موقع جرش الأثري بعسير يروي تاريخ الحضارة والتجارة عبر 6 محطات تفاعلية
يقدم موقع جرش الأثري بمحافظة أحد رفيدة تجربة استكشافية غنية للزوار، مسلطًا الضوء على دوره التاريخي كمحطة محورية على طرق التجارة القديمة.
يعيش زوار موقع "جرش الأثري" في محافظة أحد رفيدة بمنطقة عسير تجربة استثنائية فور دخولهم مركز الزوار، حيث تنقلهم المعروضات والممرات المؤهلة في رحلة زمنية تستحضر تاريخ مدينة لعبت دورًا بارزًا في التجارة والحج والتفاعل الحضاري بجنوب الجزيرة العربية.
تحظى المواقع التاريخية في المملكة بعناية مستمرة لتوثيق الإرث الوطني وإبراز عمقه الحضاري أمام الزوار والباحثين.
يتولى مرشدون ومرشدات ثقافيون متمكنون استقبال الزائرين في المركز، لتقديم جولة تثقيفية متكاملة تعتمد على وسائل عرض متنوعة تشمل اللوحات التوضيحية، والأفلام المصورة، والمجسمات والقطع الأثرية، فضلاً عن الإجابة عن استفسارات الحضور.
ويمضي الزائر في المركز عبر ست محطات تعريفية متتابعة، تبدأ بالتعريف بمحافظة أحد رفيدة وجغرافيتها، ثم بتاريخ موقع جرش الأثري الذي يعود إلى الألف الأول قبل الميلاد, وتبرز هذه المحطة أن جرش كانت مدينة ذات أهمية كبيرة استمرت خلال العصور الإسلامية الأولى.
وتنتقل المحطات إلى تقديم فيلم تلفزيوني قصير يعرف بالموقع الأثري ومدينة جرش القديمة، مستعرضًا تاريخها وحضارتها وأهم مكوناتها ومكتشفاتها الأثرية.
ويستعرض عرض بصري آخر القيمة التاريخية والحضارية لمدينة جرش، لا سيما تموضعها الاستراتيجي على طريق البخور وطرق التجارة التاريخية الرابطة بين شمال وجنوب الجزيرة العربية، بما أسهم في تعزيز ارتباطها بالقوافل المارة والسكان المحليين.
وفي محطة اللقى الأثرية، يطالع الزائر مجموعة من المكتشفات التي عُثر عليها في الموقع، وتشمل المعادن والزجاج والفخار والمصنوعات الحجرية، حيث تُعرض بعض هذه القطع في حافظات زجاجية تتيح للزائر معاينتها عن قرب.
وتشير المعلومات المعروضة إلى أن سكان جرش استفادوا من وفرة الصخور في بيئتهم، فاعتمدوها مادة رئيسة في بناء مدينتهم، كما استخدموها في صناعة الرحى والأواني والسرج والأدوات المنزلية.
وكشفت التنقيبات عن أدوات زجاجية بألوان متعددة، وعن تطور ملحوظ في الصناعات المعدنية، تتمثل في العملات، والحلي، والمسامير، والأواني المعدنية.
وتحمل محطة "المكتشفات الأثرية في جرش" الزائر في جولة بانورامية بتقنية 360 درجة، تعرض أبرز المكتشفات في الموقع، ومنها الحصن، والمنشآت المائية، والمسجدان، والرسومات الصخرية، والكتابات القديمة.
وأظهرت أعمال التنقيب المتواصلة منذ أكثر من ثلاثة عقود، عن أساسات مسجدين يعودان إلى فترة إسلامية مبكرة، بُنيا فوق أساسات حصن يعود إلى ما قبل الإسلام.
وأسفر الموسم الخامس عشر للتنقيب في عام 2023م عن رصد بئر أثرية مشيدة بالأحجار والطين، ترتبط بشبكة قنوات حجرية مخصصة لإمداد المساكن المجاورة بالمياه، مما يعكس مدى تقدم هندسة إدارة الموارد المائية في تلك الحقبة.
وفي شهر أبريل المنصرم اختتمت هيئة التراث أعمال الموسم السابع عشر من مشروع التنقيب في موقع جرش الأثري، وأسفرت أعمال التنقيب خلال هذا الموسم –حسب بيان الهيئة- عن اكتشاف وحدات سكنية تعود إلى فترتين زمنيتين مختلفتين، شيدت جدرانها باستخدام الحجارة الكبيرة المهذبة ومونة الطين، وتمثل امتدادًا لما تم الكشف عنه في المواسم السابقة، وتحديدًا في الجهة الشرقية من المسجد المكتشف سابقًا في الموقع، وتضمنت هذه الوحدات غرفًا تحتوي على عناصر معمارية دقيقة، شملت مستودعات صغيرة لتخزين الحبوب، وأفران فخارية للطبخ، إلى جانب أحواض ودعامات تعكس أسلوب البناء المحلي السائد في تلك الحقبة.
ووثقت الهيئة من خلال أعمال الموسم شاهدًا حجريًا نقش على وجهيه نصان بالخط الكوفي، يعود أحدهما إلى يوم الخميس السابع عشر من شهر رمضان لعام 311 للهجرة، ما يمثل إضافة علمية مهمة للدلالات التاريخية المرتبطة بالموقع.
وشملت المكتشفات الأثرية عددًا من الأدوات الحجرية، تمثلت في أجزاء من مدقّات، ومساحن، ومجموعة من الرحى بأحجام وأشكال متعددة، إضافة إلى أجزاء من أوانٍ مصنوعة من الفخار العادي والمزجج، وأخرى زجاجية، إلى جانب أوانٍ منحوتة من الأحجار الصابونية.
ولا تتوقف رحلة زائر "جُرش" عند حدود الشواهد الأثرية، بل تمتد إلى التعريف بالتراث العمراني في منطقة عسير، من خلال فيلم قصير يستعرض الفرق بين العمارة الجبلية والعمارة الطينية، ويقدم نماذج من القرى التراثية في المنطقة، إلى جانب إبراز تميز القط العسيري بوصفه أحد عناصر التراث غير المادي المسجل في قائمة اليونسكو.
وفي ختام الزيارة، يطلع الزائر على الحرف اليدوية التي اشتهرت بها جرش ومنطقة عسير، ومنها المشغولات الجلدية التي عُرفت باسم "أديم جرشي"، والصناعات المعدنية التي برزت في صناعة الأسلحة والأواني والحلي والمجوهرات، إضافة إلى الصناعات الفخارية التي اعتمد عليها الأهالي في حياتهم اليومية.
وتمثل جرش الأثرية بقايا مخلاف وحضارات متعاقبة في جنوب الجزيرة العربية، وقد سادت لقرون طويلة قبل أن تندثر، تاركةً شواهد تدل على تحولات تاريخية متلاحقة، وتبرز بوصفها مدينة حضارية وزراعية وصناعية ذات حرفية متميزة، عُرفت بالقوة والحصانة.
وتتوسط أطلال جرش اليوم محافظة أحد رفيدة شرق أبها بنحو 30 كيلومترًا، ويحيط بها جبلان هما جبل "حمومة" في الجهة الشرقية، وجبل "شَكَر" في الجهة الغربية.
ويبرز في الموقع نقش صخري منفذ بالحفر البارز لأسد ينقض على ثور، كُتب تحته بالخط المسند عبارة "ثورن نعمن وأسدن ملقا"، ويعود تاريخه إلى القرن الأول الميلادي، ويعد من الشواهد الدالة على القوة والحصانة في تلك الفترة.
وعُرفت جرش أيضًا بصناعاتها المتنوعة، إذ احتضنت مصانع للدباغة والفخار والصناعات الحربية، ومنها المنجنيق والعرادات، وهو ما وثقته المصادر التاريخية التي أفردت صفحات للحديث عن موقع جرش وأعمال سكانها.
ويقدم مركز زوار جرش محتواه كاملًا باللغتين العربية والإنجليزية، مع توفير خدمات مساندة للزوار، من بينها المظلات والكراسي المتحركة، بما يسهم في تحسين تجربة الزيارة وجعلها أكثر شمولًا.
وبهذا التكامل بين الموقع الأثري ومركز الزوار، تتحول جرش إلى وجهة ثقافية وسياحية واعدة في منطقة عسير، حيث يلتقي الزائر مع قصة حضارة عريقة لا تزال شواهدها حاضرة في أطلال المدينة ولقى مركزها، لتؤكد أن جرش لم تكن مجرد محطة على طريق قديم، بل كانت مركزًا حضاريًا ترك أثره في تاريخ جنوب الجزيرة العربية.
















تؤكد أعمال التنقيب المستمرة في موقع جرش الأثري على الأهمية الكبيرة التي توليها الجهات المعنية لاكتشاف وحفظ الإرث التاريخي للمملكة. وتسهم هذه الجهود المستمرة منذ عقود في الكشف تدريجيًا عن تفاصيل المعمار والأنظمة الحياتية القديمة التي سادت في جنوب الجزيرة العربية. ويشكل الموقع بملامحه العمرانية ومكتشفاته المتنوعة رافدًا أساسيًا لدراسة تطور الاستيطان البشري وطرق التجارة القديمة. ومن المتوقع أن تلعب هذه الاكتشافات دورًا متناميًا في تعزيز السياحة الثقافية وإثراء المعرفة التاريخية للأجيال القادمة.
المصدر الأصلي: سبق
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.