في مشهد يعكس تناقضًا صارخًا، يعمل موظف مجتهد في مؤسسة كبيرة يُتقن مهامه ويضاعف جهوده لإنجازها ويطرح أفكارًا لتحسين الأداء. يقابله زميل يقضي معظم وقته في ترديد عبارات المديح لمديره، ويبالغ في الثناء عليه، ويُقلل من زملائه ليتظاهر بأنه المخلص الوحيد. وفي نهاية العام، فوجئ الموظف الأول بتقييم متدن وتعليق غامض: «عدم الانسجام مع ثقافة وقرارات الفريق»، بينما نال زميله تقييمًا استثنائيًا وترقية بحجة أنه «عنصر فعّال ومحفز للبيئة العملية».

تسلط هذه القصة الضوء على مشكلة تنظيمية شائعة حيث تحل العلاقات الشخصية محل معايير الأداء الموضوعية.

وظائف

أصيب الموظف بالإحباط، وتساءل: «هل الجدية والإخلاص في العمل لم تعد تُقدر؟ أم أن النجاح يحتاج إلى تملقٍ ومبالغة في الثناء على من لا يستحقه؟». ولم يجد جوابًا سوى تحديث سيرته الذاتية والبحث عن مؤسسة تقدر الكفاءة الحقيقية.

في بعض المؤسسات، تتحول العلاقة المهنية بين الموظفين والقيادات من احترام متبادل إلى مبالغة في التمجيد، حيث يصبح المدير أسطورة يُبالغ في مدحه وتمجيده بما يتجاوز الاحترام إلى التملق والنفاق. هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها تبرز في بيئات تفتقر للشفافية وتعتمد على العلاقات الشخصية بدلاً من الكفاءة.

الخوف من فقدان بعض الامتيازات أحد أسباب هذه الظاهرة، حيث إنه يجعل الموظف يعتقد أن مجرد انتقاد المدير أو عدم تمجيده قد يعرضه للعقاب أو الحرمان من الترقيات. من الأسباب أيضاً أن بعض القيادات للأسف يروج لشخصنة النجاح (لولاي ما نجحتم)، مما يجعل الموظفين ينسبون كل إنجاز له، حتى لو كان مجهودًا جماعيًا. كذلك، غياب المعايير الصحيحة للتقييم، فعندما تُبنى الامتيازات على الولاء الشخصي أكثر من الأداء، يتحول الموظف إلى التركيز على إرضاء المدير بدلاً من إنجاز العمل. في الواقع، قد لا يكون المدير أو القائد وحده سبب هذه الظاهرة، فرغبة بعض الموظفين في الاستفادة المادية أو المعنوية تجعلهم يبالغون في المدح والثناء أملاً في الحصول على مكافآت أو مناصب أعلى.

هذه الظاهرة لها آثار سلبية حيث إنها تجعل بيئة العمل سامة، وتحولها إلى مسرح للمدح الزائف، وتقتل روح المبادرة والإبداع، وتُشعر الموظف الصادق بالإحباط، وبذلك يتراجع الأداء الوظيفي، وتقل الإنتاجية وتنتشر الثقافة الشكلية على حساب الجوهر. عندما يعتقد المدير أنه معصوم من الخطأ، يصبح أقل تقبلاً للنقد، مما يؤدي إلى قرارات خاطئة بسبب غياب التغذية الراجعة الصادقة. الأسوأ من ذلك، هروب الكفاءات، فالموظف الموهوب الذي يرفض المشاركة في هذه اللعبة قد يغادر المؤسسة، مما يفقدها كفاءات حقيقية.

يمكن أن نعالج هذه المشكلة (إذا صلحت النية) عن طريق وضع معايير للتقييم والترقية تعتمد على الأداء وليس العلاقات الشخصية. وكذلك عن طريق تشجيع النقد البناء، فالموظف يجب أن يشعر بالأمان عند تقديم ملاحظات صادقة دون خوف من العقاب. يجب تبني نمط قيادة يخدم فيه القائد فريقه وليس العكس، مع التركيز على نجاح المؤسسة ككل، والتوعية بمخاطر التملق، وتوضيح الفرق بين الاحترام الصحي والتملق الضار، وتأثيره على ثقافة المؤسسة. إن تمجيد القيادات بشكل مبالغ فيه ليس دليلًا على قوة المؤسسة، بل على ضعفها الثقافي والتنظيمي.

المؤسسات الناجحة هي التي تُبنى على الاحترام المتبادل، والشفافية، والتركيز على الأهداف المشتركة بدلاً من عبادة الشخصيات.

لا نريد أن تفقد المؤسسة روحها التنافسية والإبداعية، وتصبح بيئة طاردة للكفاءات. لذلك، من الضروري موازنة الاحترام مع النزاهة، لضمان استدامة النجاح المؤسسي الحقيقي.

مقالات أخرى للكاتب

إن استمرار هذه الممارسات يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسة ودفع الكفاءات إلى المغادرة، مما يضعف الإنتاجية والابتكار. ويبقى التحدي الأكبر هو تغيير الثقافة التنظيمية نحو تقييم موضوعي وقيادة شفافة تحفز على النقد البناء. مع استمرار غياب المعايير الواضحة، قد تتحول المؤسسات إلى بيئات طاردة للمواهب الحقيقية.