7 وجهات سعودية تُعيد رسم خريطة المصايف العالمية
في زمن يهرب فيه السياح صيفاً إلى برودة الألب وشواطئ المتوسط، تبرز المملكة هذا الموسم كوجهة صيفية فريدة، بما تزخر به من قمم ضبابية وجزر مرجانية فخمة ومدن ساحلية تعج بالفعاليات الليلية، في تناقض صارخ مع لهيب الصحاري.
هذا الزخم السياحي يأتي ضمن رؤية المملكة 2030 التي جعلت من السياحة ركيزة اقتصادية كبرى، مع استثمارات ضخمة في البنية التحتية والترويج.
وكشفت وزارة السياحة أن برنامج 'صيف السعودية' سجل في موسم 2025 أرقاماً غير مسبوقة، حيث استقبلت الوجهات السعودية أكثر من 32 مليون سائح محلي ودولي، بارتفاع نسبته 26% عن صيف 2024، فيما بلغ الإنفاق السياحي نحو 53.2 مليار ريال.
وعلى مستوى العام الكامل، سجّلت السياحة السعودية في 2025 نحو 123 مليون سائح بإنفاق إجمالي قياسي بلغ 304 مليارات ريال، لتصبح واحدة من أسرع صناعات السياحة نموًا في العالم.
في هذا التقرير، نرصد 7 وجهات سعودية تتصدر المشهد هذا الصيف، ضمن برنامج وطني يضم أكثر من 140 جهة حكومية وخاصة، وتقوده رسميًا خمس وجهات رئيسية معلنة هي عسير والبحر الأحمر وجدة والطائف والباحة، إلى جانب نجوم صاعدة بقوة مثل نيوم وجازان.
عسير.. الألب العربي فوق السحاب
على سلسلة جبال السروات جنوب غرب المملكة، تتحول عسير كل صيف إلى الملاذ الأبرد في شبه الجزيرة العربية، حيث تتراوح درجات الحرارة بين 20 و25 درجة مئوية فقط، بينما يغلف الضباب المرتفعات في ساعات الصباح الباكر.
أطلق أمير منطقة عسير، الأمير تركي بن طلال، موسم 'صيف عسير 2026' بشعار 'السما أرضك'، وبإسناد من وزارة السياحة والهيئة السعودية للسياحة، مستهدفاً استقطاب أكثر من 3 ملايين زائر محلي وأجنبي، عبر نحو 100 تجربة محجوزة، ويستمر الموسم حتى بداية سبتمبر.
وتتوزع الفعاليات بين إعادة افتتاح مسرح طلال مداح التاريخي، وسوق الثلاثاء الشعبي، إلى جانب وجهات مثل "بلدة الكاوبوي" و"سكاي فيلج" ومهرجان أبها للتسوق ومنتجع الوادي، فيما تبقى قرية رجال ألمع التراثية بمبانيها الحجرية الملونة ومحطة التلفريك المطلة على السودة من أبرز رموز المنطقة على مدار العام.
الباحة.. الواحة الجبلية الهادئة
لمن يبحث عن نسخة أكثر هدوءًا من تجربة الجبال، تقدّم الباحة بديلاً أقل ازدحاماً لكنه لا يقل جمالاً. تنظّم أمانة المنطقة منذ بداية يوليو 2026 سلسلة فعاليات صيفية تضم أكثر من 500 نشاط ثقافي ورياضي وترفيهي موزعة على محافظاتها.
وتتصدّر غابة رغدان، الواقعة على ارتفاع يتجاوز 1700 متر فوق سطح البحر وتمتد على نحو 483 ألف متر مربع، قائمة الوجهات الطبيعية بفضل أشجار العرعر المعمرة والمشاهد الضبابية المتكررة، وتضم حديقة "بهجة رغدان" وحديقة اللافندر، إضافة إلى مشروعي الجسر المعلق والانزلاق الحر الجديدين اللذين يعززان حضورها الترفيهي هذا الموسم.
الطائف.. عروس المصايف
تحمل الطائف لقب "عروس المصايف" منذ عقود، بفضل موقعها المرتفع الذي يمنحها مناخًا معتدلًا يبتعد عن حرارة مكة وجدة القريبتين. وترتفع قريتا الهدا والشفا، المطلتان على جبال السروات وسط غابات العرعر والتشكيلات الصخرية الجرانيتية، فوق 1700 متر، حيث لا يتجاوز المعدل اليومي للحرارة في الشفا صيفًا 24 درجة مئوية.
وإلى جانب هوايات المشي والتسلق والفروسية التي يمارسها الزوار بين الأودية، تضم المدينة مدن ألعاب ضخمة مثل "سباركيز"، وأكثر من 900 مزرعة ورد طائفي تمنح المنطقة هويتها العطرية الفريدة على مدار العام.
جدة.. نبض الساحل الصيفي
على النقيض من هدوء الجبال، تتحول جدة كل صيف إلى أكثر المدن السعودية صخبًا واحتفالًا. انطلق "موسم جدة 2026" أواخر مايو ليمتد نحو ثلاثة أشهر، حاملًا أكثر من 200 فعالية عالمية ومحلية، ومستهدفًا جذب نحو 10 ملايين زائر وخلق آلاف الوظائف.
ويجمع الموسم بين الحفلات الغنائية الكبرى، والعروض المسرحية العالمية، ومهرجان طعام دولي يشارك فيه طهاة حائزون على نجوم ميشلان، إلى جانب عروض الألعاب النارية اليومية وفعاليات رياضية على طول كورنيش المدينة. وتبقى جدة التاريخية المدرجة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، والكورنيش الممتد لعشرات الكيلومترات، شاهدين على هوية المدينة التي تجمع بين عمق التاريخ وحداثة الترفيه.
وجهة البحر الأحمر وأمالا.. جزر الفخامة المستدامة
تمثّل وجهة "البحر الأحمر" أحد أكثر مشاريع الضيافة طموحاً في العالم، إذ تمتد عبر أرخبيل يضم أكثر من 90 جزيرة على طول الساحل الغربي للمملكة. افتُتحت بالفعل منتجعات فاخرة تحمل توقيع علامات عالمية مثل "إديشن" و"إنتركونتيننتال" و"إس إل إس" و"سيكس سينسز ساذرن دونز" و"سانت ريجيس"، ضمن مرحلة أولى تضم أكثر من 2700 وحدة فندقية، على أن يصل العدد إلى 8000 وحدة عند اكتمال المشروع. وما يميز الوجهة عالمياً هو التزامها البيئي الصارم، حيث خُصص الجزء الأكبر من الأرخبيل كمحمية طبيعية، فيما يستمر افتتاح منتجعات جديدة في جزيرة شورى حتى نهاية 2026، لتقدّم تجربة جزرية فاخرة تنافس أبرز الوجهات الساحلية العالمية دون التفريط في التوازن البيئي.
جازان وجزر فرسان.. كنز الجنوب البحري
في أقصى جنوب غرب المملكة، تقدّم جازان مشهدًا صيفيًا نادرًا يجمع بين البحر والجبل في آنٍ واحد؛ من المرتفعات الجبلية الخضراء، مرورًا بالمزارع الريفية وحقول المانجو والبن والعيون الحارة، وصولًا إلى واجهة المانجروف الساحلية ومسارات المشي بمدينة جازان نفسها. وقبالة الساحل، يبرز أرخبيل جزر فرسان بأكثر من 84 جزيرة مرجانية تمتد على مساحة تقارب 1050 كيلومترًا مربعًا، وتشتهر برمالها البيضاء ومنازلها المرجانية التقليدية ومواقعها الأثرية مثل القلعة البرتغالية وقرية القصار التراثية، لتشكل تجربة جزرية بكرًا لا تقل سحرًا عن أشهر الجزر المرجانية حول العالم.
وتؤكد بيانات الهيئة العامة للإحصاء ووزارة السياحة أن هذا الزخم ليس عابراً؛ فقد أسهمت السياحة بنسبة 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 بنمو 14%، بينما حقق بند السفر في ميزان المدفوعات فائضاً بلغ 49.4 مليار ريال خلال 2025، مشكلاً أكثر من 61% من إجمالي صادرات الخدمات.
وفي قطاع الترفيه وحده، سجلت المملكة أكثر من 89 مليون زائر خلال 2025، مع ترخيص 472 وجهة ترفيهية جديدة بنمو 12%، ليصل إجمالي الوجهات النشطة إلى 975 وجهة، ومؤشر رضا عام بلغ 95% استنادًا إلى أكثر من 755 ألف استجابة من الزوار.
من ضباب عسير البارد إلى دفء جزر فرسان المرجانية، ومن فخامة منتجعات البحر الأحمر المستدامة إلى طموح تروجينا الجبلي، تقدم السعودية هذا الصيف نموذجًا سياحيًا متكاملًا يجمع بين التنوع الجغرافي النادر والاستثمار الضخم في البنية التحتية والضيافة العالمية.
وبينما كانت الوجهات الصيفية التقليدية حول العالم تحتكر اهتمام المسافرين لعقود، تفرض هذه الوجهات السعودية نفسها اليوم كمنافس حقيقي بمقومات طبيعية وثقافية واستثمارية لا تتكرر بسهولة.
وتعكس هذه الأرقام الطموحة نجاح الاستراتيجية السعودية في تنويع مصادر الدخل، حيث تسعى المملكة لاستقطاب 150 مليون زيارة سنوية بحلول 2030. ومع استمرار تطوير وجهات مثل نيوم والبحر الأحمر، يبدو أن الصيف السعودي لم يعد مجرد موسم سياحي عابر، بل تحول إلى علامة فارقة في خريطة السياحة العالمية.
المصدر الأصلي: أخبار 24
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.