يطرح الفيلم السوري «فوتوغراف» سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره، عما يبقى للإنسان عندما تتغير الأمكنة، وتتبدل الأيام، وتتساقط التفاصيل التي كان يظنها ثابتة، فالأشياء لا تمنحنا هويتنا، لكن الذكريات التي تعلقنا بها هي التي تفعل ذلك.

طاف الفيلم الروائي القصير مهرجانات عدة. وحاز، أخيراً، جائزة «العدالة والسلام» من مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في دورته التاسعة، الذي أقيم في يونيو (حزيران) الماضي بمدينة لاهاي الهولندية.

يُسلط «فوتوغراف» الضوء على تداعيات الحرب في سوريا، وأثرها على عمالة الأطفال وحرمانهم من التعليم لدعم أسرهم مادياً، وأنتجت الفيلم المؤسسة العامة للسينما السورية، وكتبت السيناريو والحوار بثينة نعيسة، والفيلم بطولة سليمان الأحمد، وغالب شندوية، وجمال العلي، وصفوح ميماس، وإخراج المهند كلثوم.

ويروي الفيلم حكاية صبيين تربطهما صداقة عميقة؛ «سلطان» و«يحيى»، اللذين يتجولان في مدينتهما وسط أنقاض المباني وبقايا الأثاث ومتعلقات بقيت شاهدة على حياة كانت هنا ولم تعد، بينما يقيمان في معسكرات الإيواء، ويقود سلطان صديقه يحيى، بعد أن فقد بصره ليقوما بجمع بقايا أدوات تحت الأنقاض لبيعها لأحد التجار مقابل ليرات معدودة، وبينما يبحثان في أنقاض بيت «يحيى» يعثران على كاميرا تخص عائلته، ينجحان في تشغيلها، فيلتقطان صوراً لبعضهما وسط البنايات المنهارة، لتصبح هذه اللقطات الفوتوغرافية شاهداً على ذكرياتهما، وفيما يحاول سلطان أن يلتقط مزيداً من الصور يسقط ركام المبنى فوق رأس صديقه.

ويقول المخرج المهند كلثوم إن «الجائزة التي حصل عليها الفيلم أكدت لي أن السينما ما زالت قادرة على أن تفتح حواراً بين البشر على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن القيمة الحقيقية لأي جائزة تكمن في السؤال الذي تطرحه: لماذا وصل هذا الفيلم إلى الناس، و«منذ بدايته وفيلم (فوتوغراف) لم يكن يبحث عن التعاطف، ولا عن إدانة أحد، بل كان يحاول أن يقترب من الإنسان عندما يكون مضطراً لأن يتمسك بما تبقى من ذاكرته وكرامته، لذا شعرت أن اسم الجائزة يلتقي مع روح الفيلم»، على حد تعبيره.

بطلا الفيلم السوري «فوتوغراف» (الشرق الأوسط)
بطلا الفيلم السوري «فوتوغراف» (الشرق الأوسط)

ويوضح كلثوم أن «إخفاء الكاميرا خلف الشخصيات كان هاجسه الأكبر أثناء التصوير، فقد كنت أبحث عن صورة تتنفس بهدوء، وعن ضوء يشبه الحياة، وعن أماكن تحمل آثار الزمن من دون أن تتكلم، لم أرد صورة جميلة بقدر ما أردت صورة صادقة، لأن الصدق يبقى في ذاكرة المشاهد أكثر من أي إبهار بصري، ولهذا أقول دائماً إن (فوتوغراف) ليس فيلماً عن الحرب، بل عن الإنسان وهو يقاوم النسيان، لأن أكثر ما يخيف الإنسان ليس أن يفقد بيته بل أن يفقد حكايته».

وتُعد جائزة «العدالة والسلام» تتويجاً لمسيرة خاضها الفيلم بين عدة مهرجانات عربية ودولية، حصل خلالها على جوائز عدة، لكن المهند كلثوم لا ينظر لهذه المشاركات كسباق، بل كرحلة يتغير فيها الفيلم مع كل جمهور يشاهده، ويقول عن ذلك: «أحياناً كنت أخرج من قاعة العرض وأنا أشعر أن الجمهور اكتشف في الفيلم ما لم أكن واعياً له، وهذه واحدة من أجمل مفاجآت السينما، لهذا لا أحب أن أقيس نجاح الفيلم بعدد الجوائز، وإنما بعدد المرات التي استطاع فيها أن يترك أثراً صامتاً في قلب المشاهد بعد أن تُطفأ الشاشة».

ويفسر كلثوم سبب اختيار عنوان الفيلم «فوتوغراف» قائلاً: «لقد كنت أبحث عن عنوان لا يصف الفيلم، بل يفتح باباً للدخول إليه، فالصورة الفوتوغرافية بالنسبة إليّ تعد ذاكرة تقاوم الزمن، أحياناً تكفي صورة واحدة حتى تحمل حياة كاملة وتعيد إلينا أشخاصاً وأماكن لم تعد موجودة إلا في داخلنا، من هنا وُلد الفيلم».

المخرج السوري المهند كلثوم (الشرق الأوسط)
المخرج السوري المهند كلثوم (الشرق الأوسط)

ويحمل «فوتوغراف» بعداً إنسانياً واضحاً، ويبدو كما لو كان يحاكم الذاكرة، لكن كلثوم يؤكد أنه «لا ينظر للذاكرة كمكان نهرب إليه كلما اشتقنا للماضي، بل هو المكان الذي نحمي فيه إنسانيتنا من النسيان، لذلك لم تكن الذاكرة في (فوتوغراف) مساحة للحنين، بقدر ما كانت مساحة للتأمل، ولإعادة طرح الأسئلة»، وفق قوله.

ويؤكد كلثوم أنه تعامل مع السيناريو كمساحة للحوار بين رؤية الكاتبة ورؤيته كمخرج، ويقول: «كان يهمني أن يصبح كل مشهد أكثر قرباً من الشخصيات، وأكثر قدرة على التعبير بالصورة والصمت، لا بالكلمات، وقد ترجمت هذا الحس للغة بصرية هادئة، تترك للمشاهد مساحة ليشعر بأكثر مما يُقال له، لأنني أؤمن أن أجمل الأفلام هي تلك التي تثق بإحساس المتلقي، ولا تفرض عليه تفسيراً واحداً».

وحول السينما السورية، وهل تجاوزت الحرب لتطرح أسئلة عن الهوية؟ يقول كلثوم: «أعتقد أن السينما السورية اليوم تقف أمام فرصة مهمة لإعادة اكتشاف نفسها، ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن السينما لا تستطيع أن تبقى أسيرة الحدث إلى الأبد، فالتحدي الحقيقي اليوم ليس أن نروي ما جرى، وإنما أن نفهم ما الذي تركه داخل الإنسان».

وقدّم المهند كلثوم أعمالاً عديدة روائية ووثائقية شاركت في مهرجانات دولية، وحاز العديد من الجوائز الدولية، ومن بين أفلامه الروائية «لماذا» و«يالا نلعب»، و«على سطح دمشق»، و«أمل إيمان حب»، ومن الوثائقية «البرزخ»، و«رحلة الحرير السوري»، و«هذه الأرض»، وهو مؤسس مشروع «يلا سينما» ومهرجان «أيام دمشق السينمائية» لأفلام الطفولة واليافعين.