ملخص

طرحت النائبة البريطانية عن حزب الخضر سيان بيري مشروع تشريع يهدف إلى إخضاع الملك والبلاط الملكي لقانون حرية المعلومات للمرة الأولى منذ إقراره قبل 26 عاماً، واصفة إياه بـ'قفزة كبيرة نحو الشفافية' إن تحقق. وتعارض الحكومة هذا المسعى الذي يأتي وسط ضغوط متصاعدة على القصر على إثر قضية الأمير السابق أندرو ماونتباتن-وندسور، وتراجع شعبية الملكية إلى أدنى مستوياتها منذ 3 عقود.

يأتي هذا التحرك في إطار نقاش متجدد حول حدود الشفافية والمساءلة في المؤسسات الدستورية البريطانية.

يُجري البرلمان البريطاني اليوم الثلاثاء نقاشاً حول مشروع تشريع تقدمت به النائبة سيان بيري عن حزب الخضر في مجلس العموم، يهدف إلى تعديل قانون حرية المعلومات ليشمل البلاط الملكي للمرة الأولى في التاريخ الحديث للمملكة المتحدة.

وقانون حرية المعلومات الصادر عام 2000 تشريع يمنح الجمهور الحق في طلب المعلومات من السلطات العامة كالوزارات والمجالس المحلية، ودخل حيز التنفيذ الكامل مطلع 2005.

ترى بيري أنه "من المشين أن يوجد استثناء للعائلة الملكية في تشريعات حرية المعلومات"، فهذا الاستثناء "يحجب من دون مبرر جزءاً من الدستور يفترض أن يكون خاضعاً للمساءلة بصورة طبيعية"، ووصفت النائبة فتح الوثائق والبيانات الملكية أمام التدقيق العام بأنه سيكون "خطوة هائلة نحو الشفافية في مؤسسة ظلت غامضة لفترة أطول مما ينبغي".

يستهدف التعديل المقترح توسيع نطاق قانون حرية المعلومات لعام 2000 ليشمل البلاط الملكي والأرشيف الملكي ودوقيتي كورنوول ولانكستر، إضافة إلى مراسلات الملك والهيئات العامة، وهي مجالات مستثناة من القانون في صيغته الحالية.

وشددت بيري على أن مقترحها يركز على استخدام العائلة المالكة للأصول العامة ووظائفها الرسمية، أي "الأمور التي تشكل جزءاً من الوظيفة، لا من حياتهم الخاصة"، وفق تعبيرها.

والأرشيف الملكي، هو مجموعة ضخمة من الوثائق التاريخية تمتد لأكثر من 250 عاماً، وتوجد في البرج المستدير بقلعة "وندسور" غرب لندن، أما دوقيتي "كورنوول" و"لانكستر" فلهما أهمية خاصة لأن الأولى تمول أمير ويلز وتعود ملكيتها حالياً إلى الأمير وليام، فيما تشكل الثانية العقار الخاص الذي يدر دخلاً على الملك البريطاني.

اقرأ المزيد

لا يزال مشروع بيري في مراحله الأولى، ويبدو أن حظوظه في التحول إلى قانون ضئيلة، فمشاريع القوانين المقدمة من نواب أفراد من خارج الحكومة نادراً ما تكمل مسارها التشريعي من دون دعم حكومي، إذ لم يحصل في الدورة البرلمانية 2024-2026 سوى ستة مشاريع من هذا النوع على المصادقة الملكية، لكن ذلك لا يلغي قيمة المبادرة في إعادة النقاش حول شفافية المؤسسة الملكية، وإحراج الحكومة بدفعها إلى تبرير موقفها المعارض علناً.

تراهن النائبة على زخم متزايد داخل مجلس العموم حيال شؤون القصر، تجلى مطلع العام الجاري عندما صوّت النواب لصالح مطالبة الحكومة بنشر كل الوثائق المرتبطة بتعيين الأمير السابق أندرو ماونتباتن-وندسور ممثلاً خاصاً للتجارة والاستثمار عام 2001.

يعود استثناء العائلة الملكية إلى نشأة قانون حرية المعلومات عام 2000، إذ لم يدرج البلاط الملكي ضمن تعريف "السلطات العامة" الخاضعة له، مما يعني أن القانون لا يسري عليه مباشرة أصلاً، وأضاف المشرعون آنذاك المادة 37 التي تمنح استثناء مشروطاً للمراسلات مع العاهل وسائر أفراد العائلة المالكة والبلاط الملكي لدى الهيئات العامة، وبرر ذلك رسمياً بضرورة صون حياد التاج السياسي، وحماية سرية التواصل الدستوري بين الملك ووزرائه، واعتبارات تتصل بالأمن الشخصي.

في عام 2010 جاء تحول أكبر مع قانون الإصلاح الدستوري والحوكمة الذي أقر في الأيام الأخيرة من حكومة غوردون براون قبيل الانتخابات العامة، وحول الاستثناء المشروط إلى مطلق فيما يخص مراسلات الملك وولي العهد والثاني في ترتيب ولاية العرش، على أن يسري الاستثناء 20 عاماً من تاريخ إنشاء الوثيقة أو خمسة أعوام بعد وفاة الشخص المعني، أيهما أطول. ودخلت هذه التعديلات حيز التنفيذ في يناير (كانون الثاني) 2011.

99999999.jpg

النائبة سيان بيري​​​​​​​ صاحبة مشروع تعديل قانون حرية المعلومات (غيتي) 

لم يكن توقيت تشديد الاستثناء عام 2010 منفصلاً عن معركة قضائية شهيرة عرفت بقضية "رسائل العنكبوت الأسود"، وهي مراسلات بعث بها الأمير تشارلز، ولي العهد آنذاك، إلى وزراء في سبع إدارات حكومية بين عامي 2004 و2005، وسميت كذلك نسبة إلى خطه اليدوي المميز. فقد تقدم الصحافي روب إيفانز من صحيفة "الغارديان" عام 2005 بطلب للاطلاع على هذه المراسلات بموجب قانون حرية المعلومات، لتبدأ معركة قانونية استمرت عقداً كاملاً، ووصف النائب العمالي توني رايت تعديلات 2010 حينها بأنها "تعديل الأمير تشارلز" لأنها بدت مصممة لإغلاق الباب أمام طلبات مشابهة مستقبلاً.

انتهت قضية "رسائل العنكبوت الأسود" في مارس (آذار) 2015 بحكم تاريخي من المحكمة العليا البريطانية قضى بنشر الرسائل، بعدما أبطل استخدام النائب العام حق النقض الوزاري لمنع الإفصاح عنها، لكن الحكم جاء متأخراً عن تعديلات 2010 التي كانت قد حصنت أي مراسلات لاحقة من هذا النوع بالاستثناء المطلق، مما يعني أن تكرار تجربة "الغارديان" بات مستحيلاً اليوم، وهو تحديداً ما يسعى مشروع بيري إلى تغييره.

إذا أقر تعديل بيري، فسيصنف البلاط الملكي للمرة الأولى سلطة خاضعة لطلبات المعلومات، مما يفتح أمام الصحافيين والباحثين والمواطنين باب التدقيق في إدارة القصر للمال العام، ونفقات البلاط، وعقود الدوقيتين وإيراداتهما، ومحتويات الأرشيف الملكي، فضلاً عن كشف مراسلات العاهل مع الوزارات والهيئات العامة التي تحجب اليوم بصورة مطلقة. ويعني ذلك إمكانية تتبع أي محاولات ملكية للتأثير في التشريعات أو السياسات الحكومية، وهي مسألة أثارها ناشطون مراراً في ما يتعلق بحق التاج التاريخي في الاطلاع المسبق على مشاريع القوانين التي تمس مصالحه.

في المقابل، لن يمس التعديل الاستثناءات الأخرى القائمة في القانون، كتلك المتعلقة بعمليات القوات الخاصة السرية والمشورة الوزارية في صوغ السياسات والمعلومات التي قد تضر بعلاقات المملكة المتحدة الخارجية أو أمنها القومي، إذ يستهدف حصراً إلغاء "الاستثناء الملكي"، كما تؤكد بيري أن الحياة الخاصة لأفراد العائلة المالكة ستبقى خارج نطاق القانون، في محاولة لنزع فتيل الاعتراض الأبرز على مقترحها.

وأفصح الملك تشارلز الثالث أخيرا عن سجلاته الضريبية الشخصية للمرة الأولى، في خطوة قرئت على أنها استجابة استباقية لضغوط الإفصاح المتصاعدة، لكن بين حكومة غير متحمسة وقصر يقدم تنازلات محسوبة ونائبة تراهن على الرأي العام، يبدو أن معركة الشفافية الملكية في بريطانيا لم تعد سؤال "هل"، بل سؤال "متى وإلى أي مدى".

رغم أن حظوظ مشروع القانون في التحول إلى تشريع نافذ تبدو ضئيلة دون دعم حكومي، إلا أنه يثير تساؤلات حول مدى شفافية المؤسسة الملكية. وقد تشكل الضغوط المتصاعدة، لا سيما بعد قضية الأمير أندرو، دافعاً لإعادة النظر في الاستثناء التاريخي للعائلة المالكة من قانون حرية المعلومات. ويبقى التوازن بين الخصوصية الملكية والحق العام في المعرفة محل جدل مستمر.