بداية مشروع الإذاعة

بداية مشروع الإذاعة

الثلاثاء الموافق 14 يوليو 2026

يأتي هذا التقرير في إطار إلقاء الضوء على تطور الإعلام السعودي منذ نشأته.

«الجزيرة» - أحمد الأسمري:

في يوليو 1949، وكان العالم قد أنهى لتوه حرباً عظيمة غيّرت الخرائط وميزان القوى، ومهدت لموجة استقلال عارمة في العالم الثالث، بينما شرعت الدول الصاعدة في بناء مؤسساتها والبحث عن صوت يمثلها أمام شعوبها والعالم.

في ذلك الزمن، امتلك الراديو نفوذاً هائلاً. عبره تصل الأخبار والخطب والأفكار، وتتشكل صورة الدولة، وتدخل الرسالة السياسية والثقافية إلى البيوت.

وفي المملكة، بدأت فكرة إنشاء الإذاعة باقتراح من ولي العهد حينها الأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز، الذي عرضها على والده الملك المؤسس عبد العزيز، فوافق عليها، وكلّف وزير المالية عبدالله السليمان الحمدان بتنفيذها، بإشراف من الأمير (الملك) فيصل، نائب الملك في الحجاز.

وفي يوليو 1949، قبل سبع وسبعين سنة، أصدر الملك عبد العزيز مرسوماً وضع الإطار العام للإذاعة السعودية.

ما يلفت النظر في المرسوم أنه تجاوز مجرد إنشاء محطة وأجهزة بث إلى وضع أسس للعمل الإعلامي ذاته، تقوم على الصدق والأمانة والواقعية والموضوعية، والابتعاد عن الشتائم والتلميحات والمبالغة في المديح، مع الاهتمام بالقرآن والمواعظ والشؤون الدينية، مما يشير إلى نظرة مبكرة للإعلام كمسؤولية ورسالة.

وفي الأول من أكتوبر من العام نفسه، الموافق يوم عرفة، بدأ الإرسال المنتظم من إذاعة جدة، وحملت بدايات البث كلمة للملك عبد العزيز ألقاها نيابة عنه ابنه فيصل، رحبت بحجاج بيت الله الحرام وهنأتهم بأداء المناسك.

اتسعت البرامج وساعات الإرسال، ثم دخلت الرياض خريطة البث الإذاعي عام 1965، وفي يوليو من العام نفسه افتتح التلفزيون السعودي بثه الرسمي من الرياض وجدة، لتدخل الصورة إلى جانب الصوت في مرحلة جديدة من تاريخ الإعلام الوطني.

وتوالت المحطات ذات الرسائل المتخصصة تباعاً، فظهرت «صوت الإسلام» من مكة المكرمة، وعُرفت لاحقاً باسم «نداء الإسلام»، ثم انطلقت إذاعة القرآن الكريم من الرياض، واتسع البث السعودي الموجه إلى الخارج بلغات متعددة.

كان مهماً أن يحمل الصوت الإعلامي هوية البلاد ورسالتها، ويرتبط منذ بداياته بالتمسك بالدين القويم ومنهج الدولة المستقيم.

مرت العقود، وتطورت الإذاعة والتلفزيون الرسميان، وفي مسار مختلف ظهر ثقل سعودي واسع في صناعة الإعلام العربي الخاص.

عام 1991 انطلقت MBC من لندن كقناة فضائية مستقلة، ثم ظهرت شبكة ART عام 1993، ودخلت «أوربت» المشهد الفضائي في 1994.

ثلاث تجارب مختلفة في الشكل والمضمون، لكنها عكست حضور رأس المال والخبرة السعودية في صناعة الإعلام العابر للحدود.

وخلال التسعينيات وما بعدها، أصبح للسعوديين ثقل واضح في الفضاء الإعلامي العربي. توسع الحضور في الأخبار والدراما والرياضة والترفيه، واشتدت المنافسة على المحتوى وحقوق البث والجمهور العربي.

وبين مرسوم الملك عبد العزيز عام 1949 وعصر الفضائيات مسافة طويلة من الزمن والتحولات، لكن العودة إلى الماضي تكشف قيمة الخطوة الأولى.

فبعد أن وحّد الملك عبد العزيز أجزاء البلاد، أدرك أهمية أن يصل صوتها إلى الناس، وأن يقوم هذا الصوت على إطار واضح من المسؤولية والوعي برسالة الوطن.

رحلة انطلقت عبر موجات جدة، واتسعت عبر إذاعات المملكة وشاشاتها، ثم مضت بقطاعيها الرسمي والخاص، إلى مساحة أرحب في فضاء الإعلام العربي.

مراجعجغرافية

كانت البداية مشروع إذاعة، أما جوهر الفكرة فكان أعمق، وهو أن يكون للبلد صوته المسموع.

ويبرز المرسوم الملكي آنذاك رؤية مبكرة للإعلام كرسالة لا مجرد أداة. وتوالت بعد ذلك محطات متخصصة تعكس تنوع الخطاب الإعلامي السعودي. ويمكن القول إن هذه المسيرة شكلت أساساً للإعلام السعودي المعاصر.