تحتضن منطقة المدينة المنورة حزمة واسعة من المعالم الأثرية الممتدة عبر حقب تاريخية متعاقبة، تبدأ من ما قبل التاريخ وتمر بالعصور الجاهلية والإسلامية، وتبرز من بينها بلدة الطرف (الصويدرة) الغنية بالآثار العريقة؛ إذ تحوي رسوماً حيوانية ونقوشاً إسلامية على واجهاتها الصخرية تؤرخ لما بين القرنين الأول والثالث الهجريين (السابع والتاسع الميلاديين). وكانت البلدة تاريخياً قرية وديعة على فرع من طرق الحج المؤدية للمدينة المنورة، وتبعد عنها شمالاً شرقيًا بنحو 60 إلى 70 كم، قبل أن يشهد عمرانها طفرة تنموية بفضل مرور طريق القصيم القديم عبرها. يقول أحد المؤرخين: «الصويدرة: تصغير مؤنث الصادر ضد الوارد، بلدة عامرة تقع على وادي نجاز، وقد يقال وادي الصويدرة على الطريق من المدينة إلى القصيم، وسيل واديها يذهب إلى المخالط ثم سد العاقول. وهو ضيق بين الجبال، لا ترى القرية حتى تشرف عليها عن قرب جداً، وكانت تعرف بالطّرف. وقد أخذت تنتعش وتتقدم بعد أن عُبّد طريق القصيم فمرّ بها، وواديها فيه مياه وزراعة أخذت في التحسن».

تعكس هذه الشواهد والأطلال القيمة التاريخية الكبرى التي تميز بها شبكة الطرق والمحطات المرتبطة بالحج والعصور الإسلامية المبكرة في شبه الجزيرة العربية.

ويُعزى إطلاق هذه التسمية إلى بئر تاريخية ما زالت قائمة فيها حتى يومنا هذا، ورغم عدم توفر تحديد قاطع لبدء تداول اسم الصويدرة، إلا أن توثيق العلامة السمهودي له في سياق حديثه عن عمارة السلطان الأشرف قايتباي للمسجد النبوي الشريف -والتي جرت عام 889هـ/ 1484م إثر الحريق الذي تعرض له المسجد في رمضان من عام 886هـ/ 1505م- يؤكد حضور الاسم بوضوح خلال القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي). يقول السمهودي: «فقد وجه السلطان بتجهيز الآلات والمؤن وما يقارب من مائة صانع من البنائين والنجارين والنشارين والدهانين والمجارين والنحاتين والحدادين والمرخمين وغيرهم، وكثير من الحمير والجمال، ثم جهّز أكثر من مائتي جمل ومن مائة حمار وأزيد من ثلاثمائة من الصناع أهل الصنائع الأولى وغيرهم من الحمّالين والمبيضين والسباكين والجباسين وصرفوا لهم شيئاً من الأجرة قبل سفرهم وقد صارت أحمال المؤمن متواصلة قلّ أن تنقطع براً وبحراً. ويقول أيضاً: «وقد قارن هذه العمارة من السعد وتسهيل الأمور ما لا يوصف، ويسّر الله تعالى لهم من آلات العمارة ما لم نكن نظن حصوله بنواحي المدينة الشريفة خصوصاً أخشاب الدوم، فقطعوا من الموضع المعروف بالشقرة ومن الصويدرة ومن الفرع وغير ذلك ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وكذلك أخشاب السّمر».

وفي السياق النبوي العطر، ورد ذكر الطرف (الصويدرة) حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة زيد بن الحارثة في شهر جمادى الآخرة من العام السادس الهجري، والمعروفة بسرية زيد بن الحارثة إلى بني ثعلبة (الطرف). حيث انطلق زيد برفقة خمسة عشر رجلاً، فانسحبت الأعراب خشيةً من توجه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فاغتنم المسلمون عشرين بعيراً من نعمهم دون مواجهة قتال، وغابوا أربعة أيام متخذين شعاراً لهم: (أمت أمت).

وكان موقع الصويدرة محطة معروفة في طريق الحج المتفرع من طريق الكوفة مكة (درب زبيدة) وهو طريق النقرة (معدن النقرة) إلى المدينة المنورة فكان موقعها بعد بطن نخل (الحناكية) ثم المدينة المنورة، فالطرف هو بعد الحناكية، وقد وضع ابن رستة الطّرف على 22 ميلاً من بطن نخل (الحناكية)، كما يقول عن الطرف: «وهو منـزل يكون آهلاً أيام الحج وفيه ماء السماء من الغدران». وأشار ابن خرداذبة إلى الموضع نفسه بقوله: «ثم إلى الطرف فيها ماء السماء اثنان وعشرون ميلاً» ، ويذكر ياقوت نقلاً عن الواقدي: «الطرف ماء قريب من المرقى دون النّخيل وهو على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة». ويذكر الهمداني: «ومنها (أي: من بطن النخل) إلى الطّرف عشرون ميلاً. ويذكر عرّام: «ثم الطّرف لمن أمّ المدينة، يكتنفه ثلاثة جبال: أحدها (ظلم) وهو جبل أسود شامل لا ينبت شيئاً، و(حزّم بني عوال) جميعاً لغطفان». ويقول الفيروزآبادي: «بطن نخل، جمع نخلة: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة بينهما الطّرف على الطريق، وهو بعد أبرق العزّاف للقاصد إلى المدينة». وقال الأسدي: «إن من بطن نخل إلى الطرف عشرين ميلاً ومن الطرف إلى المدينة خمسة وعشرين ميلاً». وقد ورد ذكر الطّرف في أرجوزة أحمد بن عمرو ضمن المواضع التي نزلتها أم جعفر (زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد):

ثم ارتحلنا فمنزلنا بالطّرف

منصرفين، حامدين المنصرف

ندرع الليل إذا الليل انتصف

في كل فج وصخور نعتسف

قد كان ساريها على حد التلف

فصار فيها الماء عذبا يُغترف

بيمن ذات الجود فينا، والشّرف

تلك التي آباؤها خير السلف

ويذكر الحربي أن الطرف كانت واحدة من المواضع التي ينزل بها حجاج البصرة في زمنه، وأنهم يخرجون من بطن الرُّمة فيصبحون بالنقرة يتوافون بها أهل الكوفة. من أخذ على طريق الجادة إلى مكة، ويعدلون هم إلى المدينة على طريقين: «إحداهما العسيلة وما والاها، والأخرى على المحدث والأبرقية، ثم يجتمعون ببطن نخل، ثم الطرف، ثم المدينة ومن أضلَّ الطريق من وراء قطن أخذ ذات اليمين». وينقل عن الأسدي في وصف طريق فيد: «إن من بطن نخل إلى الطرف عشرين ميلاً، ومن الطرف إلى المدينة خمسة وعشرين ميلاً». كما قال الأسدي في وصف طريق العراق: إنه على خمسة وعشرين ميلاً من المدينة وعلى عشرين ميلاً من بطن نخل، وذكر فيه آباراً وبركاً، وقال: «وآخر أعلى الطرف بئر أبي ركانة على عشرة أميال من المدينة».

وتتميز الصويدرة بعدد من الآثار وبعض آثارها موغلة في القدم حيث يرجع تاريخها إلى سبعة آلاف سنة قبل الميلاد، وتنتشر الآثار على ضفاف واديها الذي ينحدر من جنوب حرة خيبر مروراً بالصويدرة ومن ثم ينحدر شرقاً إلى الحرة الواقعة إلى الشرق من الطرف (الصويدرة) ويختلط مع وادي الشقرة -وقد ورد هذا الوادي في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ذكر في غزوة ذات الرقاع- وبعض الأودية ومن ثم يتجه جنوب غرب ويصب بقاع حضوضاء، وكان في قديم الزمان لا ينقطع هذا الوادي من جريان المياه وهذا ما جعل هذا الوادي مناسباً للسكن والعيش فيه لوفرة مياهه وخصوبة أرضه ووقوعه على طرق القوافل التجارية القديمة الداخلية المتجهة إلى المدينة وباقي وسط الجزيرة العربية التي تمر (بالطرف) ومن بعض الطرق القديمة طرق القوافل التي تمر بمواقع تاريخية شهيرة في الجزيرة العربية مثل قرية الفاو التاريخية وتيماء ومن ثم بلاد الشام وطريق الكوفة - مكة المكرمة المعروف بدرب زبيدة مثلما تدل الآثار الإسلامية على ذلك، وهناك بعض النقوش وهي واضحة المعالم نقشت بخط واضح وكتبت بأسلوب ينم عن إيمان أصحابها فبعضها أدعية مأثورة لطلب التوبة والمغفرة من الله عز وجل مما يدل على أنها كتبت في العصر الإسلامي ووجود هذه النقوش تدل على أن موقع الطرف (الصويدرة) كان منطقة جاذبة للنشاط الإنساني بسبب غنى الطبيعة ووفرة المياه والنباتات.

الإسلام

وهناك رسوم صخرية يعود تاريخها إلى فترة تاريخية موغلة في القدم حيث يجد الباحث صوراً كبيرة للأسود على كتل صخرية والوعول والطيور والنعام والجمال والخيول والبغال والماعز والكلاب. وبعض هذه الرسوم الصخرية يعود إلى العصر الحجري.

أما العصور الإسلامية فتمثل آثارها في الطرف من خلال المدونات الخطية على الصخور وهي بالكثرة التي تؤكد أهمية هذا المكان بالنسبة للمقيمين أو عابري السبيل من حجاج وتجار ورعاة حيث كانوا يستريحون في وادي الصويدرة تحت أشجاره الكثيفة وفي ظل الصخور والكهوف وعند المزارع وأمام السواقي والقنوات التي لا تزال آثارها وعلاماتها مشاهدة حتى اليوم. كما تتواجد في الوادي بقايا أطلال قديمة، وهي عبارة عن غرف صغيرة مبنية من الأحجار النارية في صفوف مستقيمة وركامات أخرى بجدران متهدمة، وكذا مقابر إسلامية قديمة، بالإضافة إلى قنوات مفتوحة كانت تستخدم في جلب المياه لأغراض الزراعة، وهذا يدل على أنها كانت منطقة سكنية وواحة زراعية في العصور الأولى.

وقد زار الأنصاري رحمه الله الصويدرة في عام 1354هـ، وشاهد آثارها من كتابات ورسوم صخرية وانبهر منها وتمنى أن يكون بها متحفاً حيث يقول: «إننا نجد أنفسنا أمام موقع ذي ميزة فريدة غنية بالآثار، وعلى هذا فلو عني بهذه الآثار المهمة، وحفظت ثم نقلت بفنيَّة إلى (متحف) الصويدرة المرتقب الذي نرى خروجه وإيجاده بالصويدرة ذاتها أسوة بمتحف كل بلد فيه آثار من هذه المملكة، لكان في ذلك إنارة للتاريخ القديم، وتُنقل هذه الصخور الأثرية إلى متحف الصويدرة بعد تنسيقها، مع ما سيكتشف مستقبلاً إذا أجريت الأحافير الأثرية بالصويدرة، ونود أن يتم ذلك قبل أن تكبر البلدة وتتسع، فيصعب حينئذ إجراء هذه الحفريات بأنحائها، بالنظر لامتداد العمران وانتشار السكان في كل مكان من البلد».

وفي عام 1408هـ وجهت وكالة الآثار والمتاحف فريقاً علمياً لحصر وتسجيل الرسوم والنقوش الصخرية وأشار تقرير المسح بأن الصويدرة غنية بالرسوم الصخرية وبالكتابات على امتداد مجرى الوادي الذي يتجه شرقاً غرباً حيث وجدوا مناظر لصيد الوعول بالقوس والسهم، وكذلك رسوم وعول بقرون طويلة متجهة إلى أعلى، ورسوم أبقار بقرون معقوفة، ورسوم أشخاص بأيديهم القوس والسهم وعلى رؤوسهم قبعات ومنظر معركة بين أشخاص. ويخلص التقرير إلى أن الصويدرة تعدّ أهم منطقة أثرية فيما يتعلق بالرسوم والنقوش الصخرية بالقرب من الحناكية، وحصر التقرير عدد النصوص الكوفية في الصويدرة التي بلغت 121 نقشاً منها ثلاثة نقوش مؤرخة بالسنوات: 150هـ، 175هـ، 249هـ .

وفي عام 1439هـ الموافق 2017م أقامت هيئة تطوير المدينة المنورة محاضرة علمية بعنوان: «الطرف (الصويدرة) تاريخ وحضارة» ضمن الفعاليات الثقافية المصاحبة لمهرجان (ناركم حية) الذي نظمته الهيئة في مركز الصويدرة بمنطقة المدينة المنورة وذلك بالخيمة الثقافية بمقر المهرجان، وقد تحدث فيها المؤرخ والتربوي الدكتور/ تنيضب بن عواده الفايدي عن الصويدرة (الطرف) حيث ذكر الدكتور الفايدي أن هناك فصولاً تاريخية تروي قصة نشأة هذه المنطقة التي تختزل الكثير من الشواهد التاريخية والمآثر الحضارية التي تحمل مدلولات ذات عمق تاريخي يرتبط بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، موضحاً أن تاريخ الصويدرة يرتبط كذلك مع منطقة أبرق العزاف أو ما يطلق عليها حالياً بالأبرقية، وهناك مواقع كثيرة ذكرت فيها هذه المنطقة في كتب الأدب والمؤرخين، كما ذكرت هذه المنطقة في كتب شعراء الجاهلية الذين نظموا قصائدهم على الجبال والأودية التي تحتضنها هذه المنطقة التاريخية، مستعرضا الكثير من البصمات التاريخية التي تدل على عِظم تاريخ هذه المنطقة خصوصاً وأنها تحتضن على جانبي الوادي فيها الكثير من النقوش الصخرية التي تشير إلى الحضارات المتعاقبة القديمة فيها خصوصاً تلك النقوش المتمثلة في صور بعض الحيوان والعبارات المنقوشة قبل آلاف السنين، الأمر الذي يتطلب المزيد من الجهد من قبل المؤرخين والباحثين والهيئات المعنية للحفاظ على هذه المنطقة التي توصف بـ»المتحف التاريخي المفتوح».

وثّمن المؤرخ التربوي خلال المحاضرة العلمية توجيه صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة باعتماد هذه المنطقة لتكون قرية تراثية دائمة، مؤكدا اهتمام سموه بالعناية بالتراث الثقافي والتاريخي الذي تكتنزه المنطقة والمساعي المبذولة لتضمين تلك المواقع ضمن قائمة المواقع التراثية بالمملكة وتحقيق هذه الرؤية بمشاركة أهالي المنطقة.

لذا فإن مسؤوليتنا كبيرة ليس في المحافظة على هذا الإرث الحضاري في الصويدرة وإبرازه للناس فحسب، ولكن في تسجيل وتوثيق وتدوين الحرف العربي وعرضه على أسس علمية وترسيخ أهميته للحضارة العربية والإسلامية وإبراز الجوانب التاريخية لها حيث إنها جزء غال من الوطن الحبيب، وربط أهلها بتاريخها وإشعار أبنائنا وبناتنا قيمة تلك المواقع التاريخية أمرٌ ضروري للغاية؛ لأنها تعطي الثقة الكبيرة تجاه الوطن والاعتزاز به.

الإسلام

** **

المراجع:

المغانم المطابة للفيروزآبادي، وفاء الوفا للسمهودي، المناسك للحربي، الأعلاق النفيسة لابن رستة، أسماء جبال تهامة لـ: عرام السلمي، معجم البلدان للحموي، صفة جزيرة العرب للهمداني، الصويدرة (الطرف قديماً) آثارها ونقوشها الإسلامية تأليف: أ. د. سعد بن عبد العزيز الراشد، بين التاريخ والآثار للأنصاري، صيد الذاكرة الباصرة للدكتور/ تنيضب الفايدي، معجم معالم الحجاز للبلادي، محافظة الحناكية (بطن نخل) أرض الغزوات ومعبر التاريخ للدكتور/ تنيضب الفايدي.

تكتسب هذه النقوش والآثار أهميتها من كونها وثائق صخرية حية توثق تفاصيل التطور التاريخي والجغرافي لطرق الحج والتجارة في صدر الإسلام. ويبقى تتبع هذه المواقع ومحطات درب زبيدة ودرب النقرة سبيلاً أساسياً لفهم العمق الحضاري والجغرافي لمنطقة المدينة المنورة، مما يستدعي مواصلة العناية بها ودراستها كإرث إنساني فريد.