محمد السامعي من تعز (الأناضول)

تعاني مدينة تعز من تداعيات الحرب المستمرة منذ 2015، مما أثر على الخدمات الأساسية والبنية التحتية.

- أم عبد الله، ربة منزل: أخشى على أطفالي من الخروج إلى الشوارع بسبب الانتشار المتزايد للكلاب الضالة

- عامر البوصي المنسق العام لبرنامج مكافحة داء الكلب: سجلنا منذ يناير وحتى يوليو 540 حالة عضات كلاب

- الناشط المجتمعي عبده السحولي: انتشار الكلاب الضالة في تعز يعود إلى تداعيات الحرب والإهمال

وجه محافظ تعز نبيل شمسان الجهات المعنية بالشروع فوراً في التحضير لحملة ميدانية شاملة لمكافحة تفشي الكلاب الضالة.

تحولت ظاهرة انتشار الكلاب الضالة في مدينة تعز، جنوب غربي اليمن، إلى قضية رأي عام، إذ نشرت الرعب بين السكان، بعد تسجيل مئات حالات العض منذ مطلع العام الحالي، بالتزامن مع ارتفاع الإصابات والوفيات بداء الكلب.

دفع الوضع المتردي المسؤولين إلى اتخاذ خطوات استعجالية لكبح جماح الظاهرة، وسط أزمة صحية وإنسانية خانقة تعيشها البلاد بسبب النزاع.

وأخيرا، ناشد العديد من اليمنيين السلطات العمل على معالجة انتشار الكلاب الضالة، ودعا بعضهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى التظاهر احتجاجا على استمرار تداعيات القضية.

ويصاحب هذا التطور ارتفاع في عدد الوفيات بداء الكلب، مع زيادة الإصابات بنسبة 25% منذ بداية 2026 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق.

** رعب الأهالي

وأفاد عدد من السكان في تعز لمراسل الأناضول بأن الكلاب الضالة تنتشر بشكل لافت في مختلف أحياء المدينة، ما يشكل تهديدا صحيا لفئات المجتمع، خصوصا الأطفال.

وقالت أم عبد الله، وهي ربة منزل في تعز، إنها باتت تخشى على أطفالها من الخروج إلى الشوارع، في ظل الانتشار المتزايد للكلاب الضالة في أحياء المدينة.

وأضافت للأناضول أن الكلاب أصبحت منتشرة بشكل لافت في مناطق مختلفة من تعز، وتسببت في إصابة عدد من السكان، معظمهم أطفال.

وأشارت إلى أن أبناءها من حسن حظهم لم يتعرضوا للعض أو الخدش حتى اليوم، رغم إصابة بعض أقرانهم، لكنهم عادوا أكثر من مرة إلى المنزل وهم في حالة خوف بعد أن طاردتهم الكلاب في الطرقات.

** إحصاءات صادمة

بدوره، حذر عامر البوصي، المنسق العام لبرنامج مكافحة داء الكلب في تعز (حكومي)، من أن انتشار الكلاب الضالة في المحافظة يعد مشكلة متفاقمة تهدد حياة السكان، الذين يقدر عددهم بنحو 4 ملايين نسمة.

وأوضح البوصي للأناضول أن المركز سجل من يناير/ كانون الثاني 2026 حتى 18 يوليو/ تموز الجاري، 540 حالة تعرض لعضات كلاب وحيوانات أخرى ناقلة للمرض، مثل القطط والحمير.

وأشار إلى أن الإحصاءات تضمنت 4 حالات وفاة جراء عضات كلاب مسعورة، منبها إلى أن الضحايا لم يصلوا إلى المركز إلا بعد مدد تراوحت بين 20 و40 يوما من تاريخ الإصابة.

ولفت إلى أن هذه الإحصاءات تأتي مقارنة بـ439 حالة تعرض لعضات حيوانات ناقلة لداء الكلب، وحالة وفاة واحدة خلال الفترة المماثلة من عام 2025، ما يعني تضاعف عدد الوفيات وارتفاع عدد الإصابات.

** أعراض مميتة

وأضاف البوصي أن سرعة ظهور أعراض المرض تعتمد على موضع العضة، فكلما كانت أقرب إلى الدماغ ظهرت الأعراض بشكل أسرع.

وأوضح أنه بمجرد ظهور الأعراض تصبح الوفاة مؤكدة بنسبة 100 بالمئة، لعدم وجود علاج معتمد عالميا في هذه المرحلة من المرض.

وأكد أن من أبرز أسباب تأخر وصول المصابين إلى المركز ضعف الوعي بالإجراءات الصحيحة الواجب اتباعها بعد التعرض للعضة، إلى جانب بعض التدخلات غير المسؤولة، وقلة التوعية والتثقيف الصحي بشأن المرض.

وناشد البوصي الجهات المعنية والمنظمات الداعمة مساندة برنامج مكافحة داء الكلب.

وأوضح أن البرنامج يمتلك خططا وأنشطة توعوية وصحية وتدريبية وعلاجية، إلا أنها تحتاج إلى الدعم اللازم لتفعيلها في مختلف المديريات، بما يسهم في الحد من الوفيات وإنقاذ الأرواح من خطر عضات الكلاب المسعورة.

** أسباب انتشار الكلاب

أرجع الناشط المجتمعي عبده السحولي انتشار الكلاب الضالة في مدينة تعز إلى تداعيات الحرب والإهمال وإلى قيام بعض السكان بتربيتها داخل الأحياء، ما أدى إلى تكاثرها وخروج أعداد كبيرة منها إلى الشوارع.

وأضاف للأناضول أن الكلاب الضالة ليست جميعها مسعورة أو ناقلة للمرض، وإنما تصاب بداء الكلب بعد تعرضها لعضة حيوان مصاب، مثل الثعالب أو غيرها من الحيوانات البرية.

واعتبر أن الكلاب المسعورة قد تظهر بسلوكين مختلفين، فبعضها يصبح منعزلا وعدوانيا عند الاقتراب منه، بينما يتسم بعضها الآخر بالحركة المستمرة ومهاجمة الأشخاص والحيوانات وكل ما يعترض طريقه.

وأوصى السحولي المواطنين بالتوجه مباشرة إلى مركز مكافحة داء الكلب عند التعرض لأي عضة، وعدم الاكتفاء بالعلاج في الصيدليات أو المراكز غير المتخصصة.

ودعا إلى الحد من تربية الكلاب داخل الأحياء السكنية إلا لأغراض الحراسة، مع تجنب استفزاز الكلاب أو إيذائها.

وأفاد بأن الوقاية والتوعية تمثلان أهم وسيلتين للحد من الإصابات، وأن الخوف المفرط غير مبرر إذا جرى التعامل بشكل صحيح مع أي حالة تعرض للعض، عبر التوجه الفوري إلى المركز المختص.

** إجراءات عاجلة

تفاقم هذه المشكلة دفع محافظ تعز نبيل شمسان إلى عقد اجتماع في 16 يوليو/ تموز لمناقشة وإقرار "الإجراءات العاجلة والعملية للبدء بتنفيذ حملة ميدانية واسعة للحد من انتشار الكلاب الضالة في شوارع وأحياء المدينة، بما يسهم في حماية المواطنين، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء وكبار السن، من مخاطرها"، حسب بيان للسلطة المحلية تابعه مراسل الأناضول.

ووجه شمسان سلطات المحافظة إلى "بدء الإعداد والتدشين الفوري للحملة الميدانية، وتسخير الإمكانات والموارد المتاحة كافة لضمان نجاحها وتحقيق أهدافها في المديريات المستهدفة كافة".

واستعرض الاجتماع "آليات التنسيق المشترك والخطط التنفيذية بين الجهات الخدمية والأمنية والمجتمعية لمعالجة هذه الظاهرة بشكل جذري، بما يضمن الحفاظ على السلامة العامة والبيئية".

** ما هو داء الكلب؟

وبحسب تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية، نشرته المنظمة في يونيو/ حزيران 2024 على موقعها الإلكتروني، فإن داء الكلب مرض فيروسي حيواني يؤثر على الجهاز العصبي المركزي.

وتعد الكلاب مسؤولة عن انتقال فيروس داء الكلب إلى البشر في نحو 99 بالمئة من حالات داء الكلب البشري، ويشكّل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و14 عاما أكثر ضحايا الداء، حسب المنظمة.

وذكرت المنظمة أن "الداء ينتقل إلى الإنسان والحيوان عن طريق اللعاب، وعادةً ما يكون ذلك بواسطة العضّ أو الخدش أو اللمس المباشر للغشاء المخاطي (للعين أو الفم أو الجروح المفتوحة)، وبمجرد ظهور الأعراض السريرية للداء، فإنه يصبح قاتلاً بنسبة 100 بالمئة تقريباً".

** تدهور القطاع الصحي

ويعاني القطاع الصحي اليمني إحدى أسوأ الأزمات في تاريخه نتيجة تداعيات الحرب المستمرة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي منذ عام 2014.

وذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، في أبريل/ نيسان الماضي، أن النظام الصحي في اليمن لا يزال يواجه ضغوطا هائلة، مما يؤدي إلى حرمان أكثر من نصف السكان من الحصول على الخدمات الصحية الأساسية.

ورغم المواجهات المتقطعة، يشهد اليمن منذ أبريل/ نيسان 2022 تهدئة في حرب بدأت قبل أكثر من 11 عاما بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي، التي تسيطر على محافظات ومدن، بينها صنعاء، منذ 21 سبتمبر/ أيلول 2014.

وخلال الأيام الأخيرة، تجددت مواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين في عدة محافظات، بينها الجوف والضالع وتعز، وسط وعيد متبادل بين الطرفين، فيما يواجه البلد إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.

وتعد ظاهرة الكلاب الضالة إحدى المشكلات الناجمة عن تدهور الأوضاع الصحية والبيئية في اليمن جراء الحرب. وتشير الإحصاءات إلى ارتفاع حالات داء الكلب بنسبة 25% منذ مطلع 2026. ويشكل الأطفال الفئة الأكثر تضرراً بسبب ضعف مناعتهم وكثرة تواجدهم في الشوارع. ومن المتوقع أن تسهم الحملة الميدانية التي أعلن عنها المحافظ في تقليل المخاطر، لكنها تحتاج إلى دعم مستمر لتحقيق نتائج فعالة. وتبقى الحلول الجذرية مرهونة بتحسين الظروف المعيشية وإنهاء النزاع.