ملخص

تسبب تراجع الهالة المقدسة حول ولي الفقيه وانشغاله بالرموز الوطنية المحبوبة لدى الإيرانيين، كإحياء ذكرى كورش الكبير ودعمه دخول النساء إلى الملاعب، في اعتبار النظام هذه التحركات خطرًا جديًا. وردًا على ذلك، قرر مجلس خبراء القيادة استبعاد أي شخصية مرتبطة بأحمدي نجاد من الترشح للانتخابات.

هذه التطورات تعكس تحولًا في موقف أحمدي نجاد من كونه جزءًا من النظام إلى معارض صريح، مما يسلط الضوء على الصراع الداخلي بين التيارات المختلفة في إيران.

قبل توليه الرئاسة، كان محمود أحمدي نجاد يُعد من الشخصيات الموالية لهيكل السلطة، وكان مقربًا من المرشد. ولعب الدعم الكامل من المرشد السابق له في انتخابات 2005 دورًا حاسمًا في فوزه. وتاريخه في دعم النظام، إلى جانب الشائعات حول دوره في أحداث مثل احتلال السفارة الأمريكية، جعلته في نظر بعض دوائر الحكم شخصية "ثورية" وموضع ثقة.

لكن أحمدي نجاد، بعد وصوله إلى السلطة، اصطدم بالفساد البنيوي داخل مؤسسات الحكم، ولا سيما "الحرس الثوري"، والشبكات المرتبطة بمكتب المرشد، ومافيات أقارب المسؤولين المرتبطين بالنظام، ووجد أن عمليات الاختلاس التي بلغت مليارات الدولارات تحت غطاء الالتفاف على العقوبات عبر شركات وهمية، إضافة إلى نفوذ هذه الشبكات في الاقتصاد، أمور لا يمكنه تحملها. من هنا أدخل إلى الخطاب السياسي والاجتماعي الإيراني مصطلح "الإخوة المهربين"، في إشارة ساخرة إلى عناصر "الحرس الثوري" الذين استفادوا من تجارة العقوبات.

جدوى ولاية الفقيه

ومع مرور الوقت، بدأ أحمدي نجاد يعلن معارضته بصورة أكثر وضوحاً، بل قال رداً على سؤال حول احتمال خطأ المرشد "المرشد إنسان، ويخطئ، وليس معصوماً". وكان هذا الموقف بداية العداء بينه وأوساط في "الحرس الثوري" والدائرة المقربة من مكتب المرشد.

خلال ولايته الأولى، التزم الصمت تجاه بنية الحكم، لكنه في ولايته الثانية بدأ يدعو إلى تغييرات مؤسسية وأعلن مواقفه المعارضة بشكل أكثر وضوحًا. وسعى لإيصال شخصيات مقربة منه إلى البرلمان والمجالس المحلية لتشكيل أغلبية برلمانية، وتبنى على المستوى الوطني فكرة عدم ضرورة ولاية الفقيه.

اقرأ المزيد

أدى تقليص هالة القداسة المحيطة بولي الفقيه، واهتمامه بالرموز الوطنية التي تحظى بشعبية لدى الإيرانيين، من إحياء ذكرى كورش الكبير إلى دعمه السماح للنساء بدخول الملاعب الرياضية، إلى اعتبار النظام هذه الخطوات تهديداً جدياً. ورداً على ذلك قرر مجلس خبراء القيادة منع أية شخصية محسوبة على أحمدي نجاد من خوض الانتخابات.

وبعد انتهاء ولايته الثانية، ازدادت الضغوط عليه. فقد سجن مساعداه إسفنديار رحيم مشائي وحميد بقائي عامي 2015 و2017. وأصيب بقائي بمشكلات نفسية، بينما نقل مشائي من السجن إلى المستشفى، ثم اختفى قبل نقله إلى مستشفى للأمراض النفسية. وعلى رغم فشل محاولات تلفيق ملفات قضائية ضد أحمدي نجاد نفسه، فإنه منع من الترشح مجدداً للرئاسة.

فراغ في السلطة وتهديدات

بعد مرور جولتين من الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة، ومقتل مرشد النظام الإيراني، وظهور فراغ في السلطة، أصبح "الحرس الثوري" عملياً القوة الوحيدة المهيمنة. وفي هذه الظروف، يمثل أحمدي نجاد تهديداً رئيساً لـ"الحرس"، ومصدر قلق حقيقياً له.

ويعود ذلك أساساً إلى شعبيته الواسعة، ولا سيما في القرى وأطراف المدن. فقد أظهرت جولاته في المحافظات خلال العامين الماضيين حجم قاعدته الشعبية بين الفئات الفقيرة والمهمشة، التي ترى فيه الرجل الذي تمكن، خلال رئاسته، من مواجهة الفقر المزمن والتمييز الاجتماعي من خلال برامج الدعم النقدي والإسكان والخدمات الصحية.

ومن الأمثلة على ذلك الاحتجاجات المرتبطة بمشكلات محلية في مدينة "شانديز" قرب مشهد في أبريل (نيسان) 2019، إذ كانت التجمعات في مركز المدينة محدودة وتحت السيطرة، بينما كان حضور أنصار أحمدي نجاد لافتاً في الضواحي والمناطق الريفية، وهو أمر لم يحظَ آنذاك باهتمام كبير.

روايات "نيويورك تايمز"

هذا التمهيد يقود إلى مقالين لافتين نشرتهما صحيفة "نيويورك تايمز" حول محمود أحمدي نجاد، تضمنا مزاعم عن ارتباطه بإسرائيل وخطة لـ"الموساد" للاستفادة منه، وهي روايات تذكر بأساليب غرف عمليات استخبارات "الحرس الثوري" في تشويه الشخصيات وتلفيق الملفات لمعارضي النظام.

وبحسب المقالين، زودت "مصادر استخباراتية مجهولة" وسائل إعلام مثل "نيويورك تايمز" بمعلومات تهدف، فيما يبدو، إلى تصوير أحمدي نجاد على أنه "عميل أجنبي". في وقت توجد وقائع موثقة عن محاولات لاغتياله من داخل النظام، من بينها العبث بمكابح سيارته بعد إصلاحها داخل مؤسسة الرئاسة وتحت إشراف وحدة المراسم، في خطوة يعتقد أنها هدفت إلى تدبير حادثة سير تؤدي إلى تصفيته، وتعرض لحادثة مشابهة خلال زيارة إلى تركيا.

ويزعم تقرير "نيويورك تايمز" الأخير أن إسرائيل عملت سنوات على استقطاب أحمدي نجاد و"إعداده"، وأنها التقته في المجر، بل حاولت خلال الأيام الأولى من الحرب، بعد قصف منزله بهدف تحييد مراقبي استخبارات "الحرس الثوري"، نقله إلى ملجأ آمن تابع لـ"الموساد". ويقول التقرير الجديد إنه نقل بالفعل إلى ذلك الملجأ، وأصيب بجروح، وأصبح غير راضٍ عن الخطة، ويخضع حالياً لإقامة جبرية تحت رقابة "الحرس الثوري".

إلا أن هذه الرواية تتضمن تناقضات واضحة. فإذا كان الهدف هو تنصيب أحمدي نجاد قائداً مستقبلياً، فلماذا استهدف منزله بقصف كان يمكن أن يؤدي إلى مقتله؟ وكيف تمكن عملاء "الموساد" من نقله إلى ملجأ آمن، ثم لم يستثمروا حال الفوضى لتنفيذ خطتهم؟

هذا التناقض بين استهدافه وإنقاذه يثير تساؤلات حول صدقية هذه الروايات، إضافة إلى أن أحمدي نجاد عرف خلال رئاسته بمواقفه الحادة ضد إسرائيل، من بينها إنكار المحرقة، وترديده شعارات في شأن إزالة إسرائيل، فضلاً عن حديثه المتكرر، استناداً إلى وثائق قال إنه يمتلكها، عن علاقات بين مسؤولين كبار في النظام الإيراني وإسرائيل.

وخلال ولايته الثانية، دخل في مواجهة مع ما وصفه بـ"مافيا" وزارة الاستخبارات و"الحرس الثوري"، فأقال وزير الاستخبارات المحسوب على المرشد، وأمر باقتحام مبنى الوزارة، واستولى على وثائق مهمة منها. وبعد مواجهته مع المرشد السابق، اعتكف في منزله أياماً عدة، ولوح بالاستقالة.

زراعة الشك

وفي الأيام الأولى من الحرب، عاد إلى التداول على نطاق واسع مقطع مصور له يعود إلى عام 2021، يتحدث فيه عن تعاون مسؤولين داخل النظام الإيراني مع إسرائيل، ويقول فيه إن "أعلى مسؤول عن مكافحة التجسس الإسرائيلي في وزارة الاستخبارات تبين أنه جاسوس لإسرائيل".

ومن هذا المنطلق، قد يكون نشر مثل هذه الروايات، سواء عبر أطراف داخل إيران أو خارجها، يهدف إلى زرع الشك بين أنصار أحمدي نجاد، إضافة إلى تصفية حسابات مع مواقفه السابقة.

اليوم لا ينظر إلى أحمدي نجاد بوصفه رئيساً سابقاً فحسب، بل باعتباره رمزاً لـ"معارض من داخل النظام"، احتج على الفساد البنيوي، ولا يزال يحظى بتأييد قطاعات تقليدية، خصوصاً في القرى.

ويرى "الحرس الثوري" فيه تهديداً لاحتكاره السلطة، بينما تبدو الروايات الإسرائيلية محاطة بتناقضات واضحة، مما يوحي بأنها صيغت بدرجة كبيرة بهدف تعميق الانقسام وزرع عدم الثقة.

وفي ظل الفراغ الذي أعقب اغتيال قيادات سياسية وعسكرية في النظام الإيراني، وسيطرة "الحرس الثوري" الفعلية على السلطة، سيظل مستقبل إيران السياسي مرهوناً بقدرة النظام على إدارة هذه الانقسامات الداخلية، وبحجم الدعم الشعبي الذي قد تحظى به القوى المختلفة.

وفي المقابل، فإن التحليلات الأحادية التي تتجاهل التناقضات الواردة في هذه الروايات، وتعتمد على مصادر مجهولة الهوية، تضعف صدقيتها. ويبدو أن رغبة إسرائيل في الانتقام من خصم قديم وعنيد، بالتوازي مع سعي "الحرس الثوري" إلى التخلص من التهديدات الداخلية التي يواجهها، أسهما في إنتاج هذه الرواية المثيرة، التي وجدت طريقها إلى وسائل إعلام غربية بعدما أحيطت بكثير من الإضافات والتفاصيل.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

يمثل أحمدي نجاد تحديًا مباشرًا للحرس الثوري، خاصة بعد تراجع نفوذ المرشد ومقتله، مما يزيد من احتمالية صراع على السلطة. وتظل شعبيته بين الفئات المهمشة مصدر قلق للنظام، حيث قد يستغلها لحشد الدعم في أي مواجهة مستقبلية. كما أن منعه من الترشح يظهر خوف المؤسسة الحاكمة من قدرته على إحداث تغيير جذري.