في ظل تسارع جلسات المحاكمة العلنية لمسؤولي النظام السوري السابق، يعيش أهالي الضحايا والناجون من التعذيب حالة من الترقب الحاد انتظاراً للأحكام المنتظرة، مع دعوات متزايدة إلى إصدار حكم بالإعدام عليهم.

وتأتي هذه المحاكمات بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، في إطار جهود العدالة الانتقالية.

وتشهد محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تسارعاً في عقد الجلسات، حيث انطلقت في 25 أبريل محاكمة غيابية لبشار الأسد وشقيقه ماهر وآخرين، بينهم عاطف نجيف الذي ظهر مكبلاً في القاعة.

عاطف نجيب داخل المحكمة الجنائية خلال جلسة محاكمته الأولى في أبريل (إ.ب.أ)

وبلغ عدد جلسات محاكمة عاطف نجيب ست جلسات، فيما عُقدت ثلاث جلسات لوسيم الأسد، ومن المتوقع أن تصدر بحقه هيئة العدالة الانتقالية حكماً في 29 يوليو.

كما عُقدت 3 جلسات محاكمة متتالية لمفتي سوريا في عهد النظام السابق، أحمد ‏حسون، المتهم بارتكاب جرائم التحريض على العنف وتبرير القتل خلال عهد ‏النظام ‏البائد.

‏وتزداد حالة الترقب في درعا جنوب البلاد؛ حيث يتابع الأهالي باهتمام مجريات محاكمة نجيب، بحكم أن المحافظة شهدت في فبراير (شباط ) 2011 اعتقال أكثر من 20 طفلاً في المدينة من قبل فرع «الأمن السياسي» الذي كان يرأسه، على خلفية كتابات على جدران المدارس، ومن بينها عبارة «أجاك الدور يا دكتور» وعرفت حينها القضية بقضية «أطفال الحرية»، التي أشعلت شرارة الاحتجاجات في المدينة في 18 مارس (آذار) من العام نفسه.

رفع صورة حمزة الخطيب وطفل آخر ممن قضوا بدرعا عام 2011 في محاكمة عاطف نجيب 26 أبريل 2026 (سانا)

ويؤكد محمد عبد الرحمن، وهو من أهالي مدينة درعا، وقد قضى نجله في سجن صيدنايا بعد اعتقاله في بداية الثورة، أن أهالي المحافظة «يطالبون بإعدام جميع من تلطخت أيديهم بدماء مئات آلاف السوريين، وليس فقط عاطف نجيب».

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد بيت في درعا إلا ودفع الثمن، فهناك من فقد ابناً أو أكثر، برصاص جيش وأجهزة النظام البائد، أو في معتقلات النظام، ومن لم يفقد عزيزاً يعيش حالياً وسط الدمار... وبالتالي الشعب يريد إعدام جميع هؤلاء».

يوسف سويدان، وهو من بين الأطفال الذين جرى اعتقالهم في درعا وأصبح شاباً حالياً، لكنه لا يستطيع العمل بسبب التعذيب الشديد الذي تعرض له خلال فترة اعتقاله، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نطالب بإعدام عاطف نجيب ليكون عبرة، والإعدام قليل بحقه، قياساً إلى الجرائم التي ارتكبها بحق أهالي درعا».

أقارب ضحايا تعذيب خلال جلسة محاكمة عاطف نجيب في قصر العدل بدمشق يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

ويلاحظ في جلسات المحاكمات السابقة قصر المدة الزمنية الفاصلة بين الجلسات، إذ عُقدت جلسة المحاكمة الأخيرة لحسون في 23 يوليو، وحُدد يوم 30 من الشهر ذاته موعداً للجلسة المقبلة، في حين عُقدت الجلسة الأخيرة لوسيم الأسد في 22 يوليو وحُدد 29 من الشهر ذاته للجلسة المقبلة، وقد طالبت النيابة العامة بالحكم عليه بالإعدام، استناداً إلى أدلة وشهادات تثبت مسؤوليته عن جرائم القتل العمد والاتجار بالمخدرات وترويجها، وذلك بعد أن عقدت الجلسة الأخيرة من محاكمة نجيب في 21 يوليو، وتم تحديد 28 من الشهر ذاته موعد الجلسة المقبلة.

وسيم الأسد (وزارة العدل السورية)

المحامية نهى المصري، وهي أحد أعضاء لجنة تضم 5 محامين، يعملون بصفتهم فريق ادعاء في الدعوى المنظورة أمام محكمة الجنايات حالياً لمحاكمة أركان النظام السابق، من بينهم نجيب، أوضحت أنه «لا توجد سرعة في عملية محاكمات المسؤولين السابقين في عهد النظام السابق».

وبيّنت نهى المصري لـ«الشرق الأوسط»، أن الدعاوى وصلت إلى الجلسات العلنية، «بعد أن كانت النيابة العامة قبل ذلك قد باشرت فيها، ومن ثم تمت إحالتها إلى قاضي التحقيق، وبعد ذلك إلى قاضي الإحالة، ومن ثم إلى محكمة الجنايات».

ولفتت نهى المصري إلى أن الإجراءات التي سبقت الجلسات العلنية للمحاكمات «لم يتم تسليط الضوء عليها، ومن ثم هناك من يعتقد أن هناك سرعة بإجراء هذه المحاكمات»، موضحة أن «الدعوى ضد نجيب بدأت منذ فبراير 2025، أي منذ أكثر من عام ونصف العام».

وأشارت نهى المصري إلى أن ما ستتضمنه الجلسة المقبلة من محاكمة نجيب، والتي سيتم خلالها الاستماع إلى محامي الدفاع عن المتهم، هي من يُحدد إن كانت الجلسة التي تليها ستكون لمتابعة الإجراءات أم للتدقيق والحكم.

أحمد بدر الدين حسون مفتي نظام الأسد في الجلسة الأولى خلال يونيو الماضي لمحاكمته في دمشق (سانا)

وحول ماهية الأحكام التي يمكن أن تصدرها المحكمة بحق نجيب ووسيم الأسد وحسون، قالت نهى المصري، إنه: «حسب قانون أصول المحاكمات الجزائية الذي يعدّ جرائمهم لا تسقط بالتقادم، كونهم كانوا يمثلون نظاماً قائماً حتى سقوطه، فنحن نطالب المحكمة بعقوبة الإعدام لهؤلاء، أما القانون الدولي والإنساني الذي يعدّ جرائمهم جرائم ضد الإنسانية، فهو لم يُحدد أقصى سقف للعقوبة، ولا يتضمن عقوبة الإعدام، ومن ثم ممكن الحكم عليهم بالاعتقال المؤبد، ولكن نحن لا نريد الاعتقال المؤبد ونطالب بالإعدام، لأن المشاركين في قتل السوريين يجب أن يعدموا، والناس لن تهدأ نفوسها حتى تشفي صدورها من هؤلاء».

حضر الجلسة الخامسة من محاكمة عاطف نجيب منظمات دولية وحقوقية ومجتمع مدني (وزارة العدل السورية)

وأضافت: «لا يمكن استباق النتائج، ولكن نتمنى أن تصدر أحكام بالإعدام بحق هؤلاء القتلة والمجرمين، ونحن لدينا ثقة بقضائنا وعدالته».

وتعهّدت السلطات السورية الجديدة بإرساء العدالة والمساءلة عن الفظائع التي ارتُكبت في عهد الأسد، فيما يؤكد ناشطون والمجتمع الدولي أهمية العدالة الانتقالية في البلد الذي مزّقته الحرب.

"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }

المحاكمات تمثل خطوة نادرة نحو المساءلة في سوريا بعد عقود من الإفلات من العقاب. وتتركز التهم على جرائم ضد الإنسانية. ويرى نشطاء أن هذه الأحكام قد تكون رمزية لكنها مهمة لتهدئة غضب الضحايا. كما أن استمرار المحاكمات قد يفتح الباب لمحاكمة المزيد من المسؤولين.