تسارع المدن السعودية خطاها نحو ترسيخ موقعها على خريطة المدن العالمية الأكثر قابلية للعيش، مدفوعة باستثمارات ضخمة وبرامج ومبادرات تهدف إلى تعزيز تنافسيتها وجاذبيتها للسكان والمستثمرين والزوار. وقد أثبتت مدن الخبر والرياض وجدة، بإدراجها ضمن قائمة أفضل 173 مدينة عالميًا، نجاح البرامج والمبادرات التي انطلقت لتحسين المشهد الحضري، وتطوير البنية التحتية بتقنيات المدن الذكية، ودمج العنصر الجمالي المتناغم مع هويات المناطق، مما يعزز الهوية العمرانية المحلية ويحقق التنمية الحضرية المستدامة وتوزيع الخدمات بشكل متوازن. كما أظهرت هذه المدن قابلية متنامية للعيش، تجلت في الاستقرار والأمان وانخفاض مخاطر الأعمال، مع بيئة ذكية تدعم تشغيل رؤوس الأموال بأمان، وتخدم المستثمر المحلي وتطمئن الأجنبي على استثماراته، مما يسهم في بناء قوة عاملة ماهرة تدعم قطاعات السياحة والتجزئة وغيرها من الأنشطة بشكل مستدام.

تأتي هذه التطورات في إطار استراتيجية المملكة لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، مع التركيز على تحسين جودة الحياة وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

بناء مدن ذكية ومستدامة

تمكنت المملكة من تطوير الخدمات الحضرية وبناء مدن ذكية مستدامة تسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز التنافسية العالمية، وهو ما تجسد في تحقيق 8 مدن سعودية حضورًا لافتًا في مؤشر IMD للمدن الذكية لعام 2026 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية. ويعكس هذا الإنجاز تسارع وتيرة التطوير وتحسن جودة الحياة في مدن المملكة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. وقد تقدمت الرياض إلى المرتبة 24 عالميًا بعد أن كانت في المرتبة 27، بينما حلت مكة المكرمة في المرتبة 50، وجدة في المرتبة 55، والمدينة المنورة في المرتبة 67، والخبر في المرتبة 64. وسجلت العلا قفزة نوعية من المرتبة 112 إلى المرتبة 85، مما يدل على التطور المتسارع في مشاريعها التنموية والسياحية. كما شهد المؤشر إدراج حائل وحفر الباطن لأول مرة، حيث حققت حائل المرتبة 33، وجاءت حفر الباطن في المرتبة 100 من بين 148 مدينة حول العالم. وتتواصل هذه الجهود عبر برامج مثل برنامج جودة الحياة الذي أسهم في تحويل المملكة إلى وجهة عالمية للفعاليات الرياضية والترفيهية، وجعلها نقطة جذب سياحية إقليمية ودولية.

صناعة التحول

وقد ضاعف برنامج جودة الحياة صناعة التحول في البيئة الحضرية، والتخطيط لمدن المستقبل، بجانب تطوير منظومة البيانات السياحية، وتعزيز البنية التحتية الأمنية، وتقديم الحلول السكنية، وتحسين الظروف المعيشية للوافدين، وتسهيل اندماجهم لإثراء المشهد الاجتماعي للمملكة وأثر بالإيجاب في حياة المواطنين والمقيمين في البلاد عبر التزامه بتحقيق شروط البيئة المتكاملة لتوفير الرفاهية، من خلال 10 أهداف استراتيجية، وقد صاغ البرنامج مبادراته التي تجاوزت نحو 170 مبادرة عبر 3 أولويات رئيسة تتجسد في: "محورية الإنسان - التوزيع الجغرافي للفعاليات - الاستدامة "وتمكنت وزارة البلديات والإسكان وتحت مبادرة البرنامج المتعلقة بمشاريع أنسنة المدن والمدن الخضراء، في وقت مبكر من زيادة معدل نصيب الفرد من الساحات والأماكن العامة في بعض الأمانات، بمقدار تجاوز 6.16 م2 للفرد متجاوزة المستهدف المخطط له 4.65م2 للفرد، إضافة إلى زيادة تغطية المدن بالمسطحات الخضراء وبإجمالي عدد حدائق بلغ 8,328 حديقة ومتنزهاً، بمساحة قدرها 161.5 مليون م2، فيما بلغ إجمالي عدد الملاعب 5,515 ملعبًا، وغُرست أكثر من 24 مليون شجرة، واُستحدثت قرابة 222.9 مليون م2 من المساحات الخضراء، إلى جانب ذلك، زادت عدد المراكز الحضارية لتصل إلى257 مركزًا حضارياً، وسجلت عدد ساحات مواقف السيارات زيادة وصلت إلى 4،449 ساحة موقف، وكذلك زادت أعداد ميادين الاحتفالات لتصل إلى649 ميدانًا احتفاليًا.

حراك استثماري متنامٍ

يسهم النشاط التجاري والحركة الاقتصادية المتسارعة في تحسين جودة الحياة والبرامج المرتبطة بها، وقد انعكست هذه الجهود إيجابًا على حركة الاستثمار المحلي في المدن السعودية. فخلال الربع الثاني من عام 2026، صدر أكثر من 71 ألف سجل تجاري جديد، ليرتفع إجمالي السجلات التجارية القائمة في المملكة إلى أكثر من 1.9 مليون سجل، محققًا نموًا ملحوظًا خلال السنوات الخمس الماضية. وبلغ عدد سجلات المؤسسات نحو 1.28 مليون سجل بنهاية الربع الثاني من 2026، بزيادة 18% مقارنة بعام 2021، بينما سجلت الشركات ذات المسؤولية المحدودة نموًا بنسبة 173% خلال خمس سنوات لتصل إلى 612 ألف سجل. واستحوذت السيدات على 47% من إجمالي السجلات الصادرة للمؤسسات. وشكلت مناطق الرياض ومكة المكرمة والمنطقة الشرقية مجتمعة 69% من إجمالي السجلات التجارية الصادرة خلال الربع الثاني، وتصدرت الرياض بإصدار 23.27 ألف سجل، تلتها مكة المكرمة بـ16.35 ألف سجل، ثم المنطقة الشرقية بـ10 آلاف سجل، وعسير بـ3.81 آلاف سجل، والقصيم بـ3.79 آلاف سجل. وتصدر قطاع التشييد الأنشطة الاقتصادية الأكثر إصدارًا للسجلات التجارية بنسبة 47% وبواقع 33.4 ألف سجل، يليه تجارة الجملة والتجزئة بـ21.75 ألف سجل (30%)، ثم خدمات الإقامة والطعام بـ13.04 ألف سجل (18%). وشملت الأنشطة الأخرى النقل والتخزين بـ9.99 آلاف سجل، والصناعات التحويلية بـ9.52 آلاف سجل، والأنشطة المهنية والعلمية والتقنية بـ5.51 آلاف سجل، والأنشطة العقارية بـ4.17 آلاف سجل، وقطاع المعلومات والاتصالات بـ3.68 آلاف سجل.

الاستثمار الأجنبي المستقطب

ورصدت تلك الإيجابية أيضا في نطاق الاستثمار الأجنبي المستقطب حيث تجاوز عدد الشركات العالمية التي أنشأت مقرات إقليمية في المملكة أكثر من 700 شركة، وهو رقم لافت يعكس حجم التحول الذي تشهده بيئة الأعمال السعودية منذ إطلاق رؤية المملكة 2030. اللافت في هذه القفزة ليس الرقم في حد ذاته فحسب، بل السرعة التي تحقق بها؛ إذ نجحت المملكة في تجاوز هدفها المعلن باستقطاب 500 مقر إقليمي للشركات العالمية قبل عام 2030 بست سنوات تقريبًا، في خطوة تؤكد التحول الجذري في موقع السعودية على خارطة الاستثمار العالمي.

تحسين الظروف المعيشية للوافدين

وكان للجهود المبذولة في تحسين الظروف المعيشية للوافدين عبر مبادرة تنظيم قطاع سكن العمال الوافدين في جميع أنحاء المملكة أثر في تلك النجاحات وفي تحقيق العديد من الإنجازات التي نفذتها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والتي من بينها؛ اكتمال آليات حوكمة العمل بين الجهات الحكومية ذات العلاقة في تنظيم القطاع، والانتهاء من عمليات خصخصة خدمة ترخيص سكن العمالة من خلال المكاتب الهندسية، وضمن مبادرة تطوير الخدمات المخصصة للوافدين الهادفة لتحقيق أعلى مستويات الرضا وتحسين الظروف المعيشية لهم؛ أُصدر دليل شامل للخدمات المُقدمة بعد تطويره؛ وذلك بهدف معرفة الحقوق، والواجبات، والأنظمة، والقوانين. بالإضافة إلى تفعيل منظومة رضى المستفيد في جميع الجهات الحكومية. وكذلك دُشنت خدمة صوت المستفيدين لتمكينهم من مشاركة الآراء والملاحظات حول جودة الخدمات المقدمة بشكل فوري، علاوة على ذلك زُوّد مركز العناية بالمستفيد بميزة التسجيل المرئي والمسموع ليتم رفع جودة الخدمات، وتعزيز الشفافية لمعالجة التحديات في المركز، ويستمر العمل والتقدم في تنفيذ تلك المبادرات والبرامج الهادفة إلى تعزيز مكانتها على خارطة المدن العالمية الأكثر ملاءمة للعيش بدلالة كشف وزارة البلديات والإسكان عن طرح أكثر من 13 ألف فرصة استثمارية عبر بوابة الاستثمار في المدن السعودية "فرص" خلال النصف الأول من عام 2026، فيما تجاوزت القيمة الإجمالية للعقود المبرمة عبر البوابة 4.6 مليارات ريال، ضمن جهودها الرامية إلى تعزيز الاستثمار البلدي ورفع كفاءة الاستفادة من الأصول البلدية في مختلف مناطق المملكة، وتشمل تلك الفرص المطروحة في القطاع البلدي تطوير وتشغيل الأصول البلدية والمرافق الخدمية وغيرها، بما يتيح للقطاع الخاص الاطلاع على الفرص المتاحة والتقدم لها عبر إجراءات موحدة وشفافة، وتسهم في تعزيز التنافسية ورفع كفاءة الاستثمار وتنمية الشراكة مع المستثمرين وتغطي نطاقًا واسعًا من الأنشطة الاقتصادية، تشمل القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية والتعليمية والصحية والبيئية، إلى جانب المرافق العامة والأنشطة الرياضية والترفيهية والسياحية، ومشاريع التشييد وإدارة العقارات والنقل والخدمات المختلفة، بما يعزز جاذبية المدن السعودية ويدعم التنمية الاقتصادية والعمرانية المستدامة.

طبيعة ومدن حضرية جاذبة للسكان

بنية تحتية بالمدن تحفز مختلف الاستثمارات

تنامي الاقتصاد الوطني

وتعكس الأرقام المتزايدة للسجلات التجارية ونمو المدن السعودية في مؤشرات العيش والذكاء التنافسية العالمية، نجاح برامج رؤية 2030 في تحويل المدن إلى مراكز جاذبة للاستثمار والابتكار. ومع استمرار تنفيذ مبادرات مثل برنامج جودة الحياة ومشاريع أنسنة المدن، من المتوقع أن تواصل المملكة تعزيز مكانتها كوجهة مفضلة للعيش والعمل والاستثمار. ويركز المراقبون على أهمية استدامة هذه الجهود لضمان تحقيق الأهداف الطموحة للرؤية.