بعد ميلاد الفكرة، ووعي المعنى، ولغة الإدراك، وهندسة الرسالة، لا بد أن تشكل هوية الكاتب جزءًا أصيلًا من سلسلة كتابة المحتوى.

"أن تكون نفسك في عالم يسعى دائمًا إلى أن يجعلك شخصًا آخر، هو أعظم إنجاز"، وما دمنا في هذه السلسلة، يتجلى السؤال الأكثر حضورًا، من الذي كتب هذا؟ والسؤال هنا أراه قد تجاوز الاسم الذي ذُيِّل به المنشور، وخُتم به المقال، فقد حل في روح سكنت السطر، وأثره الذي جعل القارئ يعرف صاحبه قبل أن يقرأ توقيعه.

هوية الكاتب تبدأ من طريقته في رؤية العالم، فالأسلوب صورة خارجية، والهوية بناء داخلي تولد منه المفردات، وتنبثق منه الأفكار، وتستقر فيه القيم التي تمنح النص ملامحه الخاصة، ولهذا قد تتشابه الموضوعات، وتختلف النصوص، ويبقى كل كاتب متفردًا بعالمه الخاص الذي لا يشبه غيره.

المشكلة التي يعيشها الكثير أنهم ينشغلون ببناء الأسلوب قبل بناء الذات، فتجدهم يبحثون عن عبارة تشبه كاتبًا مشهورًا، أو تركيب لغوي يحقق الإعجاب، أو إيقاع يلفت الانتباه، حتى تتشكل مع الأيام نصوص متقنة الصنعة، غائبة الهوية، وهذا كفيل بغياب الكاتب عن نصه، ومتى غاب غابت روحه فيه، واندثر كيانه بكفيه.

ستبقى الهوية غير قابلة للاستعارة، لأنها ببساطة حصيلة رحلة طويلة من القراءة، والتأمل، والخبرة، والأسئلة، والبحث، والهزائم، والانتصارات، والمعارك الداخلية والخارجية، وكل تجربة يعيشها الإنسان تضيف طبقة جديدة إلى صوته الداخلي، حتى يصل إلى لحظة تصبح فيها الكتابة انعكاسًا طبيعيًا لوعيه.

الكاتب الحقيقي مؤمن بعدم الخوف من كل تلك الاختلافات التي يحملها، كما أن الفرادة ليست خيارًا تجميليًا، وكلما اقترب الإنسان من ذاته، ابتعد تلقائيًا عن التشابه، حتى تصبح كلماته معروفة بروحها قبل أن تُعرف بصياغتها.

ومن أعقد الأخطاء في صناعة المحتوى أن يطارد الكاتب ما يطلبه الجمهور، وينسى ما يستطيع هو أن يقدمه، فالجمهور يتغير، والمنصات تتغير، والخوارزميات تتغير، أما الهوية فتبقى الأصل الذي يمنح الكاتب استمراره، ومن يكتب لكل أحد، يفقد شيئًا من صوته، ومن يكتب من أعماقه، يجد دائمًا من يبحث عن هذا الصوت.

حتى المحتوى المؤسسي له شخص يمثله، وهوية يتبناها، وروح تتحدث باسمه، ومن تتحدث كل يوم بلغة مختلفة، ورسالة مختلفة، وشخصية مختلفة، تبني حضورًا متقلبًا يصعب الوثوق به، أما حين تستقر هويتها الفكرية، تصبح كل رسالة امتدادًا طبيعيًا لما قبلها، ويغدو المحتوى تعبيرًا عن شخصية المؤسسة، فضلًا عن كونه وسيلة للنشر.

مع مرور الزمن، يكتشف الكاتب أن أعظم ما يتركه هو الطريقة التي جعل بها الناس يرون العالم، فكما منح قارئه كلمة جديدة، منحه أيضًا زاوية جديدة للنظر، وطريقة مختلفة للفهم، وحساسية أعمق تجاه المعنى.

ختامًا… هوية الكاتب توقيع يسبق التوقيع.