ما بعد صافرة خروج الأخضر.. كيف تتحول اللغة إلى خط دفاع أول عن الأوطان؟ - د. ياسين علي محمد عزي
في الدول العظمى التي تصنع حضورها العالمي بثقة، لا تُقاس قوة الوطن بما ينجزه على الأرض وحدها، بل كذلك بقدرته على حماية صورته ومعناه المجتمعي في لحظات المتغيرات كتلك الليلة التي عشناها جميعا عقب خروج الأخضر. فالأوطان الحديثة لا تبني اقتصادها ومؤسساتها ومشروعاتها الكبرى فحسب، بل تبني أيضًا وعيًا وطنيا يدرك أن بعض اللحظات العابرة -مهما بدت رياضية أو اجتماعية أو حتى ترفيهية- قد تتحول إلى مساحة تختبر فيها المجتمعات قدرتها على التعبير عن ذاتها بالطريقة التي تليق بها.
ومن هنا، لا تبدو الرياضة حدثًا منفصلًا عن هذا السياق الواسع. فالمنتخب الوطني، حين يدخل بطولة عالمية باسم المملكة العربية السعودية، فهو لا يمثل مجرد فريق كرة قدم يخوض منافسة تنتهي بانتصار أو خروج من المنافسة، بل يحمل معه صورة وطن كامل؛ رايته، اسمه، نشيده، وطموح الملايين الذين يرون في حضوره امتدادًا لصورة بلادهم وهي ترسم مكانتها الجديدة في العالم. ولهذا فإن ما يقال بعد مثل هذه اللحظات لا يبقى حبيس النقاش الرياضي الضيق، لأن اللغة التي تتشكل بعد الحدث تصبح، في جوهرها، جزءًا من الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع رموزه الوطنية حين تمر بلحظة تعثر.
ولعل ما حدث عقب خروج المنتخب السعودي من كأس العالم يقدم مثالًا بالغ الأهمية على هذه الفكرة. فمن يتأمل الفضاء الرقمي في الساعات التي تلت نهاية المشاركة يلاحظ أن القضية لم تكن في النتيجة وحدها، بل في سيل الخطابات التي وُلدت بعدها. وهنا تبرز أهمية ما يعرف في العلوم الإنسانية بـ تحليل الخطاب؛ ذلك الحقل المعرفي الذي لا يدرس الكلمات بوصفها ألفاظًا معزولة، بل يقرأ ما تؤديه من وظائف اجتماعية ونفسية ورمزية داخل اللحظة والسياق التي تولد فيها.
ومن هذا المنظور، لم تكن ردود الفعل التي أعقبت خروج الأخضر مجرد تعليقات رياضية عفوية، بل كشفت بوضوح عن أنماط خطابية مختلفة، بعضها تعامل مع الحدث بوعي عالٍ ومسؤولية وطنية لافتة، وبعضها حافظ على التوازن بين حق النقد وواجب احترام الرمز الوطني، فيما انزلقت بعض التعبيرات الأخرى -ربما بدافع الانفعال وحده- إلى لغة قد تفتح مساحات غير آمنة، تسمح بتحول الخيبة الرياضية إلى خطاب يمس صورة الرمز الذي يمثل الوطن نفسه.
أول هذه الأنماط ما يمكن تسميته، إجرائيًا، خطاب القراءة العميقة. ففي هذا النوع من الخطاب لا تتجه اللغة نحو الحلقة الأسهل، فلا يتحول اللاعب إلى متهم، ولا تختزل المشاركة كلها في لقطة ضائعة أو تمريرة خاطئة، بل تنتقل الكلمات مباشرة إلى سياق أوسع وأكثر اتزانًا: كيف جرى الإعداد؟ ما أثر الاستقرار الفني؟ ما الظروف التي سبقت المشاركة؟ وما طبيعة البيئة التي دخل بها المنتخب هذا الاستحقاق العالمي؟ ومن اللافت هنا أن المعجم المستخدم في هذا النوع من النصوص يختلف تمامًا عن معجم الغضب والانفعال؛ فهو معجم يقوم على مفردات مثل التخطيط، الجاهزية، الاستعداد، السياق، المنظومة، الاستقرار. وهذا في ذاته مهم للغاية، لأن اللغة حين تبحث عن الفهم بدلًا من الانفعال، فإنها تحمي النقاش العام من السطحية، وتحافظ على اتزانه، وتمنع أن يتحول الحدث إلى محاكمة عاطفية سريعة لمن حملوا الراية.
وفي مقابل ذلك، برز نمط آخر أكثر ارتباطًا بالمستقبل، ويمكن وصفه بـ خطاب المشروع الوطني. وقد تجلى هذا النمط في الكتابات التي تجاوزت لحظة الخروج ذاتها، واتجهت إلى الحديث عن صناعة اللاعب السعودي، والاستثمار طويل المدى، والتهيئة للاستحقاقات القادمة، وفي مقدمتها استضافة المملكة لكأس العالم 2034. وأهمية هذا الخطاب لا تكمن في مضمونه الرياضي وحده، بل في أنه يعكس وعيًا بأن الرياضة السعودية لم تعد ملفًا منفصلًا عن التحول الوطني الكبير الذي تعيشه المملكة اليوم، بل أصبحت جزءًا من صورة الدولة الحديثة، ومن أدوات حضورها العالمي وقوتها الناعمة. ولهذا فإن هذا النوع من الخطاب لا يسمح للنتيجة الآنية أن تبتلع الأفق الأكبر، بل يضع الحدث في حجمه الطبيعي باعتباره محطة ضمن مسار وطني ممتد، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من النضج المجتمعي.
أخبارالسعودية
ثم ظهر نمط ثالث بالغ الأهمية، ويمكن تسميته خطاب العدالة الرمزية، وقد وجدنا نموذجًا واضحًا له في العبارة اللافتة التي كتبها الأستاذ مصهف عسيري حين قال: «الإخفاق لا يصنع مذنبًا واحدًا». هذه العبارة القصيرة تستحق التأمل طويلًا؛ لأنها تعكس إدراكًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا لطبيعة المجتمعات في لحظات الخيبة. فمن المعروف أن الجماعات، حين تواجه إحباطًا جماعيًا، تميل أحيانًا إلى البحث عن شخص واحد تُسقط عليه ثقل المشاعر السلبية كلها، وكأنها بذلك تريح نفسها عبر صناعة مذنب واضح. لكن هذه العبارة فعلت العكس تمامًا؛ إذ أعادت توزيع المعنى بطريقة أكثر عدلًا واتزانًا، ورفضت أن تتحول اللغة إلى أداة ظلم، مؤكدة أن الإنصاف في لحظات الغضب ليس ضعفًا في الانتماء، بل أحد أكثر أشكال الوطنية نضجًا.
ويبرز إلى جانب ذلك نمط آخر لا يقل أهمية، ويمكن وصفه بـ خطاب الوفاء الوطني، وقد ظهر بوضوح في الطرح الذي قدمه سمو الأمير عبدالرحمن بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود حين حافظ على مساحة دقيقة تجمع بين الصراحة وبين احترام القيمة الرمزية للمنتخب. فمثل هذا الخطاب لا ينكر شعور الجمهور بالخيبة، لكنه في الوقت ذاته يرفض أن تتحول لحظة عابرة إلى قطيعة نفسية أو رمزية مع جيل كامل مثل الوطن في أهم محفل رياضي عالمي. وهنا يصبح الخطاب نفسه مؤشرًا على وعي أعمق؛ لأن النضج الحقيقي لا يقيس الأمور بمنطق اللحظة وحدها، بل يضعها دائمًا في سياقها الزمني والتاريخي الأكبر.
أما حديث العميد الركن محمد خليل أبو ديه فقد حمل بعدًا وطنيًا بالغ الأهمية، لأنه أعاد النقاش كله إلى أصل المسألة حين ذكّر بحقيقة تبدو بديهية لكنها كثيرًا ما تضيع وسط الانفعال: أن المنتخب الذي شارك في البطولة يحمل اسم المملكة العربية السعودية، وأن مجرد وجوده في هذا المحفل العالمي الكبير يظل تمثيلًا لوطن عظيم ينبغي أن يبقى حاضرًا في الوعي ونحن نتحدث عنه. وأهمية هذا الطرح لا تكمن في كونه يقلل من مشاعر الخيبة، بل في أنه يعيد تثبيت قيمة الرمز الوطني داخل النقاش العام، ويذكر بأن بعض المساحات لا ينبغي أن تُترك للانفعال المجرد كي يعيد تعريفها بعيدًا عن معناها الحقيقي.
وفي المقابل، ظهرت بعض العبارات التي تجاوزت حدود النقد الرياضي إلى مساحة مختلفة تمامًا، حيث لم تعد الكلمات تناقش الأداء، بل بدأت تمس -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- القيمة الرمزية للمنتخب ذاته. وهنا يصبح من الضروري أن نتوقف عند حقيقة كثيرًا ما يغفل عنها الناس: المشكلة لا تكمن في النقد ذاته، فالنقد البناء قد يكون منجبا، وضرورة صحية في مجتمع حي. لكن الفارق الحقيقي، من منظور تحليل الخطاب، لا يتعلق بدرجة الحدة في الجملة بقدر ما يتعلق بوظيفتها العميقة. هل تتجه الكلمات نحو فهم الحدث وتفسيره؟ أم تتحول -ولو دون وعي- إلى لغة تضعف الرمز الذي يمثل الوطن، وتمنح المتربصين فرصة استثمار لحظة انفعال داخلية لتضخيم صورة سلبية لا علاقة لها بالرياضة وحدها؟
وهنا تتضح الفكرة الكبرى التي تستحق التأمل. ففي زمن تعيد فيه المملكة صياغة حضورها العالمي سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا ورياضيًا، لم تعد الرياضة مجرد نتائج تُسجل في مضامير البطولات، بل أصبحت جزءًا من الصورة الدولية للدولة، وإحدى أدوات قوتها الناعمة، وأحد الوجوه التي تعكس حجم التحول الذي تعيشه البلاد. ولذلك فإن اللغة التي نتحدث بها عن رموزنا الوطنية، حتى في لحظات التعثر، ليست تفصيلًا هامشيًا كما قد يظن البعض، لأنها تشارك -شاءت أم أبت- في تشكيل صورة الوطن داخل الوعي المجتمعي أولًا، وأمام الآخرين ثانيًا.
لقد خرج الأخضر من البطولة، لكن القيمة الأعمق التي كشفتها هذه اللحظة لم تكن رياضية بقدر ما كانت لغوية وثقافية في جوهرها. فقد كشفت أن الكلمات نفسها تخوض معركة موازية، معركة لا تدور داخل المستطيل الأخضر، بل داخل مساحة أكثر عمقًا وتعقيدًا: مساحة الوعي المجتمعي، حيث تصبح اللغة أحيانًا أكثر تأثيرًا من الحدث نفسه.
ومن هنا يمكن القول إن الأوطان لا تحرسها الجيوش وحدها، ولا المؤسسات وحدها، ولا المشروعات الكبرى وحدها، بل تحرسها الكلمة أيضًا، حين تعرف كيف تعبر عن الغضب دون أن تتحول إلى أداة انتقاص، وحين تمارس حق النقد دون أن المساس أو الإساءة للرمز الذي يحمل اسم الوطن، وحين تدرك أن الراية التي يمثلها المنتخب تظل أكبر من لحظة عابرة، وأكبر من نتيجة تنتهي مع صافرة حكم.
ففي بعض اللحظات، لا تكون الكلمة مجرد رأي يقال في فضاء عابر، بل تصبح -بكل ما تحمله الكلمة من معنى- خط الدفاع الأول عن الوطن نفسه.

المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.