ما الذي ينقص حياتنا اليوم؟ سؤال يطرحه كل منا على نفسه، بحثاً عن إجابة شافية.

يتزايد الحديث في زمن السرعة الرقمية عن فقدان الإحساس بالراحة الداخلية، رغم وفرة وسائل الرفاهية.

قد تتعدد الإجابات: المال، الوقت، الراحة. لكن الجوهر أعمق. نحيا اليوم حياة أيسر من آبائنا، لكننا أقل راحة منهم. نفتقد راحة النفس قبل الجسد، وراحة القلب قبل المكان، وراحة الحديث قبل كثرة الكلام. ننام على أسرّة أكثر نعومة، ونقود سيارات أفخم، وننجز أعمالنا بوسائل أسرع، لكن ذلك لم يمنحنا الراحة التي كانت تسكن قلوب من سبقونا. فالراحة الحقيقية ليست في الماديات، بل فيما يستقر في الداخل؛ فإذا اضطرب القلب لم ترحه الدنيا، وإذا اطمأن بالله شعر بالراحة وإن ضاقت به الحياة.

لقد فقدنا طمأنينة القلب. ولكن كيف فقدنا هذه الطمأنينة؟
حين امتلأت حياتنا بما يضيّع الوقت، ويشتّت القلب، ويُبعده عن الحياة الحقيقية مع الله، حيث الطمأنينة، والسكينة، وصلاح الحياة.
لم تعد الشاشات تستنزف أوقاتنا فحسب، بل أصبحت تستنزف قلوبنا. تدخل إلى يوم الإنسان من باب التسلية، ثم تستولي على ساعاته وتشغل فكره. ينتقل من مقطع إلى آخر، ومن خبر إلى آخر، حتى يغرق في عالم افتراضي يعيش فيه تفاصيل الآخرين أكثر مما يعيش حياته. ومع هذا الانجراف، تتراجع الأولويات؛ فتؤخر صلاة، وتغيب أذكار، ويُفرَّط في الوتر، ويضعف الخشوع، حتى يقف الإنسان بين يدي الله، وجسده في الصلاة، بينما عقله وقلبه مشتتان من أثر تشتيت الشاشات، دون أن يشعر.
وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية. فالقلب الذي اعتاد التشتيت يصعب عليه أن يتذوق السكينة.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. إنها ليست آيةً تُتلى فحسب، بل حقيقة تعيد ترتيب الحياة. فكلما اقترب الإنسان من ربه، امتلأ قلبه سكينة، وأدرك حقيقة الدنيا. فلا يستحق أن تضيع حياة قصيرة وهبك الله إياها في ما يشتت قلبك، ويستنزف وقتك، ويصرفك عن صلاتك وذكرك، ويُبعدك عن سعادتك الحقيقية.
إذا استقام القلب مع الله، استقامت الحياة. فلا المال يصنع الطمأنينة، ولا كثرة التسلية تمنح السكينة، ولا الشاشات تمنح الإنسان سعادته الحقيقية. وما أحوج الإنسان أن يعود من طريق الفراغ وضياع الوقت إلى طريق الطمأنينة والسكينة. فهناك، في القرب من الله، وفي صلاة خاشعة، وذكر حاضر، وقرآن يُتلى بتدبر، تستعيد الحياة معناها... وتستعيد القلوب طمأنينتها.

في ظل الانشغال الدائم بالشاشات والتشتت الرقمي، يظل السعي وراء الطمأنينة القلبية تحدياً معاصراً. وتؤكد النصوص الدينية على أهمية الذكر والخشوع في تحقيق السكينة، مما يبرز الحاجة إلى إعادة النظر في أولويات الحياة اليومية. فالعودة إلى الجوهر الروحي قد تكون السبيل لاستعادة التوازن المفقود.