وزير التعليم

وزير التعليم

الجمعة/السبت 10 يوليو 2026

لم يعد التحدي الحقيقي أمام المملكة هو في التوسع لعدد الجامعات السعودية أو البرامج الأكاديمية أو المباني الحديثة، بل في قدرتها على التحول إلى جامعات مؤثِّرة عالميًا، قادرة على إنتاج المعرفة، وقيادة البحث العلمي، وصناعة الابتكار، والمساهمة الفعلية في الاقتصاد الوطني.

فعلى الرغم من التوسع الكبير الذي شهدته منظومة التعليم العالي خلال العقود الماضية، لا تزال بعض من الجامعات -الحكومية والخاصة- تواجه تحديات تتعلق بجودة المخرجات، وتحسين الأثر البحثي، والتوجه نحو الابتكار، وتطوير العلاقة بين الجامعة والاقتصاد وسوق العمل.

فالجامعات لم تعد مجرد مؤسسات تمنح الشهادات، بل أصبحت أدوات إستراتيجية للدول الكبرى في بناء النفوذ العلمي والاقتصادي والتقني.

وقد لخّص نيلسون مانديلا هذه الحقيقة حين قال: «التعليم هو أقوى سلاح يمكن استخدامه لتغيير العالم».

لكن التعليم الذي يغيِّر العالم هو التعليم الذي يقود البحث والمعرفة والابتكار.

وحين ننظر إلى دول مجموعة العشرين نجد أن الدول الأكثر تقدمًا لم تحقق تفوقها الجامعي من خلال التوسع العددي فقط، بل عبر بناء منظومات مستقلة وقوية للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.

في الولايات المتحدة، تُدار الجامعات باستقلالية واسعة أكاديميًا وماليًا، وتتحول الجامعات الكبرى إلى مراكز لإنتاج التقنية والشركات العملاقة والابتكار العالمي.

وفي المملكة المتحدة، يوجد فصل واضح بين إدارة التعليم المدرسي ومنظومة التعليم العالي والبحث العلمي، ما منح الجامعات البريطانية مرونة كبيرة في التطوير والاستقطاب والشراكات الدولية.

أما كوريا الجنوبية، فقد جعلت الجامعات والبحث العلمي جزءًا مباشرًا من مشروعها الاقتصادي والتقني، فتحولت خلال عقود قليلة إلى واحدة من أكثر الدول تأثيرًا في التقنية والصناعة والابتكار.

وفي الصين، لم يكن صعود الجامعات الصينية عالميًا نتيجة الصدفة، بل نتيجة استقلالية تنظيمية، واستثمارات مركزة، وربط مباشر بين الجامعات والاقتصاد الوطني والتقنيات المستقبلية.

وقد قال ألبرت أينشتاين: «الخيال أهم من المعرفة، لأن المعرفة محدودة».

وهذا بالضبط ما تصنعه الجامعات العظيمة؛ فهي لا تكتفي بتلقين المعرفة، بل تصنع الخيال العلمي والقدرة على الابتكار والتغيير.

حتى دول مثل أستراليا وكندا تعاملت مع التعليم العالي باعتباره قطاعًا إستراتيجيًا مستقلًا، يرتبط بالاقتصاد والبحث والابتكار أكثر من ارتباطه بالإدارة التعليمية التقليدية.

أما في السعودية، فرغم الدعم الكبير الذي يحظى به التعليم، لا تزال بعض الجامعات تواجه تحديات متراكمة، أبرزها:

- ضعف التأثير البحثي العالمي في كثير من التخصصات.

- محدودية تحويل الأبحاث إلى منتجات وشركات وتقنيات.

- ضعف البيئة الابتكارية في بعض الجامعات.

- وتفاوت الجودة بين المؤسسات التعليمية.

وفي بعض الحالات، أصبحت بعض الجامعات تركِّز على التوسع الشكلي: افتتاح برامج جديدة، وزيادة أعداد الخريجين، أكثر من تركيزها على بناء جامعة منتجة للمعرفة وقادرة على المنافسة الدولية.

وقد عبّر ستيف جوبز عن جوهر التقدم الحقيقي بقوله: «الابتكار هو ما يميز القائد عن التابع».

والجامعات التي لا تقود الابتكار ستظل مجرد مؤسسات تمنح شهادات، مهما بلغ حجمها أو إنفاقها.

المشكلة ليست في الكفاءات السعودية، ولا في الطموح الوطني، بل في الحاجة إلى تركيز على التعليم العالي بمرونة وأكثر تخصصًا باعتباره قطاعًا مختلفًا بطبيعته وأهدافه وتحدياته.

فالجامعة تختلف جذريًا عن التعليم العام: في طبيعة الإدارة، وفي التشريعات، وفي التمويل، وفي العلاقة بالاقتصاد، وفي سرعة اتخاذ القرار، وفي متطلبات البحث العلمي والابتكار.

وهذا يعني:

- التركيز الكامل على تطوير الجامعات الحكومية والخاصة.

- بناء سياسات بحثية أكثر فاعلية.

- ربط الجامعات بالصناعة والاقتصاد.

- دعم الابتكار وريادة الأعمال التقنية.

- استقطاب المواهب العالمية.

- وتحويل الجامعات إلى محركات تنمية حقيقية.

وقد قال بيتر دراكر: «أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي صناعته.»

وصناعة المستقبل اليوم تبدأ من الجامعات، ومن البحث العلمي، ومن بيئات الابتكار.

كما أن استقلالية التعليم العالي ستمنح الجامعات قدرة أكبر على:

- تطوير برامجها بسرعة.

- بناء شراكات دولية.

- إنشاء مراكز بحث متقدمة.

- وخلق بيئة تنافسية حقيقية بين الجامعات.

العالم اليوم لا يقيس قوة الدول بعدد الجامعات فقط، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة والتقنية والابتكار.

والسعودية، وهي عضو مؤثر في مجموعة العشرين، تملك كل المقومات التي تؤهلها لبناء جامعات عالمية، لكن ذلك يتطلب مرحلة جديدة من التطوير المؤسسي، يكون فيها التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار قطاعًا يقود المستقبل، لا ملفًا إداريًا ضمن ملفات متعددة.

إن التطوير المؤسسي للتعليم العالي ليست هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لدعم الجامعات السعودية، وتحويلها إلى جامعات تصنع المعرفة، وتنافس عالميًا، وتشارك فعليًا في بناء اقتصاد المستقبل.

** **

- د. خالد بن سرحان المطيري