كتاب

فاتن محمد حسين

زفاف إلى الجنان.. بإذن الرحمن

فاتن محمد حسين

نُشر هذا المقال في 14 يوليو 2026، الساعة 23:20 بتوقيت المملكة العربية السعودية.

يقدم هذا النعي تأبينًا للشابة هيا كاتب التي انتقلت إلى رحمة الله في حادث أليم.

AA

غادرتنا هيا كاتب، تلك الأميرة التي تجسد جمال الروح وهبة السماء، عن 21 عامًا قضتها في بستان مليء بالحب، كأجمل ابتسامة أشرقت في الحياة. رحلت بعد أن ودعت أهلها وأحبابها بأفعالها الجميلة وكلماتها العذبة.

لقد كان يوم ولادتكِ يا هيا فجرًا جميلًا لوالديكِ. كبرتِ وترعرعتِ حتى أصبحتِ نجمًا ساطعًا وجوهرة ثمينة في حياتهما. رحلتِ بعد أن تركتِ بصمات حب في كل مكان، وغرستِ صورتكِ وابتسامتكِ في القلوب. لقد نلتِ الشهادة، فقد جاءكِ الموت في يوم جمعة وأنتِ في غربة، فدعونا الله أن تكوني عروسًا في الجنة، وأن يحشركِ مع الشهداء ويسقيكِ شربة من يد النبي المختار.

‏جاء رحيلك ابتلاء من الله لوالديك (أمين وهديل)، كنتِ عصفورة زمانهم، بنوا لكِ عشاً في أرواحهم.. وضموك تحت جناحهم.. وشيدوا لك قصراً من حنانهم.. ولكن جاء قدرك الحتمي في زحمة ذهول وصدمة، فلاذوا (بالحمد لله)، ليبني لهم قصر الحمد في الجنان بإذن الرحمن. ‏كم يعز على كل من عرفك أن ينساكِ.. وألا يطرق أنغام صوتك العزب مسامعه، أو أن تغيب جميل أفعالك وصدق أقوالك.. نسمة أنت غادرتِ الحياة.. نثرتِ قطرات الحب في كل مكان.. حتى ضيوف الرحمن كان لهم نصيب من الكرم والوفاء.. قدمتِ لهم تطوعاً استقبالاً وفرحة لقاء.. مشيتِ في مشوار الحياة بعزيمة العظماء.. نجحتِ تفوّقتِ، لم يكن ذلك صدفة، بل بإرادة الله الذي سخّركِ لتكوني في شموخ الأبطال، وممن تخطوا الصعاب.. ونالوا فرح الانتصار. ‏لم يمهلكِ القدر طويلا.. حتى في رحلة توسمت فيها ركوب البحر والاستمتاع بالأجواء مع رفقة الأهل والأحباب.. لتنال منك يد التهور والجهلاء، وتنغرس أضلاعك طعنات في القلب وتمس الشغاف... فيتوقف مجرى الهواء، ويتضاءل النبض عن السريان.. لتتوقف الأنفاس.. هكذا كانت نهايتك، مأساة من أقسى مآسي الحياة.. كيف ننساك؟.. لولا الإيمان بالله لنصبنا لك تذكاراً ليبقى مدى الحياة عنواناً لجمال الروح.. فيتعلم منكِ الناس.. ولكن نصبنا سرادق العزاء، وأنتِ عروس فوق الغمام، نبكيكِ ويكفكف دمعنا المئات. ‏وضعوك في التراب «سنة وحياة»، ولكنه زفاف إلى البرزخ والسماء.. نزفكِ اليوم إلى قبر.. هو روضة من رياض الجنان.. نزفكِ لقبر حديقة غنَّاء مد البصر نرجوها من الإله... فسيري مطمئنة إلى الله الواحد القهار. ‏أيا طفلة غادرتِ دار الفناء.. إلى جنة الخلد فملتقانا هناك.. نبكيكِ نرثيكِ.. وكل دموع الكون لا تكفي لغسل الأحزان. ‏لقد تبعثرت الحروف وتاهت الكلمات في زحمة البكاء.. ولم أجد بداً من استعارة بعض أبيات المتنبي في الرثاء.. علّها تُعبِّر قليلاً عما في القلوب من آهات: ‏الحُزنُ يُقلِقُ وَالتَجَمُّلُ يَردَعُ وَالدَمعُ بَينَهُما عَصِيٌّ طَيِّعُ يَتَنازَعانِ دُموعَ عَينِ مُسَهَّدٍ هَذا يَجيءُ بِها وَهَذا يَرجِعُ النَومُ بَعدَ (هيا) شُجاعٍ نافِرٌ وَاللَيلُ مُعْيٍ وَالكَواكِبُ ظُلَّعُ إِنّي لَأَجبُنُ مِن فِراقِ أَحِبَّتي وَتُحِسُّ نَفسي بِالحِمامِ فَأَشجُعُ

مقالمقالات

يبرز النعي قوة الإيمان والرضا بقضاء الله، حيث يصف المتوفاة بالشهيدة ويعزي والديها. كما يستعين الناعي بأبيات المتنبي ليعبر عن الألم، مما يعكس التقليد العربي في الرثاء. هذا النمط من الكتابة يظهر كيف يتعامل المجتمع مع الفجيعة عبر الإيمان والاحتساب.