زحام الألقاب وفراغ الأثر
للفن شمولية لا يمكن إنكارها، وللإبداع مساحات لا تقف عند باب واحد. فالإنسان قد يحمل أكثر من موهبة، وقد يجمع بين الكتابة والرسم والإعلام والسرد والعمل الوظيفي والحياة الأسرية، دون أن يكون في ذلك ما يعيبه. بل إن التاريخ، قديمه وحديثه، عرف نماذج لافتة لأشخاص جمعوا بين مجالات بدت متباعدة؛ كالعلوم والفنون، والطب والأدب، والفلسفة والسياسة.
هؤلاء يُطلق عليهم غالبًا وصف "الموسوعيين"، وهم الذين اتسعت عقولهم وتجاربهم لما هو أبعد من التخصص الواحد. ففي التاريخ العربي والإسلامي برز ابن سينا طبيبًا وفيلسوفًا وشاعرًا، والحسن بن الهيثم عالمًا في البصريات والرياضيات والفلسفة، وابن رشد فقيهًا وقاضيًا وفيلسوفًا وطبيبًا. وفي التاريخ العالمي يحضر ليوناردو دا فينشي بوصفه النموذج الأشهر للموسوعي، إذ جمع بين الرسم والهندسة والتشريح والابتكار.
لكن السؤال الجوهري ليس: هل يمكن للإنسان أن يكون متعدد المواهب؟ فالجواب نعم. إنما السؤال الأهم: متى يكون هذا التعدد حقيقيًا؟ ومتى يتحول إلى مجرد تكديس للألقاب؟
الفارق كبير بين موسوعي يسبق أثره اسمه، وبين شخص يسبق اسمه بسلسلة طويلة من الصفات. فالموسوعية لا تصنعها البطاقة التعريفية، ولا يثبتها أن يكتب الإنسان عن نفسه أنه فنان تشكيلي، وإعلامي، وروائي، وقاص، وكاتب، وموظف، ورب أسرة في الوقت ذاته. هذه الصفات لا تكتمل إلا حين يكون خلف كل واحدة منها منجز واضح، وعمل يمكن الإشارة إليه، وتجربة تشهد لصاحبها.
وفي زمن السرعة، صار النشر أسهل، والظهور أسرع، والحضور متاحًا للجميع. وجاء عصر الذكاء الاصطناعي ليزيد المشهد التباسًا؛ إذ بات بالإمكان إنتاج نصوص وصور وأفكار في دقائق، وأصبح من السهل أن يبدو الإنسان غزير الإنتاج، حاضرًا في كل حقل، متقنًا لكل فن. لكن الغزارة الرقمية لا تعني بالضرورة عمقًا إبداعيًا، كما أن سهولة الإنتاج لا تمنح صاحبها صفة المبدع ما لم يكن خلفها وعي، ورؤية، وتجربة، وبصمة شخصية.
وتزداد المسألة حساسية حين يدخل "كاتب الظل" أو "رسام الظل" إلى المشهد فهناك من يشتري نصوصه، أو يطلب لوحاته، أو يستعين بمن يصنع له أعمالًا كاملة ثم يضع اسمه عليها. وهنا لا يصبح السؤال عن تعدد المواهب فقط، بل عن أخلاقيات النسبة وصدق الملكية الإبداعية.
ثم إن الحياة الأسرية ليست تفصيلًا هامشيًا في معادلة الوقت فهي مسؤولية يومية، ورعاية، وحضور وجداني لا يقل قيمة عن أي منجز خارجي. ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يستطيع الإنسان أن يمنح كل هذه المجالات حقها من العمق، دون أن يتحول بعضها إلى مجرد عنوان بلا أثر؟
إن الفن شامل، نعم، والإبداع قد يتسع لأكثر من طريق، لكن الصدق وحده هو ما يمنح الألقاب قيمتها. فالموهبة المتعددة لا تُدان، والتقنية لا تُرفض، والمساعدة لا تُستنكر حين تكون واضحة، لكن اللقب لا يكتمل إلا حين يصدّقه المنجز، ويشهد عليه الأثر، وتدعمه الأمانة.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.