«الـــدار ممـلـوءة رجــالاً»
«الـــدار ممـلـوءة رجــالاً»
ذات يوم طلب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من جلاسه أن يتمنوا، فقال أحدهم: أتمنى لو أن لي هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله، ثم قال: تمنوا، فقال آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجوهراً أنفقه في سبيل الله وأتصدق، فأعاد الفاروق: تمنوا، فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين، فقال عمر: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح.
لله در عمر، فقد تنبّه مبكراً لأهمية العنصر البشري الذي تُبنَى عليه الأمجاد، وقد انتشرت في الفترة الأخيرة كتابات تحذر من أن الوطن مهدد في المستقبل بمواجهة مشكلة في أهم ثرواته، إنه الإنسان ذاته، وقد بنى هؤلاء الكتاب قلقهم من انخفاض معدل الإنجاب تدريجياً في المملكة العربية السعودية، ففي حين سجل عام 1980 متوسط 7.2 أطفال لكل امرأة، بلغ في 2022 متوسط 2.1 طفل فقط لكل امرأة! والقلق على المستقبل مشروع، بل هو قلق نبيل، وهذا ما دفعني لدراسة الأمر بجدية، اعتمادًا على الإحصاءات الرسمية.
ينقسم المواطنون إلى فئات عمرية ثلاث: الفئة الأولى: الأطفال والشباب (إلى سن 14 سنة)، الفئة الثانية: سن العمل من (15 إلى 64 سنة)، الفئة الثاثة: كبار السن (من 65 سنة فأكثر).
وبناء على نسب أعداد هذه الفئات تتضح نسبة الإعالة (Dependency Ratio) التي تضمن نموًّا اقتصاديًّا مستدامًا دون الضغط على موارد الدولة، وقد استقر العالم على أن النسبة المثلى بين هذه الفئات الثلاثة التي تشكل هيكلاً متوازناً يحقق الاستقرار تكون كالتالي:
الأطفال والشباب (من 20 إلى 25 % من إجمالي السكان)، وتضمن هذه النسبة تجدداً طبيعيًّا للأجيال دون تشكيل عبء ضخم على قطاعي التعليم والرعاية الصحية.
سن العمل (من 60 إلى 65 % من إجمالي السكان)، وهم يمثلون القوة الإنتاجية التي تدفع عجلة الاقتصاد، وتُساند وتدعم بقية الفئات.
كبار السن (من 10 إلى 15 % من إجمالي السكان)، وتتيح هذه النسبة للدولة تقديم رعاية صحية وأنظمة تقاعد متميزة دون إرهاق الموازنة العامة.
وللحفاظ على هذه النسب لا بد من الحفاظ على معدل إنجاب مناسب، ويسمى عالمياً معدل الإحلال، ويبلغ (2.1 طفل لكل امرأة)، لتجنب الشيخوخة السكانية أو الانفجار الديموغرافي، وهذه النسبة الأخيرة هي التي استقرت عليها المملكة في السنوات الأخيرة والتي أقلقت بعض الكتاب.
وبمراجعة نسبة كل فئة من سكان المملكة من السعوديين، حسب تقرير الهيئة العامة للإحصاء في منتصف عام 2024م نجده كالتالي: تمثل فئة الأطفال والشباب إلى 14 سنة (33.5 %). وتمثل فئة سن العمل من 15 إلى 64 سنة (62.7 %). وتمثل فئة كبار السن من 65 سنة فأكثر (3.8 %).
وإذا ضممنا الوافدين مع السعوديين تكون النسب بالترتيب كالآتي: الأطفال: (21.05 %)، سن العمل: (76.3 %)، كبار السن (2.65 %).
وهذه نسب جيدة، فكبار السن أقل من 4 %، بينما يتجاوزون في دولة كاليابان 30 %، ويمثل كبار السن في موناكو 37 % وهي أعلى نسبة في العالم.
إن تناقص عدد المواليد ظاهرة عالمية، وهي طبيعية في عصرنا، فقد حلت الآلات مكان البشر، واتجه الفكر البشري إلى الكيف لا الكمّ، ومن أبرز أسباب ذلك التحول الديموغرافي وانخفاض معدلات الإنجاب في المملكة تحديدًا: تمكين المرأة، وزيادة مستويات تعليمها العالي، ومشاركتها المتسارعة في سوق العمل وريادة الأعمال ضمن رؤية 2030، وانشغالها عن الإنجاب، ونزوح السكان إلى البيئات المدنية الحديثة؛ فأقام أكثر من 83 % من سكان المملكة في المدن، وكذلك التركيز المتزايد على جودة تربية الأطفال والاستثمار في مهاراتهم بدلًا من زيادة العدد.
ورغم أن هناك من يرى أن مساحتنا الشاسعة، ودخلنا الوطني (القومي) ومشاريعنا الطموحة تحتاج إلى المزيد من المواطنين لإحلالهم محل الوافدين -وهم محقون في ذلك-، فإنني أرى -بناء على الإحصائيات الرسمية- أن الدار مملوءة شباباً، وما علينا إلا أن نجعلهم كأبي عبيدة بن الجراح كما تمنى عمر رضي الله عنه، فقد غيَّر الذكاء الاصطناعي (الذي ملأ الدنيا وأدهش الناس) مفاهيم احتياجات سوق العمل، ولم يعد يكفي أن نهيئ لشبابنا معايشة عصرهم، بل ينبغي أن يرقى طموحنا إلى أن نجعلهم يسبقون عصرهم، مما يحتم علينا التركيز على الكيف قبل الكم.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.