ما أزهى أن يمتلئ المكان بقوة حضور الذات للإنسان وليس بحديثه المسترسل، نرى كثيرًا من الأشخاص الذين يسبق حضورهم حديثهم، وإن تحدثوا فالسكينة منبرهم لأنهم سكنوا أنفسهم، وملؤوا الفراغ الداخلي قبل أن يسكنوا المكان، فتزدان لك جنة من الهدوء والروية وهيبة الاتزان، وقد قيل قديمًا: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وكنا نرددها كثيرًا دون وعي بقيمة الاكتفاء اللفظي وكبح جماح انطلاق اللسان في كل ميدان بمسوغ أو بدونه، سوى اندلاق جيش من الكلمات التي قد تعود سلبًا على قائدها، فتراه في كل ميدان له السبق في تقديم رأيه وطرح وجهة نظره لإثبات وجوده وتميزه الفكري، من زاويته الخاصة على الأقل، إلاَّ أنه يورث الخلل في مركزية التوازن ومعيار الثقة النفسية، فيتجلى أقصى طموحه في ملء المكان بالضجيج دون جدوى، ناهيك عن حجم وثقل الكلمات التي قد تكون كوقع الحسام المهند في شق صدور الناس، دون الشعور بمواقفهم الحقيقية. فكنا نعلم قديمًا أن الحكيم هو قليل الكلام، كثير التأمل والتفكر، فهل فقد الصمت قيمته؟

حقيقة الأمر أن الاستقرار الداخلي أثمن من الانتصار في أي نقاش، والقتال في كل قضية، فالصمت حينها ليس غياب الكلمة، بل حضور المعنى المنشود، فالإنسان الذي يغلب الصمت حديثه، يدرك متى يتحدث، ولماذا يتحدث، لأن لكل كلمة ثمنًا، إما بالربح أو بالخسران. فتراه ينتقي من عبق الحديث أطيبه، مما يزيد من قيمته النفعية لا ما يقلل من حجمه المعنوي. فكم من كلمة ساهمت في يقظة فؤاد مكلوم وروح شارفت على الهلاك، فدبت الحياة بداخلها وانهمرت شلالات الأمل على جبالها، وكم من كلمة هدمت مدنًا عامرة من الآمال، وقصورًا من الطموحات، فأحدثت زلزالًا يصعب إعمار دماره لأعوام.

ونحن إذ نُشيد بفضيلة الصمت، لا ندعو إلى العزلة وعدم التفاعل الحواري، بيد أن الانسياق في كل جدال، والخوض في معارك المناظرة لحدث ما، سواء كنت تملك قرار التأثير فيه أم لا، له من الكلفة النفسية وانخفاض الطاقة الشيء الكثير، وإذا نزح الإنسان بنفسه إلى الصمت، فهو يدعوها بحبور إلى بهو الإنصات الذي يعيد اكتشاف نفسه من جديد، مما يسهم في قراءة الأحداث برؤية أكثر واقعية ومصداقية.

وفي زمن التواصل الاجتماعي تغيرت علاقتنا بالصمت، فأصبحت اليوميات تُروى كمحتوى يُقدَّم إلى العامة، والتعليق على كل حدث عابر يُطرح كرأي في الشارع الإلكتروني، لنبدأ رويدًا رويدًا في فتح نافذة لغو الحديث، واستنزاف الهمم فيما لا يفيد البشرية سوى الدوران في فلك القيل والقال بلا حصاد يُذكر. وأنوّه إلى قوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، فالخوض في أعراض الناس خطيئة كبيرة لا يجب الاستهانة بها لأنها شرارة من عدم احترام غيبة الفرد، وخيانة عظيمة لحضوره، كما أنها إعصار يمحق الحسنات لتذهب إلى صاحبها المستحق.

ويظل السؤال: لماذا يلفت اهتمامنا الشخص الصامت بوقار مختلف؟

لأن للندرة في إدراكه حيزًا كبيرًا، فيخلق من مفرداته قيمة عظيمة تُنتظر في المجالس وذلك نابع من الفهم العميق للشخصيات والتقدير الحيادي للمواقف، وهذا بعد جهد جهيد من ضبط النفس في رد الفعل، والتزام مسار الكلمات المؤجلة.

فليس الحضور أن تُرى كثيرًا، بل أن تُفتقد إذا غبت، وليس البيان في كثرة الكلمات، بل في صدقها وقوتها حين تُقال.