كتاب

محمد ادريس

البالون لا يكبر وحده!!

محمد ادريس

نُشر هذا المقال في 15 يوليو 2026 الساعة 23:17 بتوقيت المملكة العربية السعودية.

يتناول هذا المقال ظاهرة تضخيم الأخبار والمعلومات في المجالس ووسائل التواصل، ويحذر من تأثيرها السلبي على المجتمع والأفراد.

AA

البالون لا ينفخ نفسه، بل يحتاج إلى من يملؤه بالهواء، وكذلك كثير من الأحداث في حياتنا تنطلق صغيرة ومحدودة، ثم يجد كل إنسان من يضيف إليها كلمة أو احتمالاً، حتى تتحول إلى قصة يتناقلها الجميع، مع أن أصلها لا يتجاوز لحظات بسيطة أو موقفاً عابراً.

ليست هذه العادة بالأمر الجديد، لكنها ازدادت مع سرعة انتشار الأخبار وتعدد المجالس ووسائل التواصل. بعض الناس لا يرون للخبر قيمة إلا إذا تضخم، وكأن التفاصيل البسيطة غير كافية، فيضيفون من عندهم ما يجذب الانتباه. وعندما تنتقل الرواية إلى شخص آخر، يضيف بدوره جزءاً جديداً، فتصبح الحقيقة أقل ما يهتم به الناس. والأكثر لفتاً للانتباه أن صاحب هذا التصرف لا يقصد الكذب غالباً، بل يعتقد أنه يقرأ بين السطور ويسبق الأحداث، لكن بتكرار هذا السلوك يختلط التحليل بالتخمين والمعلومة بالرأي، فلا يعود المستمع قادراً على التمييز بين الخبر وما أضيف إليه.

ومع كلِّ حدثٍ إقليميٍّ أو دوليٍّ، تخرج موجة جديدة من التَّفسيرات، يتحدَّث أحدُهم في السياسة، ثمَّ ينتقل إلى الاقتصاد، وبعد دقائق يشرح التحرُّكات العسكريَّة، وكأنَّه عاش تفاصيل الغُرف المغلقة، الملفَّات الكبرى لا يديرُها هذا القدر من البساطة، وأهل الاختصاص أنفسهم يتريَّثُون قبل إطلاق الأحكام، فكيف بمَن يستند إلى رسالة مجهولة، أو مقطع متداول؟ ونحن في المملكة ننعمُ -بفضل الله- بالأمن والاستقرار، ثمَّ بما تنتهجه قيادتنا الرَّشيدة من حكمة وبُعد نظر في إدارة الملفَّات والقضايا، وسط محيط لا يخلو من التحدِّيات، الاطمئنان لا يعني الغفلة، ومتابعة الأخبار لا تعني الانسياق خلف كلِّ رُواية، والثقة لا تعني تجاهل الأسباب، وإنَّما تعني أنْ يكون العقلُ حاضرًا، وأنْ تبقى الكلمةُ مسؤولةً. وفي بيئة العمل تتكرَّر الصورة ذاتًها، يصل مدير جديد، فتبدأ قائمة طويلة من التوقُّعات، هذا يؤكِّد وجود تغييرات واسعة، وآخرُ يتحدَّث عن نقل إدارات، وثالثٌ يجزم بإعفاءات مرتقبة، ورابعٌ يحدِّد أسماء المستفيدِين والمتضرِّرِين، تمضي الأيام فتذوبُ تلك الروايات، وكأنَّها لم تكن، ويبقى أثرها في نفوس مَن صدَّقها. حتى في الجانب الصحيِّ، قد يشعر الإنسانُ بألمٍ بسيطٍ، فيقضي ساعاتٍ طويلةً يتنقل بين المقاطع والمواقع وتجارب الآخرين، ثمَّ يخرج مقتنعًا بأنَّه يحملُ أخطر الأمراض، قبل أنْ يستشير طبيبًا، أو يُجري فحصًا، هنا لا يكون الألم هو المشكلة، وإنَّما الخوف الذي تضخَّم حتى غطَّى على كلِّ شيء. ووسائل التَّواصل منحت هذا السلوك مساحةً أوسعَ، لم تعد الشائعة تحتاج إلى مجلسٍ كبيرٍ، يكفي هاتف ورسالة وإعادة إرسال؛ لتصل إلى مئات الأشخاص في دقائقَ، الأخطر من ناقل الخبر، مَن يضيفُ إليه: «وصلتنِي من مصدر موثوق»، أو «أحد المسؤولين أكَّد لي»!! وهو يعلم أنَّ ما يقوله لا يستندُ إلى دليلٍ. لهذا جاء التَّوجيه النبويُّ جامعًا مانعًا: «كَفَى بِالمَرءِ كَذِبًا أنْ يُحدِّثَ بِكلِّ مَا سَمِعَ» كلماتٌ قليلةٌ، لو جعلها النَّاسُ منهجًا؛ لاختفى جزءٌ كبيرٌ من القلق الذي يملأ المجالس، ولتراجعت مساحة الإشاعات، ولحافظ المجتمعُ على هدوئه واتزانه. المؤمنُ يعيشُ مطمئنَ القلبِ؛ لأنَّه يعلمُ أنَّ تدبير الأمور بيدِ الله -سبحانه وتعالى-، وأنَّ مَا قدَّره اللهُ واقعٌ لا محالةَ، قالَ تعَالَى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾، هذه الطمأنينة لا تدعُو إلى ترك الأسباب، وإنَّما تدعو إلى التثبُّت، وسؤال أهل الاختصاصِ، وإغلاق الباب أمام الظُّنونِ التي لا تزيدُ النَّاسَ إلا قلقًا. هناك فرق كبير بين إنسان ينقل الحقيقة كما هي، وإنسان يبحث عن الإثارة، الأول يطمئن الناس، والثاني ينفخ في البالون حتى يخشى الجميع صوت انفجاره، مع أن ما بداخله لم يكن سوى هواء. * نقطة تحت السطر: ليسَ كلُّ حدثِ يحتاجُ إلى مَن ينفخُ فيهِ.. فكثيرٌ مِن البالوناتِ التِي أخافتِ النَّاسَ، لمْ يكنْ بداخلِهَا سِوَى هواءِ الكلامِ.

تداول الأخبارالتوجيه النبوي

وقد أشار المقال إلى أن التثبت من المعلومات وأخذها من أهل الاختصاص هو السبيل الوحيد للحد من انتشار الشائعات. كما استشهد بالهدي النبوي في النهي عن نقل كل ما يسمع، مؤكداً أن الطمأنينة الإيمانية تعين على عدم الانسياق وراء كل رواية. وفي ظل سرعة تداول الأخبار، تظل هذه التوجيهات ذات أهمية بالغة للحفاظ على الاستقرار المجتمعي.