفلسفية والسياسية الكبرى كحقوق المواطنة ومأسسة الفكر الفردي، في المقابل.. يمكن الدفع بأن غياب المؤسسات الحاضنة لا ينفي المضمون جملة وتفصيلاً، إذ توجد كتابات وتضحيات جادة ناقشت دولة القانون وحقوق المرأة، لكن مأزقها الحقيقي تمثّل في كونها ظلت جهوداً مبعثرة وفردية، عجزت عن التحوّل إلى تيار منظم يضاهي تنظيم أدوات الصحوة.

س: كيف انعكس غياب الخصم التقليدي على الأداء الإعلامي لليبراليين؟

إعلامياً: تشكّل الحضور الليبرالي عبر ثقافة «الاشتباك» والمناظرات الساخنة، وعندما خفت صوت الطرف الصحوي، وجد العديد من الرموز المحسوبة على الليبرالية أنفسهم بلا قضايا واضحة، وبلا «موضوع» للاشتغال عليه، فانكشف أن رصيدهم الجماهيري كان مبنياً على كراهية الجمهور للتشدّد الصحوي لا على الإيمان بطروحاتهم، في المقابل.. يُجادل البعض بأن هذه طبيعة المنصات الإعلامية الحديثة التي تقتات على الاستقطاب الثنائي، وبالتالي فإن العيب يعود لطبيعة الوسيط الإعلامي، وليس لجوهر المحتوى الفكري وحده.

س: ما طبيعة التحالف الاجتماعي الذي التفّ حول الشعارات الليبرالية؟

اجتماعياً: إن قطاعاً واسعاً من الجمهور الذي دعم الخطاب الليبرالي إبان سطوة الصحوة لم يكن مقتنعاً بالفلسفة الليبرالية كرؤية شاملة للحياة.. بل كان تحالفاً مرحلياً للتخلص من القيود الاجتماعية المفروضة وتوقاً للانفتاح، في المقابل يُنظر إلى هذا التحوّل من زاوية إيجابية باعتبار أن تحقق تلك المطالب على أرض الواقع يمثل نجاحاً عملياً للأفكار الليبرالية، وإن غاب المصطلح، فالغاية هي جودة الحياة والحرية الاجتماعية لا التمترس خلف المسميات.

المحور الثالث: الدولة كفاعل بديل يقود التغيير:

تجلّت المفارقة الكبرى في المشهد العربي، و«السعودي تحديداً» حين تولت «الدولة» مباشرة وبقرارات سيادية مركزية تنفيذ حزمة واسعة من الإصلاحات الاجتماعية والحقوقية، مثل تمكين المرأة والانفتاح الثقافي وتقليص نفوذ التشدّد، لقد أُنجزت هذه المطالب دون حاجة لوساطة فكرية من النخبة الليبرالية، ودون انتظار لتراكم مشروعهم الثقافي، هذا التحوّل وضع الليبرالي التقليدي في مأزق «الوظيفة المفقودة»، إذ تبنت المؤسسة الرسمية أدوار التحديث الإيجابي الفعلي، مما جعل النخبة الفكرية تظهر كمتفرج أو ملتحق بالركب، بدلاً من كونها فاعلة وصاحبة التأثير الأكبر في توجيه الرأي العام.

ومع ذلك.. قد يرى آخرون أن هذه الإصلاحات لم تكن لتنجح بالفاعلية نفسها لولا التراكم الفكري الذي سبقها، وأن الأفكار كثيراً ما تمهّد للطريق قبل أن تتحوّل إلى سياسات، غير أن الفارق الجوهري هنا أن القرار السيادي هو الذي نقل الفكرة من هامش المقال إلى أرض الأفعال، وأثبت أن التغيير الاجتماعي لا يكتمل بمجرد الخطاب، بل يحتاج إلى دولة تملك شجاعة الحسم، وقدرة التنفيذ، و«شرعية» تحويل الممكن النظري إلى واقع إيجابي برؤية الدولة.

المحور الرابع: مأزق المصطلح..وعلاقة الجيل الجديد:

يعاني مصطلح «الليبرالية» في الفضاء العربي من هشاشة بنيوية قديمة، فقد ارتبط في الأذهان كمنتج مستورد أكثر من كونه مفهوماً متجذراً في البيئة المحلية، وهو ما استغله خصومه لربطه بالانسلاخ القيمي، واليوم يبدو أن الجيل الجديد من الشباب يمارس بعضاً من الأنماط الليبرالية المتسقة مع رؤية الدولة كواقع مُعاش في تفاصيله اليومية، وخياراته الشخصية، لكنه يرفض تبني المصطلح كـ«هوية أيديولوجية» أو الانضواء تحت لواء نخبة يراها تنتمي لحقبة الصراعات الفكرية القديمة، بل تبناها كهوية وطنية واعية.

هنا تحديداً تتضح الأزمة في صورتها الأعمق: إنها «أزمة شكل لا أزمة جوهر»، فالذي يمر بمأزق حقيقي هو الاسم والنخبة والذاكرة الصراعية المرتبطة بالمصطلح، أما المنطقي والمتسق من المضامين التي كان الخطاب الليبرالي يدافع عنها فقد تحوّلت إلى ممارسة اجتماعية طبيعية، بلا لافتة أيديولوجية، وبلا حاجة إلى خطاب يعرّفها نيابة عن أصحابها، لقد بات المصطلح وسماً تاريخياً مثقلاً بالمعارك الفردية، ومجرداً من دلالته الفلسفية البنائية.

استحقاق اللحظة الراهنة:

إن نقد الحالة الليبرالية العربية اليوم ليس باباً من أبواب الشماتة، بل هو ضرورة منهجية لتشريح الواقع، لقد زال العذر التاريخي الذي تذرع به هذا التيار لعقود، وهو وجود الخصم المهيمن، وبات الليبراليون العرب أمام استحقاق حتمي ومصيري: إما الانتقال من ضفة «رد الفعل والتفاعل الإعلامي» إلى ضفة «الفعل والفكر المنهجي المستقل»، فذلك ليس اعترافاً بانكماش الدور، بل إعادة تعريفٍ له؛ لأن المجتمعات لا تحتاج في كل مرحلة إلى من يوجّه الرأي العام بالطريقة نفسها، بقدر حاجتها إلى من يؤصل منجزاتها، ويحولها من قرارات ناجحة إلى ثقافة مستقرة، لا بوصفه بديلاً عن الدولة، ولا منافساً لقرارها، بل بوصفه جهداً معرفياً يؤصل المكتسبات، ويحميها فكرياً، ويمنحها قدرة على الاستمرار بعد تبدل الأزمنة، والأشخاص، والمزاج العام.

فوظيفة الفكر ليست أن يزاحم «القرار السيادي» في موقعه، بل أن يشرح معناه، ويحرس منطقه، ويمنحه عمقاً يتجاوز لحظة التنفيذ، أما إذا بقي التيار الليبرالي أسير ذاكرته القديمة، ومعاركه المنتهية، ورموزه التي اعتادت أن تُعرّف نفسها بخصومها، فسيبقى الاسم مجرد أثر من حقبة تاريخية مضت، وانتهت بانتهاء المعركة التي أنتجته، وعندها لن يكون الليبرالي العربي هو من يعرّف نفسه، بل ستعرّفه الدولة بالفعل، وسيعرّفه الجيل الجديد بالممارسة، وسيبقى هو واقفاً على هامش المصطلح، يتأمل اسماً لم يعد قادراً على حمل معناه.