أزمة النشر الثقافي في العالم العربي تعود لمجموعة من الأمور، أهمها، انخفاض نسخ الطباعة وتوقفها عند سقف الخمسة آلاف كحد أقصى، في مقابل متوسطات غربية تكسر حاجز الـ90 ألف نسخة في طبعتها الأولى، ومعها ضعف القوة الشرائية للمواطن العربي، وتوفير أمواله لاحتياجاته الأساسية على حساب الكتاب..

بعض العرب يعجبه أن يكون ضحية، لأن الضحايا دائما خارج دائرة النقد، أقول هذا بسبب برنامج وثاثقي بثته قناة العربية في مايو من العام الجاري، وتكلم فيه أكاديمي معروف عن أزمة النشر الثقافي العربي، وقال إن أميركا تنشر 85 ألف كتاب سنويا، وكل الدول العربية لا تنشر أكثر من 1700 كتاب خلال نفس الفترة، والمعنى أن حصة كل مليون أميركي تصل إلى 845 كتابا، وذات الرقم من العرب نصيبه 30 كتاباً، والأرقام التي تمت الإشارة إليها مأخوذة من بيانات اليونسكو لعام 1997، وتناولت الفترة ما بين 1991 و1996، وبالتالي مضى عليها أكثر من 30 عاماً، ويمكن اعتبارها من الناحية الأكاديمية: أوت دايتد، أو منتهية الصلاحية، ولا يصح الاستشهاد بها لمجرد الإثارة والإمعان في تقزيم الثقافة العربية.

خارطة النشر العربي الحالية، وتحديدا على مستوى المنطقة العربية، خلال عامي 2024 و2025، تسيطر عليها المعارض السعودية، وبالأخص معرضا الرياض وجدة للكتاب، وكلاهما يعتبر من أعلى نقاط بيع الناشرين العرب، بالإضافة لوجود 522 دار نشر وطنية في الداخل السعودي، ويقدر حجم مساهمة الثقافة في الاقتصاد المحلي بحوالي 60 مليار ريال، أو ما يعادل 16 مليار دولار، وتعتبر هذه الحصة واحدة من الركائز الأساسية للاستراتيجية الثقافية الوطنية، فيما يتعلق برفع الإيرادات غير النفطية، ومؤشرات النشر الثقافي تضع المملكة في المرتبة الأولى عربيا، في اقتصاديات النشر، المرتبطة بالقوة الشرائية والدعم المالي.

في السابق كان السعوديون يشترون الإصدارات الثقافية من بيروت والقاهرة، إلا إنهم اليوم ومن خلال مبادرات مثل: الشريك الأدبي، استطاعوا إقامة أربعة آلاف و426 فعالية في المقاهي، ومعه مبادرة ترجم التي قدمت الثقافة السعودية إلى الخارج، وذلك عن طريق ترجمتها إلى خمس لغات عالمية، وتوزيعها في معارض فرانكفورت ولندن، وهذا يمثل تحركا دبلوماسيا ثقافيا مدروسا، لم يكن حاضرا في فترات سابقة، وقطاع النشر والكتب المترجمة السعودي، قيمته أربعة مليارات و500 مليون ريال، أو قرابة مليار و200 مليون دولار، ويمثل ما نسبته 7,5 % من العوائد الثقافية.

أزمة النشر الثقافي في العالم العربي تعود لمجموعة من الأمور، أهمها، انخفاض نسخ الطباعة وتوقفها عند سقف الخمسة آلاف كحد أقصى، في مقابل متوسطات غربية تكسر حاجز الـ90 ألف نسخة في طبعتها الأولى، ومعها ضعف القوة الشرائية للمواطن العربي، وتوفير أمواله لاحتياجاته الأساسية على حساب الكتاب، والأمر الآخر أورده تقرير التنمية البشرية لمرسسة الفكر العربي في 2011، وفيه إشارة إلى أن متوسط قراءة العربي يتوقف عند ست دقائق، في حين يعطيها الأوروبي 200 ساعة، وهذا دحضه نسبياً مؤشر القراءة العربي لعام 2016، فقد كشف أن الرقم الصحيح هو 36 ساعة في كل عام وليس ست دقائق، يقابلها 292 ساعة للأميركيين، و343 ساعة للبريطانيين، والأمر الثالث أن الكتاب الديني، وبحسب دراسة حركة النشر العربية، الصادرة عن اتحاد الناشرين العرب، في بداية 2024، تصنف الكتاب الديني باعتباره المحتوى الأكثر إقبالا وبنسبة 40 %، ويأتي بعد الأدب والرواية بنسبة 20 %، ورغم جمالية ما سبق، إلا أنه يشير لأن العرب يخاطبون بعضهم، ولا يهتمون بمخاطبة الثقافات المختلفة عنهم.

المفارقة أنه في القرن العاشر الميلادي كانت مكتبة قرطبة تضم أكثر من مئة ألف مجلد مفهرس، في حين لم تكن مكتبات أوروبا المسيحية تحتوي إلا على مئات الكتب، وقد يتجمهر الناس في بريطانيا وأميركا، ويبيتون في الشوارع شتاء أمام المكتبات، للحصول على نسخة من أجزاء رواية هاري بوتر، إلا أن الزحام في معارض الكتاب العربية، واكتبها لأنها حقيقة رأيتها بعيني، لا يكون إلا على المقاهي وأقسام المأكولات، أو كتب الطبخ والتنمية البشرية، فيما تعاني الدور الفلسفية والعلمية من ندرة الزوار، والأصعب ما أثبتته دراسات نقدية، نشرتها رابطة النقاد العرب في أواخر 2024، من أن الجوائز العربية الكبرى، وخصوصا في منطقة الخليج، خلقت نمطا من الروايات يسمونه روايات الجوائز، وفيه يعمل الروائيون على اختيار موضوعات محددة، تناسب توجهات المحكمين وما يعجبهم، لزيادة فرصهم في الفوز.

قامت منظمة الأنكتاد في 2024 بإجراء مقارنة بين متوسط دخل الأشخاص في الدول الغربية والعربية، وبين سعر الكتاب الثقافي، ووجدت أن سعر الرواية الحديثة في الغرب في حدود 15 يورو، أو حوالي نصف في المئة من الدخل الأسبوعي للمواطن الغربي، في حين أن سعرها عند العربي ما بين 15 % إلى 20 % من هذا الدخل، ما يؤكد وبالدليل الأكاديمي، أن عدم الشراء سببه الإمكانات الاقتصادية، ولا يشير إلى جهل أو كراهية للقراءة، وربما فضلوا عليه الكتاب المقرصن لسعره المتواضع، وهذا استنادا لتقرير اقتصاد الظل الصادر عن جامعة لندن في 2025، ويتكبد قطاع النشر العربي بسببه خسارة سنوية قدرها 350 مليون دولار، وأعتقد أن جلد الذات لا يليق، لأن الواقع، مثلما تبين، يقول شيئاً آخر.