الأردن.. تعديل وزاري يطوي أزمة وزير العمل ويضع الحكومة أمام استحقاقات المرحلة
Credit: KHALIL MAZRAAWI/AFP via Getty Images

أعلن الديوان الملكي الأردني الثلاثاء موافقة الملك عبد الله الثاني على تعديل وزاري في حكومة جعفر حسان، منهياً بذلك فترة ترقب دامت نحو 16 يوماً منذ استقالة وزير العمل خالد البكار، حيث أوكلت حقيبتا النقل والعمل معاً إلى الوزير نضال قطامين.

تأتي هذه التطورات في سياق الممارسة الدستورية الأردنية التي تتطلب صدور إرادة ملكية لقبول الاستقالات وإجراء التعديلات الوزارية.

وأعلن الديوان الملكي الهاشمي، الثلاثاء، صدور إرادتين ملكيتين؛ الأولى بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة رئيس الوزراء جعفر حسان، بتعيين نضال قطامين وزيرًا للنقل والعمل، فيما قضت الثانية بقبول استقالة البكّار اعتبارًا من تاريخ صدورها.

جاءت استقالة البكار بعد جدل أثارته تقارير إعلامية محلية وتصريحات رسمية، بشأن تقديم نجله لعروض على مناقصات حكومية، أحدها تمت إحالته فعلياً، وفق ما أفاد به مصدر حكومي مسؤول لوسائل إعلام أردنية وأجنبية.

وكان رئيس الوزراء جعفر حسان قد طلب من البكّار تقديم استقالته، الأحد 28 يونيو/ حزيران، إلا أن الإعلان الرسمي عن طلب الاستقالة لم يصدر سوى بعدها بأيام.

وتسبب وجود رئيس الحكومة خارج البلاد آنذاك، في فتح الباب أمام تساؤلات في الأوساط المحلية حول دستورية الإجراءات وإدارة الملف سياسيًا، كما تزامن الأزمة مع سفر العاهل الأردني في زيارة خاصة، إذ يرتبط نفاذ استقالات أعضاء الحكومة بصدور إرادة ملكية حصرًا وفقاً للدستور الأردني.

وصدرت الإرادتان الملكيتان بعد يوم واحد من عودة الملك عبد الله الثاني إلى البلاد، الاثنين.

وتفاوتت تفاعلات القضية في أوساط المراقبين والسياسيين، خاصة بعد أن حاولت تصريحات حكومية لاحقاً تصوير الاستقالة على أنها "تضارب مصالح" وليست مخالفات قانونية، ما دفع بعض المحللين إلى توقع إجراء تعديل حكومي قد يعزز أداء الحكومة، المنشغلة بملفات سياسية واقتصادية وإقليمية عدة.

من جانبه، قال عضو مجلس الأعيان الأردني، عمر العياصرة، إن حسم العاهل الأردني لقضية استقالة البكّار جاء بعد "أزمة مرحلية"، قائلاً إن رئيس الوزراء اكتفى بإجراء تعديل على حقيبة العمل فقط، مشيرًا إلى أن استقالة البكّار "لم تفرض تعديلاً مبكرًا موسعًا"، وأن إعادة ترتيب الفريق الحكومي ستكون، وفق تقديره، بعد الدورة الاستثنائية البرلمانية.

ورجح العياصرة، في حديثه لموقع CNNبالعربية، أن أي تعديل قادم قد يكون محدودًا ويشمل بعض الوزراء بما يتناسب مع رؤية رئيس الحكومة.

وحول تأثير الأزمة على الحكومة، قال العياصرة: "قطعًا أثرت الأزمة على الحكومة، لكنه كان تأثيرًا مرحليًا"، معتبرًا أن "عمر الحكومة لم يتأثر وكذلك رؤية المرجعيات في الدولة لها"، على حد تعبيره، لافتاً أن الحكومة تدير ملفات كبرى وأمامها استحقاقات عديدة.

عودة البرلمان

وبالتزامن، عاد المناورات السياسية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بعد غياب استمر أكثر من شهرين بسبب العطلة النيابية التي أعقبت فض الدورة العادية الثانية في 26 أبريل/ نيسان الماضي، مع عودة مجلس النواب للانعقاد في دورة استثنائية بدأت أعمالها في 12 يوليو/ تموز الجاري.

وحُددت ستة مشاريع قوانين لأعمال الدورة الاستثنائية بموجب الإرادة الملكية سابقاً، من أهمها مشروع قانون الإدارة المحلية، الذي يُعتبَر من المشاريع المؤثرة في المجتمع المحلي وتمثيله في المجالس المحلية والبلدية وتحسين الخدمات، وكذلك مشروع قانون الملكية العقارية.

وتلقت كتلة حزب الأمة (جبهة العمل الإسلامي سابقاً) صدمة في الأيام الأولى لانعقاد الدورة الاستثنائية، على خلفية صدور حكم قضائي قطعي بحبس النائب عن الكتلة حسن الرياطي لمدة عامين، وإدانته في الاعتداء على نائب آخر في مشاجرة واسعة اندلعت تحت قبة البرلمان التاسع عشر السابق في عام 2021 خلال مناقشة التعديلات الدستورية آنذاك، وقرر مجلسه آنذاك تجميد عضويته مؤقتا.

وتقضي المادة 75 من الدستور الأردني، بإسقاط عضوية النائب حكمًا ليصبح موقعه شاغرًا في حال كان محكومًا عليه بالحبس مدة تزيد على سنة واحدة بجريمة غير سياسية ولم يُعَفَ عنه، حيث تشير التطورات إلى أن الأمانة العامة لمجلس النواب الحالي تبلغت بالقرار القضائي، بانتظار استكمال إجراءات الهيئة المستقلة للانتخاب لتحديد النائب الذي سيحل محله من واقع القائمة الانتخابية المحلية عن محافظة العقبة التي مثلها.

وفي السياق، يعتقد العياصرة أن لدى الإسلاميين اليوم "تعريفاً بأن هناك أزمة مع الدولة" مرتبطة بأحكام صدرت مؤخرًا، مع محاولات لرفع الحصانة عن آخرين، وتقديم بعض القيادات الإسلامية للقضاء في قضايا مختلفة، وفقًا له.

وأوضح العياصرة، بأن كتلة حزب الأمة تعتبر ما يجري "أزمة"، بينما تعتبر الحكومة الإجراءات "سلوكًا قانونيًا"، وقال إن الصورة العامة يمكن وصفها بأنها "نوع من الصراع الخفي بين الطرفين".

ويعتقد العياصرة، بأن النواب الإسلاميين "لن يذهبوا إلى التصعيد مع الحكومة"، وأن المساعي تتجه لاحتواء الأزمة بطريقة أو بأخرى، قائلا إن هذا النوع من الأزمات عادة ما يقود إلى "صياغة نوع من التوافقات"، وأن الدولة مقبلة على مرحلة مهمة تتعلق بالإقليم، في ظل "ترتيبات إقليمية وجيوسياسية جديدة"، وترتيبات في المشهد الفلسطيني، ووجود حكومة يمين متطرف في إسرائيل.

وأضاف العياصرة: "الدولة اليوم يهمها أن يكون الداخل في هذا الجانب أكثر استقرارًا، لن يكون هناك تصعيد صفري ولكن لن تعود العلاقة كما كانت مع الإسلاميين، فمن الممكن أن تكون هناك ترتيبات جديدة تتناسب مع مصالح الدولة للمرحلة القادمة".

وواجه حزب الأمة تحديات كبيرة خلال العامين الماضيين، من أهمها قرار حظر جماعة الإخوان المسلمين وما تلاها من ملاحقات قانونية وقضائية لقيادات فيها.

كما أُحيل النائب في كتلة الحزب بالبرلمان الحالي وسام ربيحات، إلى القضاء على خلفية ما قيل إنها تبرعات غير مشروعة أو ما عُرِف بقضية "التبرعات إلى غزة"، ولا تزال القضية منظورة أمام القضاء إذ يتمتع النائب بالحصانة خلال انعقاد الدورات البرلمانية.

مناقشات برلمانية مرتقبة

في وقت رجح مدير مركز الحياة الأردني "راصد"، عامر بني عامر، أن تكون العلاقة بين الحكومة ومجلس النواب خلال الدورة الاستثنائية، "أكثر هدوءًا مقارنة بالدورات العادية"، بحكم أن جدول أعمالها محدد ويركز على عدد من مشاريع القوانين، مما يحد من "مساحة الاشتباك السياسي والمناكفات التقليدية"، على حد وصفه.

وقال بني عامر، في حديث لـCNNبالعربية، إن جزءًا كبيرًا من القوانين المطروحة خضع خلال الفترة الماضية لنقاشات وحوارات مسبقة، سواء داخل مجلس النواب أو مع الجهات المعنية، الأمر الذي قد يسهم في تقليل حدة الخلافات أثناء مناقشتها تحت القبة.

لكن بني عامر الذي يختص مركزه بمراقبة أداء الحكومة والبرلمان ، رأى بأن ذلك لا يعني أن الدورة الحالية ستخلو من "التوتر"، مشيرًا إلى أن هناك ملفات سياسية موازية قد تلقي بظلالها على المشهد، وفي مقدمتها التطورات المتعلقة بالنائب حسن الرياطي، إضافة إلى قضايا أخرى تخص عددًا من النواب.

وشهدت جلسة البرلمان، الثلاثاء، مداخلات عديدة من نواب كتلة حزب الأمة على خلفية قضية الرياطي، فيما غادر رئيس مجلس النواب مازن القاضي القبة بحسب ما نقلت وسائل إعلام محلية، بسبب تكرار تلك المداخلات.

في الأثناء، لفت بني عامر، إلى أنه من المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة محاولات لربط هذه الملفات بالنقاشات تحت القبة، بما قد يدفع في بعض الأحيان إلى الخروج عن الإطار التشريعي البحت نحو سجالات سياسية وإعلامية.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين الحكومة وكتلة حزب الأمة، رأى بني عامر أن المرحلة المقبلة قد تشهد ما يمكن وصفه بـ"الاحتواء المؤسسي"، وليس احتواءً سياسياً أو مهادنة، موضحًا أن "الحكومة ستتعامل مع الكتلة ضمن الأطر الدستورية والمؤسسية باعتبارها جزءاً من مجلس النواب، دون منحها حجماً سياسياً أكبر من وزنها النيابي".

وتابع بني عامر بقوله إن الكتلة تمثل نحو 22% من أعضاء المجلس، وبالتالي "ستبقى طرفًا مهمًا في المعادلة البرلمانية، لكنها ليست الطرف الوحيد الذي تُبنى عليه حسابات الحكومة أو مسار العمل التشريعي".

كما أشار إلى أن الحكومة ستسعى إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الكتل النيابية، مع الحرص على "عدم تحويل العلاقة مع كتلة حزب الأمة إلى عنوان رئيسي للمشهد السياسي".

وتشير التوقعات إلى أن الهدف سيركز على "إدارة الاختلاف داخل المؤسسة البرلمانية، وليس الدخول في حالة استقطاب أو مواجهة، بما يسمح بتمرير أجندة الدورة الاستثنائية ضمن أجواء أكثر استقرارًا، مع بقاء بعض الملفات السياسية قابلة لإثارة التوتر من وقت لآخر"، على حد تعبير بني عامر.

من المتوقع أن يسهم هذا التعديل في تهدئة الجدل حول ملف تضارب المصالح، لكن المراقبين يرون أن الحكومة ما زالت أمام استحقاقات كبيرة على الصعيدين الاقتصادي والإصلاحي. ويترقب المتابعون ما إذا كان رئيس الوزراء سيجري تعديلاً أوسع في المستقبل القريب، خاصة بعد الدورة البرلمانية الاستثنائية. كما أن تزامن الأزمة مع سفر العاهل الأردني أثار تساؤلات حول الإجراءات الدستورية، إلا أن حسم الملف يؤكد التزام المؤسسات بالدستور.