كتاب

د.منى يوسف حمدان

المدينة النبوية.. حيث تتعلم القلوب كيف ترى النعمة

د.منى يوسف حمدان

تاريخ النشر: 12 يوليو 2026 23:19 KSA

AA

أنْ تستيقظ كلَّ صباح، فتدرك أنَّ الهواء الذي يدخلُ صدرك ليس أمرًا اعتياديًّا، وأنَّ الأمن الذي تنام في ظلِّه ليس قانونًا من قوانين الكون، وأنَّ الوجوه التي تبتسم لك، والأرض التي تحمل خطاك، والصحَّة التي تؤدِّي بها سجودك، كلها رسائل حُب يبعثها الله لعباده في كل لحظة، ثمَّ ينتظر منهم أنْ يقولوا بقلوبهم قبل ألسنتهم: الحمدُ لله.

وحين يمنُّ اللهُ على عبدٍ بأنْ يكون من أهل المدينة المنوَّرة، أو يكتب له أنْ يحلَّ ضيفًا عليها، فإنَّ النعمة تنتقل من حدود الحياة إلى آفاق الاصطفاء. فالمدينة ليست مدينةً بالمعنى الذي تعرفه المُدن. هي فكرةٌ إيمانيَّة قبل أنْ تكون مكانًا، وهي حالة من السَّكينة قبل أن تكون عمرانًا، وهي شاهدٌ حيٌّ على أنَّ بعض البقاع اختارها الله لتكون أوعيةً لرحمته في الأرض. في هذه المدينة لا يعلُو التاريخ على الحاضر، بل يمتزجَان حتَّى يصعبَ الفصل بينهما. تمشي في طرقاتها فتشعرُ أنَّ الزَّمن لم يغادرها تمامًا، وأنَّ آثار النبوَّة لم تصبح ذكرى، وإنَّما بقي منها ما لا تدركه العينُ، وتستشعره الأرواحُ. ولعلَّ هذا هو السرُّ الذي يجعل الداخل إليها يشعر بشيءٍ لا يستطيع أنْ يصفه.

إنَّها ليست رهبة المكان وحدها، ولا قدسيَّة المسجد، ولا جمال العمران، وإنَّما ذلك السكون العجيب الذي يهبط على القلب دون استئذان، حتَّى ليُخيَّل للإنسان أنَّ روحه كانت تبحث عن هذا الموطن منذ زمن بعيد. هناك.. تتغيَّر مقاييسُ الحياة. تتضاءل الأشياءُ التي كانت تبدو عظيمةً، وتكبر المعاني التي كنَّا نظنُّها صغيرةً. ويكتشف الإنسان أنَّ الطمأنينة ليست نتيجة لانتهاء المشكلات، بل ثمرة للقُرب من الله. وأنَّ السَّكينة ليست غياب الضجيج حولنا، وإنَّما غياب الضجيج داخلنا. ولذلك، فإنَّ المدينة لا تمنحُ زائرها إجاباتٍ جديدةً، بقدر ما تُعيده إلى الأسئلة الأُولى التي خُلقت الفطرة وهي تعرفها: من أين جاءت هذه الرَّحمة؟ ولماذا يغمر هذا السَّلام القلب كله؟ وكيف يستطيع مكانٌ على الأرض أنْ يربِّي الرُّوح دون أنْ ينطقَ بكلمةٍ؟ والجواب واحد... لأنَّها المدينة التي أحبَّها رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-. ما أكثر الذين يدخلُون المسجد النبوي، حاملين أوجاعهم، ثمَّ يخرجُون وهم يحملُون الأمل ذاته، لكن بقلوب مختلفة. لم تتغيَّر الظروفُ، ولم تنتهِ الأزماتُ، إلَّا أنَّ شيئًا عميقًا قد تبدَّل في الداخل، ذلك أنَّ الإنسان إذا اقترب من منابع النور، خفَّت عنه عتمة الطريق. أمَّا أهلُ المدينة، فلهم مع النعمة شأنٌ آخرُ. إنَّهم يعيشُون في جوار معجزةٍ يوميَّةٍ، حتى يخشى عليهم من الاعتياد أكثر ممَّا يخشى عليهم من الحِرمَان. والمدينة ليست استثناءً، إنَّها أمانةٌ قبل أنْ تكون ميزةً. ولهذا فإنَّ الانتماء الحقيقي إليها، لا يبدأ من السكن بين أحيائها، بل من السكن في أخلاقها. أنْ يكون الإنسانُ رحيمًا؛ لأنَّ نبيَّ الرَّحمة عاش هنا، وأنْ يكون ليِّنًا؛ لأنَّ اللين كان خُلق ساكنها الأعظم، وأنْ يكون صادقًا، سمحًا، مُؤثِّرًا للخير؛ لأنَّ الأرض التي احتضنت الرسالة لا يليق بأهلها إلَّا أنْ يحملُوا شيئًا من نورها. ولعلَّ أعظم ما تهديه المدينة لساكنها، أنَّها تعلمه أنَّ النعم لا تحفظ بالخوف عليها، وإنَّما تحفظ بالشكر. وأنَّ الشكر ليس احتفالًا عابرًا بالنعمة، بل طريقة في النظر إلى العالم. أمَّا الذين عرفوا سرَّها، فإنَّهم كلَّما ازدادوا قربًا منها، ازدادوا يقينًا بأنَّ أعظم نعم الله ليست ما يُضاف إلى أعمارنا، بل ما يُضاف إلى أرواحنا... وأنَّ بعض المدن لا تُسكن، وإنَّما تسكن في قلوبنا؛ وتظل تعلِّمنا ما حيينا؛ كيف يكون الحمدُ أسلوبَ حياةٍ.

مقالمقالات