ملخص

أصبحت الخوارزميات في هذا الزمن شريكاً في القرار الطبي، ولم تعد عيادات التجميل تبيع عمليات وإجراءات فحسب، وصارت تبيع حلماً بصرياً تصنعه المنصات الرقمية. ومن شاشة الهاتف إلى غرفة العمليات، تبدلت قواعد اللعبة، فأصبح عدد المتابعين ينافس الخبرة، وتحولت الإجراءات السريعة إلى تجارة بمليارات الدولارات.

كم فولور (متابع) لديه؟ وكم ريل (الفيديو القصير) ينشر في الأسبوع؟ وكم مؤثر افتراضي تسوّق له؟

قد تكون هذه الأسئلة اليوم الأكثر تداولاً بين أطباء التجميل ومرضاهم، بدل السؤال عن الخبرة وعدد العمليات الناجحة. ففي زمن يقاس فيه النجاح بعدد المشاهدات، تحولت عيادات كثيرة من غرف عمليات صامتة إلى استوديوهات تصوير مزينة بإضاءة "رينغ لايت"، حيث الطبيب بات نجماً يحفظ دوره ويطّلع على النص المعد مسبقاً ويخرج إلى الجمهور وكأنه مؤدٍ ضمن برنامج تلفزيوني، والمريض أصبح زبوناً ينتظر دوره في قائمة الحجوزات، لزوم التسويق والبيع.

ومع هذا الواقع، تحول كثر من الأطباء من رعاة للمعرفة إلى صانعي وبائعي محتوى، يبحثون عن الجمهور قبل البحث عن التشخيص، ويستخدمون المعايير والترندات على المنصات الرقمية وسيلةً للنفوذ والربح، حتى باتت الصحة صناعة محتوى أقرب إلى الفساد منها إلى العلم. وعيادات التجميل، بما تحمله من وعود سريعة وصور "قبل وبعد" مصقولة بالفلاتر، هي الواجهة الأكثر لمعاناً لهذا النموذج، وربما الأكثر ربحاً أيضاً.

من الجراحة إلى الترند

يكفي أن تبحث مرة أو تتحدث إلى أصدقائك عن التجميل أمام هاتفك الذكي حتى تنهال عليك صفحات لأطباء تجميل وأطباء آخرين باختصاصات أخرى وجدوا رزقهم الأكبر في التجميل، حسابات على طرفها كلمة  Sponsoredلتتخيل معها المبالغ التي تُدفع ليصل الإعلان إلى تعاريج دماغك. ووحدها الأرقام كفيلة بإسقاط الوهم القائل إن التجميل ما زال قراراً شخصياً محدوداً. فبحسب المسح العالمي الذي أصدرته "الجمعية الدولية لجراحة التجميل" في مؤتمرها بسنغافورة عام 2023، أُجريت حول العالم خلال عام واحد أكثر من 37.9 مليون عملية وإجراء تجميلي، منها نحو 17.4 مليون عملية جراحية و20.5 مليون إجراء غير جراحي، أي بزيادة تفوق 42 في المئة خلال أربع سنوات فقط.

وقد استحوذ البوتوكس وحده على 7.8 مليون حقنة، تلته حقن الفيلر بحمض الهيالورونيك بنحو 6.3 مليون حقنة، في وقت تراجعت عمليات تجميل الأنف بنسبة 10 في المئة لمصلحة عمليات أسرع وأقل تكلفة مثل شد الجفون، التي تصدّرت قائمة العمليات الجراحية عالمياً للمرة الأولى متفوقة على عمليات تكبير الثدي وتجميل الأنف.

%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%85%D9%8A%D9%84.png

تحولت عيادات كثيرة من غرف عمليات صامتة إلى استوديوهات تصوير (اندبندنت عربية)

نمو متسارع وعروض تسويقية

هذا النمو المتسارع لا يعكس بالضرورة تحسناً في الحاجة الطبية، أكثر منه انفجاراً في العروض التسويقية. إذ تشير تقديرات إلى أن سوق التجميل العالمية، بما يشمل الأجهزة والحقن والعمليات، يتجه لتجاوز 108 مليارات دولار بحلول العقد المقبل، مدفوعاً بتأثير مواقع التواصل الاجتماعي، إذ بات تطبيق "إنستغرام" محرّك طلب فعلي يحول الصورة إلى وصفة والإعجاب إلى موعد جراحي.

ولهذا التسارع كلفة إنسانية موثقة، فلقد أدين في الولايات المتحدة شخص انتحل صفة طبيب يدعى أندرو جون هاردي ولا يحمل أية شهادة طبية بجريمة قتل من الدرجة الثانية بعد وفاة الممثلة كاروليا بارادا إثر حقنها بمادة سيليكون صناعية بعملية "شد الأرداف البرازيلي".

وفي التفاصيل، قام هذا "النجم غير الطبيب" بحقن الممثلة في غرف فندقية غير مجهزة، مما أدى إلى وفاتها متأثرة بجلطة سيليكونية في الرئة وجدار القلب، لتكشف القضية حينها عن شبكات سرية تجري هذه العمليات الخطيرة بعيداً من الرقابة الطبية الرسمية في أميركا.

وهي الجريمة الثانية للمدان نفسه بعد إدانة سابقة بالقتل غير العمد لضحيتين أخريين، ما يكشف هشاشة الرقابة حتى في أسواق يفترض أنها الأكثر تنظيماً في العالم. وفي تحقيق استقصائي نشرته منصة KFF Health News  بالشراكة مع "أن بي سي نيوز"، تبيّن أن جرّاحة معتمدة في كاليفورنيا تدعى هايدي ريجينيس ارتبط اسمها بوفاة ثلاث نساء خلال عمليات شفط دهون وشد أرداف، من دون أن يوقَف ترخيصها فوراً، وسط دعوات من جمعيات جراحة تجميلية وطنية لتشديد معايير السلامة ومطالبة المرضى المحتملين بالتحقق جيداً قبل التوقيع على أي عقد جراحي، في اعتراف ضمني بأن آلية الرقابة الحالية عاجزة عن مواكبة سرعة السوق.

الواقع عربياً

تشير مؤشرات السوق إلى أن دول الخليج أصبحت من أسرع المناطق نمواً في مجال جراحات وإجراءات التجميل، مدفوعة بارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحية وتوسع السياحة العلاجية.

ذكر تقرير عام 2026 بعنوان "حجم وتوقعات سوق الجراحة والإجراءات التجميلية في الإمارات العربية المتحدة" أن قيمة سوق جراحات وإجراءات التجميل بلغت نحو 189.1 مليون دولار عام 2024، مع توقعات بارتفاعها إلى 880.9 مليون دولار بحلول عام 2033 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8.7 في المئة. وفي السعودية، أفاد تقرير بعنوان "سوق جراحات التجميل تزدهر في السعودية" بأن المملكة تستحوذ على نحو سبعة في المئة من جراحات التجميل عالمياً، بقيمة سوقية تتجاوز خمسة مليارات دولار، وتحتل المرتبة الثانية عربياً بعد الإمارات و29 عالمياً.

كذلك تتصدر مصر الدول العربية من حيث عدد جراحي التجميل، مستفيدة من كونها من أقدم الدول عرف فيها هذا النوع من الجراحة في التاريخ وفق ما تشير إليه مخطوطات ضاربة في القدم، إضافة إلى أسعارها المنخفضة نسبياً مقارنة مع أوروبا وأميركا.

لبنان ومسلسل العيادات المشبوهة

أما لبنان الذي وُصف تاريخياً بأنه مهد التجميل في المنطقة قبل أن ينتقل الاختصاص منه إلى مصر ثم إلى بقية الدول العربية، فما زال يحتل مرتبة متقدمة عالمياً، إذ يصنَف الثاني بعد البرازيل من حيث عدد العمليات نسبة إلى عدد السكان، بحسب بيانات محلية مثل تلك الصادرة عن نقابة أطباء التجميل في لبنان.

ولطالما تباهى لبنان بلقب "مستشفى الشرق الأوسط" مستنداً إلى كفاءة أطبائه التاريخية وموقعه كمقصد إقليمي للسياحة العلاجية التي تمثّل الجراحة التجميلية أكثر من 70 في المئة من حجمها، لكن الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد منذ 2019 كشفت الوجه الآخر لهذه الصناعة تجلت في هجرة الكثير من الأطباء الكبار، وانفجار عدد العيادات "الشعبية" التي تعد بأسعار مغرية ونتائج فورية.

وفي مايو (أيار) 2025، أوقفت المديرية العامة لأمن الدولة صاحب عيادة تجميل غير مرخّصة بعدما تبيّن أنه كان يمارس التجميل منتحلاً صفة طبيب مختص، وضُبطت في عيادته كميات من الأدوية منتهية الصلاحية وأخرى غير مرخصة أساساً، بعد أن أدّت إجراءاته إلى تشوهات جسدية ومضاعفات صحية خطيرة لعدد من زبائنه. وفي يناير (كانون الثاني) 2026، داهمت مفرزة استقصاء البقاع عيادة في زحلة لمنتحل صفة طبيب تجميل وأمراض جلدية من دون أي ترخيص، وختمتها بالشمع الأحمر. وبين الحادثتين، وعشرات غيرهما لم تصل إلى الإعلام، تتكرر القصة نفسها، شهادة تدريب معلقة على الحائط بدل شهادة اختصاص استغرقت ست سنوات دراسة كما يفترض بجراحة التجميل الحقيقية، إذ إن هذا الاختصاص الدقيق ليس مهنة يمكن تعلمها في دورة أو ورشة عمل.

مع التجميل ولكن

لست ضد التجميل، لكن ما يحدث اليوم أصبح مخيفاً، هذه العبارة قد تلخّص آراء كثر عند سؤالهم عن الانتشار المتزايد لحقن البوتوكس والفيلر خارج العيادات الطبية، على أيدي أشخاص يقدّمون أنفسهم بوصفهم مختصين، بينما يفتقر بعضهم إلى التأهيل الطبي اللازم.

تقول مها إن المشكلة ليست في إجراءات التجميل بحد ذاتها، فكل شخص حر بجسده وشكله، لكن المشكلة تكمن في ممارستها على أيدي غير اختصاصيين، لم يكن ليعرفهم الجمهور لولا منصات التواصل الاجتماعي والنجومية التي حصدوها بسبب هذه المنصات، وتحويلها خدمات التجميل إلى خدمة متنقلة تُقدَّم أحياناً في المنازل أو مراكز التجميل، بعيداً من البيئة الطبية الآمنة. وتشير إلى أن عدداً من الفتيات دفعن ثمن هذا التهاون بتشوهات ومضاعفات خطيرة، تراوحت بين التهابات شديدة وشلل في بعض عضلات الوجه.

وتتساءل أماندا حرب "الطبيب المختص، على رغم سنوات الدراسة والخبرة، قد يواجه في بعض الحالات مضاعفات معروفة ونادرة، فكيف يمكن الوثوق بشخص لا يمتلك حتى معرفة دقيقة بتشريح عضلات الوجه وأعصابه، ولا يملك القدرة على التعامل مع أي طارئ طبي قد يحدث أثناء الحقن؟ وكيف يجرؤ الناس على تسليم وجوههم لطبيب لا يعرفون عنه ما يكفي؟".

وتذكر ندى أنها عانت الأمرين مع ابنتها البالغة من العمر 24 سنة، ولم تستطع منعها من إجراء عملية تنحيف كادت تودي بحياتها. ولكنها أيضاً عادت بعد شفائها لتحقن شفتيها بالفيلر بشكل مبالغ به ما جعل ملامحها تتبدل كثيراً وفقدت نعومة وجهها.

وتقول "إن وسائل التواصل خلقت شرخاً بين الإنسان وذاته، ولم يعد أحد مقتنعاً بشكله، ونحن كأهل نعاني كثيراً مع أولادنا كي لا يدخلوا هذا البازار المرعب".

اقرأ المزيد

في المقابل، يلفت البعض إلى أن التعميم ليس منصفاً، مستشهدين بحالات تعرّضت لمضاعفات على رغم إجرائها الحقن لدى أطباء معروفين، معتبرين أن الأخطار تبقى موجودة في أي إجراء طبي، وإن كانت نسبتها تختلف باختلاف خبرة الممارس والالتزام بالمعايير الطبية.

وتذكر ربى التي خضعت لعدة عمليات تجميل إنه يجب التأكد من الطبيب واختصاصه وبراعته، وليس أن نختار أول إعلان افتراضي يظهر لأنه مناسب مادياً.

بدورها، تكشف فاطمة أنها عندما كانت تراجع طبيبها الذي أجرى لها عملية استئصال الزائدة، أخبرتها مساعدته أن الطبيب يقوم أيضاً بإجراءات تجميلية من فيلير وبوتكس وسواهما إذا كانت مهتمة للأمر. وتقول إنها عندما سألت الطبيب عن الأمر أجابها إنه بدل أن يسافر خارج لبنان بدأ بعمليات تجميل صغيرة تدر عليه ما يكفي، مشيراً إلى أنه يعمل فيها يوماً واحداً في الأسبوع وتساوي مدخول أسبوع كامل.

تقول فاطمة إن الأمر جعلها تفكر مرتين قبل معاودة الذهاب إليه، لأنها شعرت إنه سيفضل إبرة بوتوكس يجريها لزبونة بدقيقتين بدل أن يجلس في استشارة معها لنصف ساعة!

صناعة الطبيب النجم

في مراجعة علمية نشرتها مجلة "جراحة التجميل"، التي تصدر عن الجمعية الأميركية لجراحة التجميل، خلص باحثون إلى أن غالبية المنشورات الترويجية لعمليات التجميل على وسائل التواصل لا تصدر عن جراحين تجميليين مختصين، إنما عن أطباء من اختصاصات أخرى، أو حتى عن أشخاص لا يحملون شهادة طب من الأساس، يقدّمون أنفسهم كخبراء تجميل بثقة من يملك سنوات من الخبرة.

وهم ينتجون محتوى يحتاج إلى تحضير وتصوير وتمثيل وإعادة ومونتاج وفلتر كما يحتاج إي إعلان، وهذا ما يوقع بمطبات كثيرة. فالنجم هنا هو الطبيب أو الخبير، وقد لا يملك جاذبية الحضور والتعبير ويحتاج إلى تدريب أمام الكاميرا حتى لو كانت كاميرا هاتف، وإلى لفظ واضح، وكاريزما، إن لم تكن متوافرة فيه، فهي تحتاج إلى التهذيب والبلورة والتمرين، إضافة إلى المضمون الذي يجب أن يكون شفافاً وواقعياً وعلمياً.

كذلك وثّقت الدراسة مخاوف أخلاقية متكررة حول صور "قبل وبعد" مُعدّلة بالفلاتر لتضخيم الفارق، ومبالغات في وصف نتائج الإجراءات، وغياب شبه كامل للإفصاح عن الأخطار الحقيقية للعمليات في المحتوى الترويجي، مقابل حضور طاغٍ لموسيقى تصويرية ومؤثرات بصرية تجعل من عملية جراحية حقيقية أقرب إلى إعلان عطر.

والأخطر من ذلك هو "اقتصاد المؤثرين" في التجميل. إذ تقدّم بعض العيادات جلسات فيلر أو بوتوكس مجانية أو بأسعار رمزية مقابل أن يصور المؤثر أو المؤثرة تجربتها أمام عشرات ومئات آلاف المتابعين. وقد حقق هذا النموذج انتشاراً واسعاً بخاصة بين الفتيات الأصغر سناً، وهي فئة تتجه بشكل متزايد نحو الفيلر وحقن التجميل على أنواعها، بحسب ما رصدته تقارير أميركية تناولت صعود هذه الظاهرة على تطبيق "تيك توك"، إذ تحدث أطباء تجميل معتمدون عن قلقهم من أن نموذج الأعمال الكامل لمواقع التواصل يقوم على السعي وراء ما لا يمكن بلوغه، على حد تعبير أحدهم. بمعنى أن الجمال الذي يباع هو جمال غير موجود أصلاً، لكنه يُشترى بثمن حقيقي جداً على الجسد والمحفظة.

هذا إضافة إلى أن تحول الكاميرا إلى طرف ثالث دائم الحضور في غرفة العمليات قد يشتت العمل الطبي العلمي لمصلحة الفني أحياناً.

4-_%D9~1.JPG

تزداد بشكل كبير عمليات التجميل عالمياً (موقع بيكسلز)

المخالفات الأخلاقية الأكثر شيوعاً

وقد صنفت مراجعة بعنوان "أخلاقيات وسائل التواصل الاجتماعي في جراحة التجميل: مراجعة وتطبيق للمبادئ الأخلاقية الأربعة" المخالفات الأخلاقية الأكثر شيوعاً في هذا المجال وفق مبادئ الأخلاقيات الطبية الكلاسيكية الأربعة.

وهي خرق لمبدأ "استقلالية المريض" حين تنشر صور جراحية لمريض من دون موافقة صريحة أو من دون إخفاء ملامحه بشكل كافٍ، وخرق لمبدأ "عدم الإضرار" حين يتحول تصوير العملية إلى مصدر تشتيت يطيل مدتها الفعلية على طاولة الجراحة، إضافة إلى خرق صريح لمبدأ "العدالة" حين تمنح الأولوية في الحجوزات لمن يملك جمهوراً واسعاً بدل من يحتاج التدخل طبياً بشكل عاجل. وهذه لا تعد تفاصيل هامشية، لأنها جوهر العلاقة بين الطبيب ومريضه.

في المقابل، أصدرت الجمعية الأميركية لجراحي التجميل إرشادات صارمة لضبط علاقة أعضائها بالمؤثرين، تلزمهم بالشفافية والإفصاح عن أي مقابل مادي أو عيني. لكن هذه الإرشادات تبقى طوعية إلى حدّ بعيد، كونها لا تملك قوة القانون، ما يجعلها أشبه بلافتة "ممنوع التدخين" في غرفة مليئة بالدخان.

مناجم البوتوكس والفيلر وحقن الوزن

تحتاج جراحات التجميل عادة مثل الأنف والثدي إلى غرفة عمليات وتخدير وأسبوع من النقاهة. في حين إن ما يُدرّ فعلاً على العيادات هو "الإجراءات السريعة" التي تحتاج دقائق معدودة، حقنة ثم صورة "سيلفي" عند الخروج. ويتصدر البوتوكس والفيلر قائمة الإجراءات الأكثر ربحية عالمياً بلا منازع، بفضل هامش ربح مرتفع وتكرار دوري يضمن عودة الزبون كل بضعة أشهر، وهو ما يجعلهما العمود الفقري لنموذج العمل التجاري لأي عيادة تجميل حديثة.

لكن النجم الأحدث في هذه الصناعة هو إبر إنقاص الوزن، وعلى رأسها عائلة "أوزمبيك" و"مونجارو" وما شابههما من أدوية طُورت أصلاً لعلاج داء السكري، قبل أن يكتشف أنها تصلح كذلك لتسويق حلم النحافة السريعة. فقفزت القيمة السوقية لشركات هذه الأدوية إلى مئات المليارات من الدولارات خلال سنوات قليلة، وتشير تقديرات "مصرف أميركا" إلى أن سوق إبر التنحيف قد يتجاوز 105 مليارات دولار بحلول 2030. وعلى رغم فاعلية هذه الأدوية المثبتة سريرياً تحت إشراف طبي، فإنها تُصرف في كثير من عيادات التجميل من دون الحد الأدنى من المتابعة، وبوصفة خارج الاستطباب الرسمي".

ولكن ما يجمع هذه الإجراءات الثلاثة، البوتوكس والفيلر وإبر الوزن، هو طريقة تسويقها، إذ تقدَّم دوماً بوصفها حلاً سريعاً من قبل "طبيب ساحر" وبلا كلفة نفسية أو جسدية، في وقت تُخفى فيه حقيقة أنها إجراءات طبية لها بروتوكولات وحدود وموانع استعمال، ويحتاج أي منها إلى تقييم طبي جدي قبل الحقنة الأولى وليس فقط بعدها.

سيكولوجيا الجسد المثالي

لفهم لماذا يواصل الناس التهافت على هذه العيادات على رغم كل قصص التشوه وحتى الوفاة، لا بد من العودة إلى الجذر النفسي للمسألة. فلقد أظهرت دراسة "الجمال والثقة" العالمية التي أجرتها شركة "دوف" بمشاركة عشرات آلاف النساء والفتيات حول العالم أن نسبة من يعتبرن أنفسهن جميلات لا تتجاوز أربعة في المئة فقط، ارتفاعاً من اثنين في المئة قبل عقدين، وأن نصف الفتيات المراهقات تقريباً يقررن أن النصائح المثالية المتعلقة بالجمال على منصات التواصل هي سبب مباشر لتراجع تقديرهن لذاتهن. وكلما ازداد استهلاكنا لصور معدّلة بالفلاتر لأجساد لا وجود لها في الواقع، ازداد شعورنا بالنقص أمام أجسادنا الحقيقية، وهنا بالضبط يبدأ عمل التسويق التجميلي الذي يقدمه "النجم" الذي يرتدي الرداء الأبيض. فهو لا يبيع عملية تجميل بحد ذاتها، إنما كمعظم الحملات التسويقية تبيع حلاً لأزمة هي نفسها من صنعتها.

وهذه الدوامة يدور فيها جيل كامل من الفتيات نشأ وهو يقيس جماله على معيار أنف مغنية أو شفاه ممثلة، وتحولت عملية التجميل من سر يخفى وراء أسبوعين من الاختباء المنزلي، كما كانت الحال في السبعينيات، إلى إنجاز يحتفى به علناً فور مغادرة غرفة العمليات مع صورة سيلفي أحياناً.

وقد سمى علم النفس السريري هذه الحالة "ديسمورفيا سناب شات" ومعنى ديسمورفيا "تشوه أو اختلال الشكل"، وهو مصطلح تتداوله دراسات حديثة لوصف المرضى الذين يصلون إلى عيادات التجميل حاملين صورة "سيلفي" معدلة بفلاتر تكبير العينين وتنحيف الأنف، طالبين من الجراح أن يجعل وجههم الحقيقي مطابقاً لوجههم الرقمي المزيف. هذه الحالة، التي تتقاطع مع ما يعرف طبياً باضطراب تشوه صورة الجسد، تضع الطبيب أمام معضلة أخلاقية صريحة، فهل يلبّي طلباً مستحيلاً من الناحية التشريحية لمجرد أن "الزبون" مستعد للدفع، أم يتوقف ليسأل عما إذا كان أمامه مريض نفسي يحتاج إحالة إلى اختصاصي قبل أي حقنة أو مشرط؟ ولكن كثير من العيادات التجارية لا تملك وقتاً ولا حافزاً لطرح هذا السؤال!

1-%D8%~1.JPG

الكاميرا داخل غرف العمليات قد تشتت الطبيب (موقع بيكسلز)

الفجوة الأخلاقية والقانونية

وإذا ما تحققنا مما حولنا سنجد أن هذا التوسع الهائل في صناعة التجميل يحدث في ظل رقابة تكاد تكون معدومة على المحتوى الترويجي تحديداً. فنقابات الأطباء في أكثر من بلد عربي، بما فيها لبنان، تدرك المشكلة وتحاول التحرك. وقد عقدت نقابات أطباء إقليمية اجتماعات لمناقشة آليات مواجهة انتحال صفة الطبيب والتصدي للمحتوى الطبي غير الموثوق على وسائل التواصل، وبدأت أخرى صياغة أنظمة لضبط الإعلانات الطبية الرقمية. لكن هذه الجهود، بحسب اعتراف نقابيين أنفسهم، تصطدم بواقع أن المنصات الرقمية أسرع بكثير من أي نظام تشريعي، وأن ملاحقة كل مقطع فيديو أو منشور دعائي تحتاج موارد لا تملكها في الغالب نقابة طبية تقليدية.

وهكذا تتسع الفجوة أكثر حين يتقاطع غياب الرقابة مع غياب الوعي القانوني لدى المريض نفسه، الذي نادراً ما يسأل عن رخصة الطبيب أو شهادته قبل أن يسأل عن السعر أو الموعد. وقد شدد أطباء تجميل مرخّصون، في تصريحات إعلامية عقب توقيف منتحلي الصفة، على أن أبسط حقوق أي شخص مقبل على إجراء تجميلي هو التحقق من هوية الطبيب ومؤهلاته عبر نقابة الأطباء، وأن الوقوع في فخ الأسعار الرخيصة أو الإعلانات المغرية غالباً ما ينتهي بمضاعفات خطيرة وتشوهات تحتاج جراحات تصحيحية معقدة ومكلفة، وقد لا تعيد المظهر إلى طبيعته بالكامل أبداً.

وما يفاقم المشكلة أكثر أن المنصات الرقمية نفسها، التي تعدّ اليوم الواجهة الفعلية لهذا التسويق، نادراً ما تفعّل سياساتها المعلنة بشأن الإعلانات الطبية. فبينما تشترط منصات كبرى نظرياً وجود ترخيص طبي موثق للترويج لإجراءات تجميلية أو أدوية، تكشف تجربة المستخدم اليومية أن آلاف الحسابات تروّج علناً لإبر تنحيف ومواد حقن مجهولة المصدر بلا أي تدقيق فعلي، لأن خوارزميات الإعلانات مصممة لتعظيم التفاعل وليس للتحقق من الشهادات الطبية. لذا فالنتيجة معادلة قاسية، إذ كل طرف في السلسلة، من المنصة التي تربح من الإعلانات، والمؤثر الذي يربح من العمولة، والعيادة التي تربح من الزبون، كل له مصلحة مباشرة في استمرار التدفق، ولا أحد من هؤلاء يتحمل مباشرة كلفة الضرر حين تسوء النتيجة على جسد إنسان.

أخلاقيات التسويق الطبي

بعض الإعلانات لهذه العيادات مدعاة للتساؤل إن كان يحق للطبيب أخلاقياً بناء علاقته مع مرضاه أو جمهوره على قاعدة الخوف من التقدم في السن أو النقص الجسدي بدلاً من بناء ثقة علاجية حقيقية. لقد تناولت مراجعات علمية متعددة أخلاقيات التسويق الطبي الرقمي، واعتبرت أنه يكمن في ثلاثة معايير غائبة اليوم عن كثير من العيادات، وهي الصدق في الإعلان، وتجنّب استغلال الفئات الأكثر هشاشة نفسياً، والحفاظ على نزاهة المهنة بعيداً من منطق "الترند".

ولكن من المهم الالتفات إلى أن ليست عيادات التجميل شرّاً مطلقاً، فوراء كل هذه الأرقام أطباء حقيقيون بمهارات حقيقية غيّروا حياة مرضى عانوا من حروق أو تشوهات خلقية أو ندوب حرب وندوب نفسية. فالمشكلة ليست في المشرط، إنما في اليد التي تحمله حين تنحاز لكاميرا الهاتف أكثر من انحيازها لقسم "أبقراط"، الذي يعرف بأنه ميثاق أخلاقي شهير لمهنة الطب.

فحين يصبح عدد المتابعين مقياساً للكفاءة، وتتحول شاشة صغيرة إلى غرفة انتظار افتراضية يُصطاد فيها المرضى بابتسامة "قبل وبعد"، يخسر الطب جوهره بأن يكون علماً في خدمة الإنسان، وليس محتوى في خدمة الخوارزمية والجيوب التي وراءها.