شدَّ انتباهي برنامج حواري في إحدى الدول الغربية، كان مقدمه يجري مقابلات عفوية مع النساء في الشارع، ويطرح عليهن سؤالًا بدا في ظاهره شديد البساطة: "هل أنتِ امرأة؟". ثم يتبعه بسؤال آخر: "ما معنى أن تكوني امرأة؟". توقعت إجابات تلقائية لا تحتاج إلى تفكير، لكن المفاجأة أن السؤال الذي ظل عبر التاريخ من المسلمات أصبح عند بعض المشاركات محل تردد واضطراب. قالت إحداهن إنها امرأة لأنها تهتم ببشرتها، وتتسوق، وتعتني بمظهرها، فسألها المذيع: "أليس هناك رجال يفعلون ذلك أيضًا؟" فتوقفت قبل أن تجيب: "ربما لأنني أنجب الأطفال". أما مشاركة أخرى فقد أنكرت أصلًا أنها امرأة!

وقد تبدو هذه المشاهد غريبة لمن ينتمي إلى مجتمعات مازالت الأسرة فيها تؤدي دورها التربوي، لكنها في الحقيقة تكشف تحولات فكرية وثقافية عميقة شهدتها بعض المجتمعات. فحين تضعف الأسرة، ولا تعود المرجع الأول في التربية، يصبح من الطبيعي أن تضطرب حتى المفاهيم التي كانت تُعد من بدهيات الحياة، وفي مقدمتها الهوية الجنسية. فالهوية الجنسية لا تتكون تلقائيًا، ولا تُكتسب من وسائل التواصل الاجتماعي، ولا من المؤثرين، ولا من الثقافة الاستهلاكية، وإنما تبدأ ملامحها الأولى داخل الأسرة. فمنذ السنوات الأولى يتعلم الطفل من والديه معنى أن يكون ذكرًا أو أنثى، ليس من خلال المحاضرات، بل من خلال القدوة، واللغة، والعلاقات الأسرية، وتوزيع المسؤوليات، والحوار، والشعور بالأمان والانتماء. وحين تنسحب الأسرة من هذا الدور، أو تفوضه بالكامل إلى المؤسسات غير التربوية كالمنصات الرقمية، فإنها تترك أبناءها في مواجهة سيل من الرسائل المتناقضة، فيجد بعضهم نفسه حائرًا أمام أسئلة كانت تعد إلى وقت قريب من المسلمات. وهنا لا يعود الاضطراب نتيجة سؤال واحد، بل نتيجة غياب المرجعية التربوية التي تمنح الإنسان الثقة في فهم ذاته.

ولذلك فإن اختزال معنى المرأة في التجميل، أو الأزياء، أو التسوق، أو غيرها من المظاهر التي قد ترتبط غالبا بها، يكشف انتقال تعريف الهوية الجنسية من حقيقتها الإنسانية إلى صورها الاستهلاكية. لذلك فإن علاج هذا الارتباك يكون بإعادة الاعتبار للأسرة. فكل ساعة يقضيها الأب مع ابنه، وكل حوار تجريه الأم مع ابنتها، وكل قيمة تُغرس داخل المنزل، هي استثمار في بناء الهوية الجنسية للأجيال القادمة. كما أن المدرسة، والإعلام، والمؤسسات الثقافية، مطالبة بأن تكون شريكًا للأسرة لا بديلًا عنها.

لقد استخلصت من متابعتي لهذا البرنامج العميق في فكرته أن أخطر ما قد تخسره المجتمعات هو فقدان اليقين في أبسط الأسئلة المتعلقة بالإنسان. وإذا كانت الأسرة هي أول مؤسسة يبني فيها الطفل لغته، ودينه، وقيمه، فإنها أيضًا المؤسسة الأولى التي تُرسِّخ هويته الجنسية. ومتى أدركت الأسرة عظمة هذه الرسالة، استطاعت أن تبني أفرادًا أكثر ثقة بأنفسهم، وأكثر قدرة على مواجهة الاضطراب الفكري، وأكثر استقرارًا في ذواتهم، وهو الاستقرار الذي يبدأ منه استقرار المجتمع كله.

لذلك أستطيع القول إن الحضارات لم تبدأ حين عرف الإنسان استخدام المعدن، أو صنع الآلة من الأدوات المختلفة، بل حين عرف أولًا من هو، وما هي هويته الجنسية، وما دوره المترتب عليها. وهنا بدأت التفاعلات البشرية مصداقا لقوله تعالى "يَأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقنَكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلنَكُم شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ الله أَتقَاكُم إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِير".. (الحجرات: 13).