لماذا يسهل خداعنا؟!

لماذا يسهل خداعنا؟!
نُشر هذا المقال في 21 يوليو 2026 الساعة 22:31 بتوقيت المملكة العربية السعودية.
يتناول المقال ظاهرة سهولة خداع البشر، ويحلل أسباب انجذابهم إلى الأوهام المريحة على حساب الحقائق المجردة.
AA
«مَن يستطيع إيهام الجماهير، يصبح سيِّدًا لهم، ومَن يحاول إزالة الأوهام من مخيلتهم، يصبح ضحيَّةً لهم».
تعبر مقولة الطبيب والفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون عن جانب عميق في الطبيعة البشرية، حيث أن المشكلة ليست في وجود من يبيعون الأوهام، بل في ميل الإنسان الفطري لمن يمنحه الشعور المريح بدلاً من الحقيقة الصعبة. أليس من المدهش أن يعدك الكثيرون بالثراء السريع عبر الكتب والبرامج، أو يؤكدون أن النجاح يحتاج فقط إلى الشغف؟ ورغم تعقيد الحياة، لا يزال التبسيط الساذج يلقى رواجاً واسعاً، وكأن الناس يشترون الأمل السهل حتى لو عرفوا أنه مزيف.
لقد وجد هذا الخداع المريح في وسائل التَّواصل فضاءً واسعًا وصالحًا للنموِّ والتمدُّد، كونها -وأعني وسائل التَّواصل- لا تكافئ الفكرة الأعمق، بل الأكثر إثارةً والأسرع انتشارًا.. حتى لو كانت تفتقر إلى المنطق أو المصداقيَّة، ولذلك من السَّهل أنْ ينتشر اليوم (مقطع) يوهم الناس بحلِّ مشكلة معقَّدة في دقيقة واحدة، بينما يبقى شرح أستاذ متخصِّص قضى سنوات في إعداده حبيس دائرة ضيِّقة؛ لأنَّ الجمهور -في كثير من الأحيان- لا يختار بين الصحيح والخاطئ، بل بين ما يريحه، وما لا يريحه كما قلنا. ومن هنا أيضًا يمكن فهم الشَّطر الثَّاني من مقولة (لوبون).. فمَن يحاولُون إزالة الأوهام لا يُقَابلُون -عادة- بالامتنان والقبول، بل بالضِّيق أو السُّخرية أو حتى الاتِّهام والهجوم؛ لأنَّ الحقيقة -غالبًا- ما تطلب من الإنسان أنْ يعيد النظر في قناعاته، والاعتراف بأخطائه، وبذل جهد إضافيٍّ، أمَّا الوهم فلا يطلب سوى مواصلة التَّصفيق.. ولهذا، فالطبيب الذي يمنعك من السكَّر أقل شعبيَّة من صديق يقول لك (اسأل مجرِّبًا ولا تسأل طبيبًا)، والمدير الذي يصارح الموظَّفين بما ينقصهم، أقل شعبيَّة من الذي يوزِّع عليهم العبارات المعسولة.. والكاتب الذي ينتقد وهمًا محبوبًا عند المجتمع أقلُّ قبولًا من الذي يجامل، ويُحمِّل الآخرين أسباب مشكلاتنا!. إنَّ معيار جودة المحتوى الانسانيِّ لا ينبغي أنْ يكون مقدار ما يمنحك من شعور مؤقَّت بالرِّضا والرَّاحة، بل بقدر ما يوسِّع وعيك، ويصحِّح رُؤيتك، ويترك فيك أثرًا، حتى لو خالف قناعاتك، أو حمَّلك جزءًا من المسؤوليَّة.. ولعلَّ هذه الإشكاليَّة هي ما جعلت مقولة (غوستاف لوبون) تبقى وتتجدَّد لأكثر من قرن.. فعلى الرغم من تطوُّر المجتمعات الإنسانيَّة في أشياء كثيرة، إلَّا أنَّها ما زالت تنجذب بسهولة إلى من يمنحها ما تحب سماعه، أكثر ممَّن يمنحها ما تحتاج إليه!.
الأوهام الحقيقة الخداع النجاح السعادة الرضا التواصل المجاملة
يشير المقال إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تسهل انتشار الأوهام لأنها تكافئ الإثارة والسرعة على حساب العمق والمصداقية. ويوضح أن محاولة إزالة الأوهام غالباً ما تقابل بالرفض أو الهجوم، لأن الحقيقة تتطلب جهداً وتغييراً في القناعات. وتظل مقولة غوستاف لوبون صالحة حتى اليوم، مما يعكس ثبات الطبيعة البشرية رغم التطور التكنولوجي.
المصدر الأصلي: المدينة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.