"الناتو" تجاوز غضب ترمب.. لكن معركة إصلاحه بدأت
ملخص
نجحت قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة في تبديد المخاوف حول مستقبل الحلف بعد توترات أثارها الرئيس الأميركي، حيث جدد الأعضاء التزامهم بالمادة الخامسة المتعلقة بالدفاع الجماعي. لكن خلف واجهة التوافق، برزت مطالب واشنطن بإصلاح الحلف وتعزيز مسؤولية الدول الأوروبية عن أمنها، مما ينبئ بتحولات استراتيجية مقبلة.
ويأتي هذا التطور في وقت يشهد فيه الحلف، الذي يضم 32 دولة، تحديات متزايدة تتعلق بالتوزان داخل العلاقات عبر الأطلسي.
في الفقرة الأولى من البيان الختامي لقمة حلف شمال الأطلسي السنوية التي عُقدت في أنقرة الأسبوع الماضي، جدّد الحلفاء "التزامهم الثابت بالدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة من معاهدة واشنطن وبالروابط عبر الأطلسي". ورغم أن هذا التأكيد معتاد في البيانات الختامية للقمم السنوية، إلا أن إدراجه هذا العام أثار اهتماماً كبيراً بسبب القلق الواسع الذي سبق القمة من مفاجآت محتملة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ظل غضبه من الحلفاء.
فالرئيس الأميركي أثار سابقاً شكوكاً حول ما إذا كانت إدارته تدعم هذا المبدأ بصورة كاملة، لا سيما عندما امتنع حلفاء "الناتو" عن تلبية دعوته لمساندته في الحرب ضد إيران، ورفض ترمب سابقاً تقديم ضمانات بأن الولايات المتحدة ستهب لنجدة الدول الأوروبية التي لا تدفع حصتها العادلة من تكاليف الأمن والدفاع. وقبيل انعقاد القمة بأيام، تم تسريب البيان الختامي لوسائل الإعلام التي ركزت في تقاريرها على التزام أعضاء الناتو الـ32، بما في ذلك الولايات المتحدة، بالمادة الخامسة التي تتعلق بالدفاع الجماعي.
وتنص المادة الخامسة من الميثاق التأسيسي لحلف شمال الأطلسي، على أن "أي هجوم، أو عدوان مسلح ضد طرف منهم (أعضاء الناتو)، يعتبر عدواناً عليهم جميعاً، وبناء عليه، فإنهم متفقون على حق الدفاع الذاتي عن أنفسهم، المعترف به في المادة 5الخامسة من ميثاق الأمم المتحدة، بصورة فردية أو جماعية، وتقديم المساندة والعون للطرف أو الأطراف التي تتعرض للهجوم".
ستكني: الحلف ما زال بحاجة إلى الإصلاح
ورداً على سؤال "اندبندنت عربية" عما إذا كانت الإدارة الأميركية لا تزال تعتبر المادة الخامسة من معاهدة "الناتو" التزاماً غير مشروط، قالت المتحدثة الإقليمية لوزارة الخارجية الأميركية إليزابيث ستكني إنه خلال القمة أكد جميع الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، مجدداً "التزامنا الراسخ بالمادة الخامسة، فالهجوم على أحدنا يعد هجوماً علينا جميعاً"، مؤكدة "نحن ملتزمون بحلف الناتو، غير أن الحلف بحاجة إلى إصلاح. فعلى سبيل المثال، نريد من الدول الأوروبية أن تتحمل المسؤولية الرئيسية عن دفاعها الذاتي".
اقرأ المزيد- معضلة "الناتو" الدفاعية: إنتاج أسلحة بكميات كافية
- فوضى الرؤى: هل تنجو أوروبا بلا قيادة أميركية؟
- مصدر بـ"الناتو" عن لقاء ترمب وبوتين: ندعم سلاماً عادلاً في أوكرانيا
وأضافت أن الحلفاء تعهدوا خلال القمة بالاستفادة من شراكات الحلف لتعزيز العمق الصناعي الدفاعي والتعاون إلى أقصى حد، والاستجابة للتهديدات في البيئة الأمنية الأوسع والتكيف معها، بما في ذلك الاتفاق على ضرورة ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً أبداً، ودعوتها إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز. وأشارت إلى أن الرئيس الأميركي "أعرب عن عدم رضاه عن الحلف، نظراً لعدم مساعدته في الصراع مع دولة مصنفة كأول راعٍ للإرهاب، وهي إيران".
ثمة أزمة ما
ويقول مراقبون إن ما انتهت له قمة "الناتو" يعكس كثيراً عن حالة العلاقات الأميركية الأوروبية، إذ اعتبرت القمة، التي بدأت بقيام الرئيس الأميركي بإعلان وقف التجارة مع إحدى الدول الأعضاء، وهي إسبانيا، وتوجيهه انتقادات إلى دول أخرى، ناجحة على نطاق واسع بعد أن عاد، بعد ساعات، ليؤكد التزامه بالحلف.
وأعرب القادة الأوروبيون عن ارتياحهم عقب قمة أنقرة، إذ رحبوا بحديث ترمب عن "المحبة التي تسود القاعة"، وتأييده البيان الختامي، إلى جانب قراره منح أوكرانيا ترخيصاً لإنتاج صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومة "باتريوت"، وهو ما شكل متنفساً بعد أشهر من التوترات الحادة التي أثارتها محاولات ترمب ضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، وهي عضو في "الناتو"، والخلافات في شأن الحرب مع إيران، التي دفعته إلى تجديد انتقاداته القديمة للحلف وإثارة الشكوك حول استمرار عضوية الولايات المتحدة فيه مستقبلاً.
ومع ذلك، يرى آخرون أن الإشارة لنص المادة الخامسة في البيان الختامي، بإعادة تأكيد مبدأ يفترض أنه بدهي، يكشف عن حجم الأزمة. فيقول توري توسيا وفيليب ديكنسون من المجلس الأطلسي في واشنطن إن إعلان الولايات المتحدة سحب جزء من قواتها من أوروبا، والأشهر الطويلة من الانتقادات والمواجهات في شأن إيران وغرينلاند والإنفاق الدفاعي، فضلاً عن الغموض الذي أبداه كبار مسؤولي إدارة ترمب عند سؤالهم عن سيناريوهات افتراضية تتعلق بتفعيل المادة الخامسة، كلها عوامل جعلت صدور هذه الصيغة في البيان أمراً غير محسوم سلفاً. ومن هذا المنظور، فإن الاحتفاء بإدراجها لا يعكس قوة المبدأ، بل يسلط الضوء على مدى تراجعه، وبالتالي على مدى ما أصاب "الناتو" نفسه من ضعف.
وأشارا إلى أن الكيفية التي يفسر بها القادة الأوروبيون، وكذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، هذه الرسالة ستكون عاملاً مؤثراً بدرجة كبيرة في تحديد مسار حلف "الناتو" خلال السنوات المقبلة.
هشاشة وقوة معاً
ويقول الزميل لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن إيد أرنولد إن قمة "الناتو" التي عقدت في أنقرة كشفت عن هشاشة الحلف من جهة، لكنها في الوقت ذاته أبرزت ما لا يزال يتمتع به من عناصر القوة والتماس، إذ أظهرت أن الدول الأوروبية لا تكتفي بزيادة إنفاقها الدفاعي، بل أصبحت أيضاً أكثر تقبلاً، بصورة جماعية، لقواعد جديدة تحكم الأمن عبر الأطلسي. وعلى خلاف القمم السابقة، كانت أوكرانيا الرابح الأكبر، إذ ضمنت حصولها على دعم إضافي بقيمة 70 مليار يورو خلال هذا العام والعام المقبل (مع أن الجزء الأكبر من هذا المبلغ كان قد أقر بالفعل في وقت سابق)، كما حصلت على احتمال منحها ترخيصاً لإنتاج صواريخ باتريوت الاعتراضية محلياً، وهو ما يؤكد أن القوة العسكرية على الأرض يمكن أن تتحول مباشرة إلى قوة على طاولة المفاوضات.
وهذا تحديداً ما كانت أوروبا تسعى إليه، إذ أصبحت القارة الأوروبية الآن تتحمل الجزء الأكبر من دعم أوكرانيا بدلاً من الولايات المتحدة. كما ساعدت حزمة واسعة من المبادرات الجديدة الخاصة بالتعاون في الصناعات الدفاعية على توحيد الحلفاء حول قضية مشتركة، بما يسهم في احتواء الانقسامات الداخلية داخل الحلف، وفي الوقت نفسه يحقق مكاسب للصناعة الدفاعية الأميركية، الأمر الذي قد يساعد في نقل جزء أكبر من الأعباء تدريجاً إلى الدول الأوروبية.
وأتاحت هذه القمة للحلفاء الأوروبيين مواجهة المفارقة الأساسية الكامنة في صلب الأمن الأوروبي بصورة مباشرة، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ظلت الولايات المتحدة تطالب الأوروبيين بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم، لكنها في الوقت نفسه كانت حريصة على الاحتفاظ بالسيطرة والإشراف الاستراتيجيين، وهو ما أعاق محاولات أوروبا لتطوير طموحات استراتيجية وجيوسياسية مستقلة.
تفاؤل حذر
وعلى رغم توقعهم استمرار التقلبات في العلاقة مع واشنطن، يرى المسؤولون الأوروبيون أن الحفاظ على الولايات المتحدة داخل الحلف يمثل قيمة استراتيجية هائلة، إذ يخشى كثيرون أن يصبحوا أكثر عرضة لأي هجوم روسي في غياب القوة العسكرية الأميركية.
وقبل القمة، سعى "الناتو" أيضاً إلى إظهار أن الدول الأعضاء لا تكتفي بزيادة الإنفاق، بل تحوله إلى قدرات عسكرية فعلية، من خلال تنظيم منتدى ضخم للصناعات الدفاعية في أنقرة، تضمن شاشات عملاقة وعروضاً مرئية حديثة، إلى جانب إعلان سلسلة من صفقات شراء المعدات العسكرية، شملت طائرات استطلاع وطائرات مسيرة وطائرات نقل عسكري، وأعلن الحلف أن القيمة الإجمالية لهذه الصفقات تجاوزت 50 مليار دولار.
وقالت أوانا لونغيسكو، المتحدثة السابقة باسم "الناتو"، لوكالة "رويترز"، إن "ترمب يحب الزعماء الأقوياء، والانتصارات، والأرقام الكبيرة، والإطراء، والقمة وفرت له كل ذلك." لكن، مهما استمرت أجواء التفاؤل بعد القمة، فإن المسؤولين الأوروبيين يستعدون لمزيد من التقلبات. فبعد أن خفضت وزارة الدفاع الأميركية بالفعل حجم القوات التي تعهدت بنشرها ضمن التزامات "الناتو" في حالات الأزمات، أطلقت الشهر الماضي مراجعة شاملة لوجودها العسكري في أوروبا، الذي يبلغ نحو 80 ألف جندي أميركي.
ومع أن تأكيد المادة الخامسة بدا مكسباً في القمة، إلا أن مراقبين يرون أن الجدل حولها يعكس هشاشة الالتزام الجماعي. ويشير البعض إلى أن الطريقة التي يفسر بها القادة الأوروبيون، وكذلك الرئيس الروسي، هذه الرسالة ستحدد مسار الحلف في السنوات المقبلة. ويبقى السؤال قائماً حول قدرة الناتو على التكيف مع الضغوط الأميركية المتزايدة وتطلعات أوروبا نحو استقلال دفاعي أكبر.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.